الخزانة الثانية..
خلق الله ﷿ آدم ثم خلق من أحد أضلاعه زوجه حواء، ثم أسكن الله آدم وزوجة جنة في السماء ليربيه على امتثال الأمر واجتناب النهي، وإذا أخطأ قوم خطأه، فأخطأ وزوجة وأكلا من الشجرة التي نهاه الله عنها فتاب إلى ربه فتاب الله ﷿ عليه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
ولما أخرجه الله من الجنة وأسكنه الأرض حاسبه وعاقبه وذريته على مخالفة أمره، ففي الجنة أسكنه ليقومه وفي الأرض أسكنه ليثيبه على فعل الأمر ويعاقبه في فعل النهي:﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
ففي الجنة يصوب المخطئ ولا يؤدب، وفي الأرض بعد التربية والتدريب يؤدب ولا يصوب، فآدم في الجنة غير معصوم ولما أسكنه الله الأرض كان معصومًا لأنه رسول من ربه إلى ذريته: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
وقد خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض، والخليفة من يخلف غيره وآدم وذريته خلفوا الجن في عمارة الأرض،وذريته يخلف بعضهم بعض والله أستخلف آدم وذريته لإبلاغ دينه والعمل به: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
والخليفة له ثلاثة مهام:
الأول: خليفة يخلف الله بإبلاغ شريعته لعباده، كما من على آدم وذريته فجعل منهم خلفاء الأرض يحكمون بين الناس بالحق والعدل كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٠]
وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
الثاني: خليفة يخلف من سبقه، لأن الأرض كانت معمورة قبل آدم بالجن كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
الثالث: خليفة يخلف من سبقه بعضهم يخلف بعض، فإذا مات هذا خلفه هذا كل هذا محتمل وكل هذا واقع.
والله ﷿ خلق الإنسان مركب من بدن وروح ونفس، والروح مخلوق يسكنه الله في الأجساد فتنبعث بالحياة والنفس إذا اتصلت الروح بالجسد ظهرت النفس الشهوانية والروح قبل أن تتصل بالجسد خيرة طيبة والأجساد قبل أن تتصل بها الروح خيرة طيبة، فإذا اتصلت الروح بالجسد تحركت النفس بالشهوات، فإذا خرجت الروح مات الإنسان وذهبت الروح إلى عالمها، وذهبت النفس إلى عالمها.
والنفس تنفذ ما يريد الإنسان وإن كانت كاره، لأنها مسخرة طائعة لإرادة الإنسان: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
فأرواحنا وأنفسنا وجوارحنا مسخرة لنا قابلة للطاعة وللمعصية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
فالروح لذتها بالإيمان والطاعة لله، والنفس لذتها بالشهوات شهوة البطن والفرج وشهوة المراكب والمساكن والملابس ونحو ذلك من الشهوات: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
والروح لها معنيان:
الأول: أن الروح ما به حركة الحياة.
الثاني: ما به ضبط حركة الحياة بمنهج الله في الدنيا.
فالأولى الحيوان والمسلم والكافر فيها سواء وبها يتميز الحي من الميت.
والثانية خاصة بالإنسان يهتدي بها لأحسن السبل في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
ولهذا سمى الله القرآن روح بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
فهذه الروح تجعل حركة الإنسان في الحياة مجزية ونافعة ومفيدة، فمن لم يرزق هذه الحياة صارت حياته كالبهائم بل أضل: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والروح الأولى تتحرك بها المادة الساكنة والروح الثانية تجعل حركة الإنسان نافعة ومفيدة، وهذه هي الحياة المطلوبة التي جاء بها الرسل، وهي حياة وهي حياة القيم والأخلاق.
فلابد لكل إنسان ليسعد في الدنيا والآخرة من نفختين، نفخة الرسول الملكي بالحياة حينما كان في بطن أمه فينفخ فيه الروح، والثاني نفخة الرسول البشري وذلك بالدعوة إلى الله فإذا اهتدى صار حيًا بعد موته: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وزوده بملكاتٍ متعددة، فله عينٌ ترى، وله أذنٌ تسمع، وله لسان يتكلم، وله فكرٌ يعقل، وله قلبٌ يعتقد، وله جوارح تعمل، فالمؤمن سخر جميع ملكاته في طاعة ربه، وضبط استعمالها فيما يحب ربه ويرضاه، فلا تنازع بينها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
والكافر سخر جميع ملكاته في طاعة هواه والشيطان، ونفسه الأمارة بالسوء، فهو يحصد الذنوب بها في جميع أوقاته،ويعصي بها من خلقه ورباه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
وقال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله ﷿: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
والمؤمن عقد السلام مع ربه، ومع نفسه، ومع مجتمعه الذي يعيش فيه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والكافر عقد السلام مع نفسه، وفقد السلام مع ربه، ومع مجتمعه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وسيعلم يوم القيامة أن سلامه مع نفسه وهمٌ مؤقت، وسلام المؤمن حقيقي، فلا تناقض بين قوله وفعله، ولا بين ما رآه وما سمعه، ولا بين دنياه وآخرته، فالمؤمن أعلن إيمانه فسعد في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
والكافر أعلن كفره: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
أما المنافق فهو متناقض مضطرب، مريضٌ متنازع النفس الإنسانية، يرى الصلاح فسادًا، والسفاهة عقلًا، والشر خيرًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٣].
فهم يظهرون الإيمان خوفًا، ويبطنون الكفر جبنًا، يستعملون ملكاتهم في الظاهر استعمال المؤمنين، ويستعملونها في الباطن استعمال الكافرين، فالمنافق أظهر الإسلام وأبطن الكفر: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥].
فجزاء الاستهزاء بالله ورسوله والمؤمنين، الله يستهزأ بهم، يجري عليهم في الدنيا أحكام الإسلام من الزواج والإرث، ونحوها، احترامًا لإعلانهم الإيمان في الظاهر، ولكن يوم القيامة لا يكون المنافق في النار فحسب، بل في الدرك الأسفل من النار: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
فالمنافق أشد عذابًا من الكافر؛ لأنه استغل في الدنيا بالإيمان واستفاد منه، وهو كاذب فيعوض عن ذلك يوم القيامة ذلة الكفر: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
والمؤمن أعقل الناس يريد أن يحافظ على ذاتيته الأصيلة:﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فالمؤمن يريد أن يحافظ على ذاتيته الأصيلة وهي الإيمان،وعلى ذاتيته الوكيلة وهي الخلافة في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
والدعوة إلى الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
أما الكافر فيريد أن يحافظ على ذاتيته الطارئة، وهي الكفر، فإن كان كفره بسبب الجهل، زال بالدعوة إلى الله، وإن كان كفره بسبب مصلحة والكبر زال ذلك بالجهاد الذي شرعه الله ليكون الدين كله لله، فالأولى حق، والثانية حمق، والحمق يزال أولًا باللين والدعوة، فإذا لم يستجب الإنسان أزيل ذلك بالشدة والقسوة، قطعًا لدابر الشر عن الناس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].
فالإيمان والكفر كالنور والظلام، طرفان متقابلان، وأهل كل واحد يدع الآخر إلى صفه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]
الله ﷿ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وابتلاه بثلاثة أشياء:
١ - ابتلاه بالشهوات الحيوانية.
٢ - وبالأوامر الإلهية.
٣ - وبالمصائب القدرية.
• والنفوس البشرية نوعان:
الأول: نفوسٌ طيبةٌ طاهرةٌ مشرقة، خيرة علوية يصدر عنها أفعالٌ فاضلةٌ كريمة، فهذه نفوسٌ مشرقة بالإيمان، صافيةٌ يظهر فيها من القرآن نورٌ على نور، في أقوالها، وأفعالها، وأخلاقها: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
النوع الثاني: نفوسٌ كدرةٌ، نذلةٌ، خبيثةٌ، مظلومةٌ، مضلة، يصدر عنها أفعالٌ خسيسة فاسدة، فهذه نفوسٌ كدرةٌ مظلمة، يظهر فيها من القرآن ضلالٌ على ضلال في أقوالها وأفعالها وأخلاقها ونكالٌ على نكال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
وشأن الإنسان أنه إذا فاز بمحبوبه ووصل إلى مطلوبة اغتر بنفسه وماله، وصار غافلًا عن عبادة ربه الذي أنعم عليه، فأقبل على معصيته، وأعرض عن طاعته، كما قال سبحانه:﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨].
وكل ما زاد الله عليه نعمه اغتر بها، فنسي ذكر الله، وأعرض عن عبادة ربه، وإن مسه فقرٌ أو مرضٌ أو ابتلاء كان يؤوسًا شديد اليأس من رحمة الله، واستولى عليه الأسف والحزن على الدنيا، ولم يتفرغ لذكر الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]
فهذا شأن الإنسان الذي لم يؤمن بربه، محرومٌ أبدًا من ذكر الله، ومن ذكر رحمته، سواءٌ أعطي، أو منع: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء: ٨٣ - ٨٤]
فليس العطاء، أو المنع المادي دليلٌ على رضا الله على العبد،بل رضاه سبحانه مقرونٌ بعبادته وحده لا شريك له وطاعته: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٥ - ٢٠].
ولا سعادة للإنسان أبدًا إلا بالإيمان بالله، ودوام ذكره،والعمل بشرعه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وهذه النفوس المؤمنة المطمئنة تعود إلى ربها يوم القيامة راضيةً مرضية: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
والأصل في الإنسان الجهل، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
والأصل في الإنسان الضلال، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ».
أخرجه مسلم.
والإنسان ظلومٌ جهول، فلابد من الجود عليه، ليكون مؤمنًا بعد كفره، عالمًا بعد جهله، عادلًا بعد ظلمه، رحيمًا بعد قسوته: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
والله ﷿ فطر الناس على التوحيد، ولكن الشياطين جاءتهم واجتالتهم عن دينهم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وقال النبي ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» أخرجه مسلم.
ولهذا بعث الله الأنبياء لسقي هذه الفطرة، وحمايتها من كل شيءٍ يفسدها: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وكمال الإنسان بأمرين:
١ - أن يعرف الحق لذاته.
٢ - ويعرف الخير لأجل العمل به.
واستكمال القوة النظرية بالعلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
واستكمال القوة العملية بفعل الخيرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والقوة النظرية أشرف من القوة العملية والقوة العملية ثمرة القوة العلمية: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
واستكمال القوة النظرية بالمعارف الإلهية، كما قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
واستكمال القوة العملية بالأعمال الصالحة والطاعة الكاملة، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
شرف الله الإنسان، وخصه بكرماتٍ دون غيره من المخلوقات: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فالمخلوقات العظيمة في هذا الكون ستة أجناس، الجمادات، والنباتات، والحيوانات، والإنس، والجن،والملائكة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والإنسان أشرف هذه المخلوقات، وقد خصه الله بكرمات، فخلقه سبحانه بيديه، وخلق جميع المخلوقات بأمره.
الثالثة: أن الله نفخ فيه من روحه.
والرابعة: أن الله علمه أسماء كل شيء.
والخامسة: أن الله لا يرضى أن يسجد أحدٌ لغيره، وأسجد جميع الملائكة الذين هم أشرف المخلوقات للإنسان تشريفًا له.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
السادسة: أن الله خلق جميع المخلوقات قبل الإنسان، وسخرها لخدمة الإنسان، فكلها خادمةٌ للإنسان، والإنسان مخدوم.
قال الله تَعَالىَ: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
السابعة: أن الله خلق الإنسان ليكون خليفةً في الأرض في الدنيا، وليكون جليسه في الجنة في الآخرة.
قال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
الثامنة: أن في الجنة نعيمٌ أعظم من الجنة، وهو رؤية الله وسماع كلامه، والقرب منه ورضوانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
وقال الله ﷿: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فمقصود خلق الإنسان أن يكون جليس ربه في الجنة، والوسيلة لذلك في الدنيا هي الإيمان بالله، وعبادته وحده لا شريك له، والخلافة في الأرض بما جاء عن الله ﷿، وبسبب ذلك يدخل الإنسان الجنة، وينال رضوان الله ومحبته: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
والله ﷿ هو الخلاق العليم خلق هذا الإنسان يركب طبقًا بعد طبق، كما قال سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩]
وينتقل من محلٍ إلى محل، فأول ابتدائه من التراب، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثم إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظام، ثم كسا الله العظام لحمًا، ثم أنشأه الله خلقًا آخر، ثم أخرجه إلى الدنيا، ثم ينتقل إلى القبر، ثم إلى المحشر، ثم إلى دار القرار في الجنة أو النار: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٣ - ١٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
والله ﷿ خلق آدم من تراب، ثم خلق منه زوجته حواء، ثم خلق الناس منهما بواسطة النطفة المجتمعة من ماء الذكر والأنثى في الرحم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]
فخلق الناس كلهم بواسطة النطفة المجتمعة من ماء الذكر والأنثى في الرحم، ثم يكون علقة، ثم مضغة، ثم يكون طفلًا يخلقه الله في ظلماتٍ ثلاث، ظلمة البطن، وظلمة الرحم، ظلمة المشيمة، فيركب الله ﷿ من تلك النطفة عظام الإنسان بعضها فوق بعض، ثم يكسوها لحمًا، وجعل في ذلك اللحم، والعروق، والأعصاب، وفتح مجال البول والغائط، وفتح العيون والآذان، والأفواه، والفم، وفرق الأصابع، وشد رؤوسها بالأظفار، وكل هذا في الظلمات الثلاث: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦].
***
مختارات

