الخزانة الأولى..
خلق الله أدم بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله في الدنيا خليفة ويوم القيامة إن كان مؤمنًا جليس.
• والأطوار التي يمر بها الإنسان تسعة:
الأول: سلالة الطين وهي الخلاصة لأنها نسل من بين الكدر.
الثاني: نطفة التي تقذف من أصلاب الرجال في أرحام النساء.
الثالث: تحول النطفة إلى علقة وهي الدم الجامد الذي يعلق بالرحم.
الرابع: تحول العلقة إلى مضغة وهي قطعة اللحم.
الخامس: تحول المضغة إلى عظام.
السادس: كسوة العظام باللحم.
السابع: إنشاء خلق آخر مباين للخلق الأول، حيث جعله الله حي سميعًا بصيرًا ناطقًا، وأودع فيه الروح.
الثامنة: الموت وهو مفارقة الحياة.
التاسعة: البعث بعد الموت.
وهو إعادة الحياة لمن مات وقد قال الله ﷿ في هذه الأطوار:﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٣ - ١٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦].
وقد أمر الله ﷿ كل إنسان أن ينظر في أطوار خلقه ليعلم كمال قدرة الله بنقله من طور إلى طور حتى صار بشرًا سويًا، فقال سبحانه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق: ٥ - ١٠].
وقد خلق الله ﷿ أدم من تراب ثم جعل نسله من ماء مهين، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٦ - ٩].
ومن عجائب خلق الله للإنسان أن نقله من نطفة إلى علقة إلى مضغة ثم خلق المضغة عظام، ثم كسا العظام لحمًا، ثم أنشأه خلق أخر فتبارك الله أحسن الخالقين.
• وخلق الله الإنسان وجعله يمر بأطوار في بطن أمه في ظلمات ثلاث:
١ - ظلمة بطن الأم.
٢ - وظلمة الرحم.
٣ - وظلمة المشيمة المحيطة بالجنين.
قال الله تَعَالىَ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦].
وقد خلق الله هذا الإنسان في أحسن تقويم، وجعله يمر بطور بعد طور، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
ثم أنشأه خلقًا أخر فجعله حيًا وكان ميتًا، وحيوانًا بعد أن كان جماد، وناطقًا وكان أبكم، وسميعًا وكان أصم، وبصيرًا وكان أكمه فتبارك الله أحسن الخالقين، ونقله سبحانه من طور إلى طور نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة ثم جنينًا ثم وليدًا ثم طفلًا ثم محتلمًا ثم شابًا ثم كهلًا ثم شيخًا ثم هرمًا ليدل على كمال قدرته سبحانه وعظيم صنعه وانفراده بالربوبية، وانفراده بالألوهية ووجوب الإيمان به واستحقاقا للعبادة وحده لا شريك له: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
وخلق الله ﷿ جميع بني أدم ذكورًا وإناثًا من نسله، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]
وجميع الناس يبعثون يوم القيامة للحساب والجزاء على ما عملوا في هذه الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦].
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وجعله خليفةً في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]
وسخر للإنسان ما في السموات وما في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وخرج الله الجوارح والأعضاء في الإنسان بشكل عجيب، فخلق سبحانه في كل إنسان عضوًا واحدًا كالرأس واللسان والفرج والفم لعدم الحاجة إلى غيره، وخلق في كل إنسان عضوين للحاجة إليهما كالعينين والأذنين واليدين والرجلين ونحوهما.
وخلق في كل إنسان أربعة أعضاء كالكعبين وأشفار العينين للحاجة إلى ذلك، وخلق الله سبحانه في الإنسان ثلاثمائة وستون عظمة فلو زادت واحدًا لكان ضارًا ولو نقصت واحدًا كان النقص يحتاج إلى جبر، وخلق الله الرأس وركبه على البدن وجعل في الرأس الحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وخلق الله الإنسان وزوده بملكات وطاقات وأكرمه بالعقل، والعقل كافي لمعرفة من يستحق العبادة وحده، لكنه غير قادر على معرفة ما يريد، لهذا لابد من بلاغ عنه بكتبه ورسله لمعرفة أمره ونهيه.
والله سبحانه خلق آدم وخلق من أحد أضلاعه المرأة فخلق الله المرأة من ضلع الرجل، فهي تابعة له وهي كذلك جزء منه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]
ومن لوازم كون وجود المرأة تابع لوجود الرجل، أن جعل الله الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة، ونسبة الأولاد إلى الرجل لا إلى المرأة وتفضيل الرجل على المرأة في الميراث، فللذكر مثل حظ الأنثيين، والرجل يجمع بين امرأتين إلى ثلاث إلى أربع وليس للمرأة ذلك، وشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد إلى غير ذلك من الفوارق الشرعية المستندة إلى الفوارق القدرية التي جبل الله عليها الجميع: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
• والجسم ينقسم إلى قسمين:
فالجسم إما نامي.
أو غير نامي.
فغير النامي كالحجر مثلًا.
• والنامي إما حساس وغير حساس:
١ - وغير الحساس كالنبات مثلًا.
٢ - والحساس إما ناطق أو غير ناطق.
فغير الناطق هو الحيوان والناطق هو الإنسان، فأصح المخلوقات مزاجًا هم بني آدم، وأصح بني أدم مزاجًا هم المؤمنون، وأصح المؤمنون مزاجًا هم الأنبياء والرسل، وأصح الأنبياء والرسل مزاجًا هم أولي العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام وأصحهم مزاجًا الخليلان إبراهيم ومحمد -عليهم الصلاة والسلام-وأفضلهما سيد الأولين والآخرين خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
الذي أثنى عليه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ومما أكرم به الإنسان اللسان والسمع والبصر، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
واللسان عنوان الإنسان يترجم عن مجهولة، ويبرهن عن محصوله، يظهر به حسن البيان، ظاهُر يخبر عن الباطن، وشاهد ينبئ عن الغائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف يعرف به المجهول، ومؤنس تذهب به الوحشة، وملهم يأسر الأسماع، وواعظ ينتهي عن القبيح، وحاصُد يستأصل الضغينة: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
والبيان ثلاثة أقسام:
١ - البيان النطقي: باللسان.
٢ - والبيان الإشاري: بحركة الرأس أو اليد أو الجسم.
٣ - والبيان الرسمي: بالكتابة: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١].
فسبحان من خلق الإنسان وجعل فيه هذه العجائب: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٧ - ١١٦].
خلق الله أدم من تراب وخلق نسله من نطفه من ماء مهين،كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥].
وأصل النطفة أن النطفة جسم يتولد من فضله الهضم الرابع، فالغذاء يمر في جسم الإنسان بأربع مراحل فيحصل له في المعدة هضم أول ثم يحصل له في الكبد هضم ثاني، ثم يحصل له في العروق هضم ثالث، ثم يحصل له في جواهر الأعضاء هضم رابع، وفي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم ثم عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء وذلك هو النطفة فتبارك الله أحسن الخالقين: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٧٧ - ٨٢].
وخلق الله الإنسان في أحسن تقويم فخلق الله في ظاهره وباطنه مخلوقات عظيمة وعجيبة، فخلق الله في الإنسان ملكات عجيبة ففي دماغ الإنسان ملكات كثيرة، ملكة العقل، وملكة التصور، وملكة التخيل وملكة الحفظ وملكة التفكر وملكة التذكر، وملكة الذكاء.
وفي قلب الإنسان ملكات كثيرة ملكة الحب والبغض، وملكة الرحمة والقسوة، ملكة العفو والانتقام، ملكة الغضب والرضا، ملكة اللين والشدة، ملكة الولاء والبراء، ملكة الأمن والخوف، ملكة الإيمان والكفر.
وفي بدن الإنسان طاقات كثيرة الطاقة البدنية، الطاقة السمعية، الطاقة البصرية، الطاقة الحسية، الطاقة الذوقية،الطاقة الجنسية وغير ذلك من الطاقات: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وقيمة هذا الإنسان بصفاته لا بذاته ولا بأمواله، فلا قيمة للإنسان إلا بالإيمان والأعمال الصالحة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
وتكمل حياة الإنسان بأمرين:
١ - معرفة عزة الربوبية.
٢ - ومعرفة ذله العبودية.
فمن شاهد عزة الربوبية وشاهد ذلة العبودية فقد وصل إلى معراج الأرواح القدسية، ومعرفة الله من لوازمها التضرع والانكسار بين يديه والخوف منه والرجاء له: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
والإنسان مركب من بدنٍ وروح، فالبدن هو الحامل للروح، والأرواح البشرية نورانية إلا أنها محبوسةٌ في قعر ظلمات الأبدان البشرية، فلا تستطيع النظر إلى عالم الأنوار الإلهية، فإذا مات الإنسان انقشع السحاب وزال الحجاب وعند ذلك يحصل للروح الإبصار التام: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق: ٢٢].
والله ﷿ هو الخلاق العليم الذي خلق هذا الإنسان في ظلمات ثلاث، وخلقه في أحسن تقويم، والإنسان في بطن أمه يخرج إلى الدنيا صارخًا لا ضاحكًا مع أنه خرج من الظلمات إلى النور ومن بحر السوائل إلى بحر الهواء الطلق، ومن ضيق الأرحام إلى رحابة الكون والسبب أن الشيطان يمسه فيصرخ.
وكل إنسان يولد صارخًا إلا مريم وابنها كما قال النبي ﷺ:«مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ" ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [آل عمران: ٣٦].
» متفق عليه.
خلق الله ﷿ جميع المخلوقات بأمره وخلق الإنسان بيده، وكرمه بالعقل الذي يعرف به ربه، ويعرف به مصالحة ويميز به بين البدائل، وخلق سبحانه في الإنسان قوًى كثيرة
ومراتب القوى في الإنسان خمس:
الأولى: القوة الحساسة:
وهي التي تتلقى ما تريده الحواس الخمس العين والأذن والشم والذوق واللمس وكلها تصب في القلب معلومات.
الثاني: القوة الخيالية:
وهي التي تستثبت ما أوردته الحواس الخمس وتحفظه لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه.
الثالثة: القوة العقلية: المدركة للحقائق الكلية للكون والشرع.
الرابعة: القوة الفكرية:
التي تأخذ المعارف العقلية وتألفها ثم تستنتج من تأليفها علمًا بمجهول كمختلف الصناعات والاختراعات والاكتشافات.
خامسًا: القوة الروحية القدسية:
التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت والأنبياء والأولياء أخص بها، فسبحان من خلق هذه الطاقات وحركها لمنافع الإنسان: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ومتى يكون الإنسان ملكًا في الدنيا والآخرة يكونه ملكًا بأمرين:
الأول: إذا انقطعت حاجة الإنسان عن غير الله، كان ملكًا مطلقًا حيث ملك نفسه وملك شهواته وملك جوارحه وجعل الكل مسخر في طاعة مولاه الذي خلقه ورزقه وهداه، فمن كان لله كان الله له: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان: ٢٢ - ٢٤].
وفي أعلى هذا المقام محمد ﷺ الذي كان أحسن الخلق خلقًا وخُلقًا وكان خلقه القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الثاني: أن القلب شبه المملكة وسلطانه هو الروح، وخصم هذا السلطان النفس والحرب قائمة بينهما والملائكة مع الروح والشياطين مع النفس.
قال الله تَعَالىَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
فإذا أشرقت في القلب شمس الهداية استولى سلطان الروح على سلطان النفس وقهره وأباد جمعه وفرق شمله وخلصت له هذه المملكة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وإن جاءت ظلمات الخذلان من مغرب القهر والكبرياء استولى سلطان النفس على الروح وقهره وأخرجه من المملكة وامتلأت المملكة من رايات الشياطين وأعلام المبطلين: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
***
مختارات

