الخزانة الثالثة..
• آداب مجالس الذكر.
مجالس الذكر هي التي يذكر فيها الله ﷿ بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ويذكر فيها دينه، وشرعه، ويذكر فيها، وعده، و وعيده.
مجالس الذكر هي التي يكبر الله ﷿ فيها، ويعظم، ويحمد، ويشكر.
• ولمجالس الذكر آداب، ومن هذه الآداب:
الأول: أن يجلس المسلم في مجالس الذكر بالتعظيم لله ﷿والتعظيم لكلامه، وكلام رسوله ﷺ والحب لله ولرسوله ﷺوالحب لكلام الله، ورسوله ﷺ والرغبة في تعلم العلم، والخير، والهدى، والتواضع، والافتقار، وهذا كله عبادة من العبادات قال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
أخرجه البخاري).
ثانيًا: أن نستحضر ونتعلم فضائل مجالس الذكر: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال لله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين وقال النبي ﷺ: «إذا مررتم برياضِ الجنةِ فارتعوا، قيل: يا رسولَ اللهِ وما هي رياضُ الجنةِ؟ قال: حلَقُ الذكرِ» أخرجه الترمذي وأحمد وأبو يعلى.
فمجالس الذكر، والعلم، والهدى أفضل المجالس: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
الثالث: في مجالس العلم، والذكر نسأل الله العليم أن يعلمنا ما ينفعنا، و أن ينفعنا بما علمنا، ونسأل الهادي أن يهدينا لما يحبه، ويرضاه، ونسأل الوهاب أن يهبنا من العلم ما يهدينا إليه، ويقربنا منه، وأن يهبنا من العمل ما يوافق سنة الرسول ﷺ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
رابعًا: نسمع الكلام عن الله، وعن دينه، وعن شرعه بنية التعلم، وبنية العمل به، ونية الدعوة إليه، وتعليمه الناس؛ لنعبد الله عن بصيرة، ونرفع الجهل عن أنفسنا، وعن غيرنا:﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
وقال لله ﷿: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال لله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال لله ﷿: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» أخرجه البخاري.
خامسًا: في حلقات، ومجالس الذكر نستحضر أن الله ﷿يرانا، وهو أول السامعين لنا: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وكذلك نستحضر الملائكة الذين حضروا معنا في حلقات التعليم، والذكر، فنوقرهم، ونحترمهم، كما قال النبي ﷺ:«لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ﷿ إِلَّا وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ و حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».
أخرجه مسلم.
ونستحضر عظيم الأجر وذكر الله لنا كما قال النبي ﷺ:«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
أخرجه البخاري.
وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
سادسًا: أن نخلص العمل لله ﷿ عبادةً، أو دعوةً، أو تعليمًا،أو إحسانًا إلى الخلق: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وقال لله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
• أحكام الأذكار:
ذكر الله ﷿ من أيسر العبادات، وأسهلها، وأجلها، وأفضلها، فحركة اللسان أخف حركات الجوارح، وذكر الله ﷻ مشروعٌ في جميع الأوقات، وأفضلهم ما كان مصحوبًا بحضور القلب، وقد رتب الله عليه من الفضل، والعطاء ما لم يرتب على غيره من الأعمال.
فذكر الله من أعظم العبادات التي أمر الله بها عباده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وقال ﷿: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وكل فريضة من صلاة، وصيام، وغيرها جعل الله لها حدًا معلومًا، ووقتًا معلومًا، وعذر أهلها عند عدم القدرة عليها إلا الذكر، فلم يجعل الله له حدًا معلومًا، ولا وقتًا معلومًا، ولم يعذر أحد في تركه إلا من كان مغلوبًا على عقله، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• وكل مؤمن مكلف بأمرين:
الذكر.
والشكر.
كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقد قدم الله الذكر على الشكر لأن الذكر اشتغالٌ بذكر الله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والشكر اشتغالٌ بشكر نعم الله،وإذا أحب الله عبدًا أكرمه بكرامتين:
الأولى: أن يلهمه ذكره؛ ليذكره ربه في ملكوت السماء، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ».
متفقٌ عليه.
الثانية: أن يعصمه عن المحرمات، والتعلق بالدنيا؛ لئلا يغضب عليه ربه ويحل بيه عقوبته، كما قال سبحانه:﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
قال ﷿ عن يوسف ﷺ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤].
وقال ﷿: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
حكمة الإكثار من ذكر الله ﷿:
ذكر الله ﷿ يفيد العبد فائدتين عظيمتين:
الأولى: طمأنينة القلب؛ لأن المخلوق محتاج إلى ربه في جميع أحواله، فمن آمن بالله أعطاه ربه ما يحبه، ومنع عنه ما يكره، فاطمئن قلبه.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وحاجات العباد غير متناهية، ولا يسد حاجة العباد إلا كريم قادر رحيم، وليس ذلك إلا الله وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ثانيًا: إزالة الظلمة البشرية، فالله نور السموات، والأرض، وكل ما سواه مظلم في ذاته، فكان ذكر الله يفيد وصول أنوار عالم الربوبية إلى باطن القلب، فتزول عن القلب ظلمات البشرية، وتشرق الروح الإلهي: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
• أقسام الذكر.
ذكر الله ﷿ ثلاثة أقسام:
ذكر الله باللسان، وذكر الله بالقلب، وذكر الله بالجوارح (البدن).
• الذكر باللسان
كقول العبد سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله وكالأذكار المطلقة، والمقيدة، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والنصيحة للمسلمين:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله ﷿: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال النبي ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قِيلَ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟قَالَ: لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ».
أخرجه مسلم.
• أما الذكر بالقلب فهو ثلاثة أنواع:
الأول: أن يتفكر العبد في دلائل الوحدانية لله ودلائل وجمال أسماء الله، وصفاته، وأفعاله؛ ليأتي في قلبه حب الله، وتعظيمه، وشكره، وطاعته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الثاني: أن يتفكر في حسن الأحكام الشرعية من الأمر، والنهى، والحلال، والحرام، والثواب، والعقاب، والوعد، والوعيد؛ ليسهل عليه فعل الطاعات، وترك المعاصي، ويتم ذلك بالنظر في الآيات القرآنية، والسنة النبوية: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
الثالث: أن يتفكر في الآيات الكونية، وأسرار خلق الله في العالم العلوي، والسفلى، فيرى كل ذرة في المخلوقات دالة على وحدانية الله تسبح بحمده، وتشهد بوحدانيته، وجلاله، وجماله؛ ليعبد الله كأنه يراه بالتعظيم له، والذل له، والحب له، وهذا بحرٌ لا ساحل له: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله ﷿: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
أما الذكر بالجوارح فهو أن تصير جوارح العبد مستغرقة في طاعة الله ﷿ خالية من معاصي الله -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
فقوله تعالى " فَاذْكُرُونِي" يتضمن الأمر بجميع أنواع الطاعات، وقوله "أَذْكُرْكُمْ" يتضمن فضل الله في إعطاء جميع أنواع الكرامات، والخيرات من الثواب العظيم، والمقام الكريم، ورضوان رب العالمين: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وقال الله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب، واللسان والجوارح مقرون بالتضرع، والخوف، كما قال -سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
• وذكر الله في بدن الإنسان سبعة أنواع:
١ - فذكر اللسان بالحمد، والثناء، والاستغفار، والدعاء.
٢ - وذكر القلب بالحب، والخوف، والرجاء، والتعظيم لرب العالمين.
٣ - وذكر الروح بالتسليم، والرضا.
٤ - وذكر العين بالبكاء.
٥ - وذكر الأذنين بالإصغاء لوحي رب الأرض، والسماء.
٦ - وذكر اليدين بالبذل، والعطاء.
٧ - وذكر البدن بالجهد.
والوفاء.
قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن ذكر الله في الرخاء ذكره الله في الشدة، وأفضل الذاكرين الذي كل أحواله ذكر لربه، وذكرٌ لرسول رب العالمين إلى الخلق أجمعين ﷺ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
• صفة الذكر والدعاء:
الأصل في الذكر، والدعاء هو الإصرار به، والجهر في الذكر، والدعاء يكون استثناء لا يكون إلا بما ورد به الشرع كالذكر بعد السلام في الصلاة، والتلبية، ونحوهما.
ولا بد في مقام الذكر من رؤية صفات جلال الله، ورؤية صفات جماله؛ لتعظم مهابة الرب في القلب، ويزداد حب العبد لمولاه برؤية جلاله، وجماله، وعظيم نعمه، وإحسانه.
• وخوف العباد من ربهم قسمان:
الأول: خوف العقاب، وهذا مقام المبتدئين، فإن كل من خالف الأمر خشي أن تنزل به العقوبة، وخاف من ربه لأنه الذي يقول: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
الثاني: خوف الجلال، وهذا مقام العارفين، وهو أكمل، فمن كان بالله اعرف كان منه أخوف، كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال ﷿: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
قال الله تَعَالَى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
• خصائص الذكر:
للذكر خصائص أربع هي:
الأولى: الدوام
كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
الثانية: كونه أكبر من كل شيء
كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
الثالثة: الإكثار منه
كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
الرابعة: الذكر بعد الذكر، فمن ذكر الله ذكره
كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
***
مختارات

