الخزانة الأولى..
فقه الأدب:
الأدب هو اجتماع خصال الخير في الإنسان، وأكمل الخلق أدبًا هم الأنبياء والرُسل عَلَيْهمِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ثم من سار على هديهم من المؤمنين والصديقين.
• والأدب ثلاث أنواع:
أدبٌ مع الله.
وأدبٌ مع رسوله ﷺ.
وأدبٌ مع خلقه.
فالأدب مع الله يكون بصيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة، وصيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره، وصيانة إرادته أن تتعلق بما ينكته الله عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالعبد يصل بطاعة الله إلى الجنة، ويصل بأدبه في طاعته إلى الله، وترك الأدب يوجب الطرد، وأنفع الأدب الفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والمعرفة بما لله عليك، وحُسن الأدب في الظاهر عنوان حُسن الأدب في الباطن، والأدب مع الله حُسن الصحبة معه لإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتدى التعظيم والإجلال والحياة كحال مجالس الملوك، كما قال سبحانه عن الأنبياء:﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والناس في الأدب ثلاث طبقات:
١ - فأهل الدنيا أكبر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم والثقافة.
٢ - وأهل الدين أكثر آدابهم في مخالفة النفوس وتأديب الجوارح بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي وحفظ الحدود وترك الشهوات.
٣ - وأما أهل الخصوص فأكبر آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وحُسن الأدب في مواقف الطلب ومقامات القرب، والكمال لزوم الأدب ظاهرًا وباطنًا، فما ساء أحدٌ الأدب في الظاهر إلا عُوقب ظاهرًا، وما ساء أحد الأدب باطنًا إلا عُوقب باطنًا، ومن تهاون بالأدب عُوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عُوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عُوقب بحرمان المعرفة: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
وحقيقة الأدب استعمال الخُلق الجميل ولهذا كان الأدب استخراج ما في الطبيعة من الكمال من القول إلى الفعل، ومن الباطن إلى الظاهر والأدب هو الدين كله، كما قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» أخرجه أحمد.
فإن ستر العورة من الأدب، والوضوء والغُسل من الأدب، والتطهر من الخبث من الأدب حتى يقف العبد بين يدي الله ظاهرًا، والتجمل والتزين بين يدي الله في الصلاة من الأدب وخفض العبد بصره في الصلاة من الأدب، وعدم قراءة القرآن في حال الركوع والسجود من الأدب، فإن القرآن كلام الله وكلامه أشرف الكلام.
وحالة الركوع والسجود حالة ذلٍ وانخفاضٍ من العبد، فمن الأدب مع كلام الله ألا يُقرأ في هاتين الحالتين، ومن الأدب مع الله ألا يستقبل بيته العتيق، ولا يستدبره حال قضاء الحاجة، ومن الأدب مع الله وضع اليد اليمنى على اليسرى عند الوقوف بين يديه في الصلاة، فالأدب مع الله ﷿ هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهرًا وباطنًا.
• ولا يستقيم لأحدٍ قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء:
١ - معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله.
٢ - ومعرفة بدينه وشرعه وما يُحب وما يكره.
٣ - ونفسٌ مستعد قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علمًا وعملًا وحالًا.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
• وأما الأدب مع رسول الله ﷺ:
فالقرآن مملوء منه فرأس الأدب معه الإيمان به، وكمال التسليم له والانقياد لأمره وتلقى خبره بالقبول والتصديق، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد الرب الذي أرسله بالعبادة والقصد والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما:
الأول: توحيد المرسل سبحانه.
الثاني: وتوحيد متابعة الرسول: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وكمال الأدب مع رسول الله ﷺ الاقتداء به في نيته وفكره وفى توحيده وإيمانه، وفي أقواله الحسنة وفى أعماله الصالحة وفى أخلاقه الكريمة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فلا يحاكم العبد إلى غير الرسول ﷺ ولا يرضى بحكم غيره، ولا يتقدم بين يده بأمرٍ، ولا نهى ولا إذنٍ ولا تصرف حتى يأمر هو ﷺ وينهى ويأذن، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].
والتقدم بين يدي سنته ﷺ بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته كلاهما لا يجوز، ومن الأدب معه ﷺ ألا تُرفع الأصوات فوق صوته؛ فإنه سببٌ لحبوط الأعمال فما الرأي برفع الآراء على سنته وما جاء به، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].
ومن الأدب معه ﷺ ألا يجعل دعائه كدعاء غيره كما قال سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وأما الأدب مع الخلق فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم فلكل مرتبة أدبٌ خاص، فمع الوالدين أدبٌ خاص، وللأب منهم أدبٌ خاص به، وللأم أدبٌ خاص بها، وللعالم أدبٌ أخر يليق به ومع السلطان أدبٌ يليق به، ومع الأفراد أدبٌ يليق بهم، ومع الأجانب أدبٌ غير أدبه مع أصحابه، ومع الضيف أدبٌ غير أدبه مع أهل بيته وهكذا:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
ولكل حالٍ من أحوال الإنسان أدب فللأكل أدب، والشرب أدب، وللركوب أدب، وللسفر آداب، وللدخول والخروج آداب وللكلام آداب، وللنوم آداب، وللصحة آداب، وللمرض آداب، وللمجالس آداب، وللنكاح آداب وهكذا.
قررت الشريعة أكثر من ألف أدب لهذا الإنسان مع ربه، ومع رسوله، ومع سائر الخلق، وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره.
الأدب حفظ الحد بين الغلو والجفاء، فالانحراف إلى أحد طرفي الغلو والجفاء هو قلة الأدب، والأدب الوقوف في الوسط بين الطرفين فلا يقصر بحدود الشرع عن تمامها، ولا يتجاوز بها ما جُعلت حدًا لها، فكلاهما عُدوان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
والعُدوان سوء الأدب: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]
فإضاعة الأدب بالجفاء كمن لا يكمل أعضاء الوضوء، ولم يوفي الصلاة آدابها، وإضاعته باللغو كالوسوسة في عقد النية ورفع الصوت بها، وفى حق الأنبياء لا يغلو فيهم كما غلت النصارى، ولا يجفو عنهم كما جفت اليهود، فالنصارى ألهوهم وعبدوهم كما عبدوا عيسي ابن مريم ﷺ، واليهود قتلوهم وكذبوهم والأمة الوسط المسلمون آمنوا بهم، وعزروهم ونصروهم، واتبعوا ما جاءوا به، كما قال سبحانه عن النبي ﷺ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وأما الأدب في حق الخلق فلا يفرط في القيام بحقوقهم، ولا يستغرق فيها بحيث يشتغل بها عن حقوق الله أو عن تكميلها أو عن مصلحة دينه وقلبه ولا يجفو عنها حتى يعطلها بالكلية، فإن الطرفين من العدوان الظاهر، وحقيقة الأدب العدل وكمال الأدب وحسنه من أعلى درجات العبودية.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
والأدب على ثلاث درجات:
الأولى: منع الخوف ألا يتعدى إلى اليأس، وحبس الرجاء أن يخرج إلى الأمن وضبط السرور أن يضاهى الجرأة، فلا يدع العبد الخوف من الله يُفضى به إلى حدٍ يوقعه في القنوت واليأس من رحمة الله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
فهذا خوفٌ مذموم فالخوف الموقع في الإياس إساءة أدبٍ على رحمة الله التي سبقت غضبه، والتي وسعت كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وحد الخوف ما حجز الإنسان عن معاصي الله، فما زاد على ذلك فهو غير محتاجٍ إليه ولا يبلغ به الرجاء إلى حدٍ يأمن معه العقوبة، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون،كما قال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩]
.
وحد الرجاء ما طيب لك العبادة، وحملك على السير: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨].
وأما ضبط السرور فلا يقدر عليه إلا الأقوياء الذين لا تستفزهم السراء، فتغلُب شكرهم، ولا تُضعفهم الضراء فتغلب صبرهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
الدرجة الثاني: الخروج عن الخوف إلى ميدان القبض، والصعود من الرجاء إلى ميدان البسط، ومن السرور إلى المشاهدة فيقبض نفسه عن كل ما يُسبب له العقوبة، ويطمئن إلى رحمة ربه، ويأنس به ويناديه كأنه يراه بجلاله وجماله ورحمته وكماله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ الرعد: ٢٨].
الدرجة الثالثة: معرفة الأدب فإذا عرفه وصار له حالًا نسبه إلى ربه دون نفسه، ويُغني عن نفسه وقيامها بالأدب بشهود الفضل لمن أقامها فيه، وشهود منته وهو ﷿، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٤].
والانبساط إرسال سجية النفس مع الغير وإزالة الوحشة الواقعة بين العبد ومن يحب الانبساط إليه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
والانبساط إلى الخلق يكون بألا يعتزلهم ظنًا على نفسه، أو شُحً على حظه فتحمله السماحة والجود والرحمة على ترك العزلة ومجالسة إخوانه وانتفاعهم بمجالسته ويؤثرهم على نفسه فينالون من فضله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وليسعهم العبد بخُلقه باحتمال ما يبدو منه من سوء العُشرة، ويوقرهم بلينه وتواضعه ويخفض لهم جناحه بحيث لا يترك لنفسه بينهم مرتبة يحترمونه من أجلها مع حفظ حاله وقلبه مع الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والانبساط مع الحق سبحانه هو لا يمنعك عن الانبساط إليه خوفٌ والبسط يأتي من مشاهدة أوصاف الجمال والبر والإحسان والتودد والرحمة، والقبض يأتي من مشاهدة أوصاف الجمال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام:﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
ولا يحجبك رجاء فإن الراجي يحجبه رجاءه وطمعه فما يناله من المعظم عند الانبساط إليه فينبسط إلى ربه انبساط فرح وسرور، ويأنس به ويتملقه ويبتهج به: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
• الأدب مع الرب ﷻ:
خلق الله الإنسان وجعله له آدابًا مع ربه، وآدابًا مع خلقه، ومن أعظم الآداب مع ربه هي توحيده والإيمان به وعبادته وحده لا شريك له وكمال طاعته وطاعة رسوله ﷺفالتوحيد هو إفراد الله تعالى بما يختص به وما يجب له، ومعناه أن يتيقن العبد ويُقر أن الله وحده رب كل شيء ومليكه وأنه الخالق وحده وأنه الحي القيوم الذي يدبر الكون كله وحده لا شريك له، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة والمثل الأعلى وأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأن كل معبودٍ سواه فهو باطل وأنه سبحانه متصفٌ بصفات الكمال، منزهٌ عن كل عيبٍ ونقص له وحده الأسماء الحسنى والصفات العلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
فالله ﷿ هو الواحد الأحد القادر على كل أحد، الغنى عن كل أحد، العليم بكل أحد، السميع بكل أحد، البصير بكل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد فهو واحدٌ لا شريك له أحدٌ لا مثيل له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله له الملك وله الخلق والأمر وحده لا شريك له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
هو الملك وكل ما سواه مملوكٌ له، وهو الرب وكل ما سواه عبدٌ له، وهو الخالق وكل ما سواه مخلوقٌ له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وهو سبحانه القوى وكل ما سواه ضعيف، وهو القادر وكل ما سواه عاجز، وهو الكبير وكل ما سواه صغير، وهو الغنى وكل ما سواه فقيرٌ إليه وهو العزيز وكل ما سواه ذليل بين يديه وهو الحق وكل معبودٌ سواه باطل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
هو سبحانه العظيم الذي لا أعظم منه، العلى الذي لا أعلي منه، الكبير الذي لا أكبر منه، الرحمن الذي لا أرحم منه، فإذا عرف العبد ذلك توجه إلى ربه بالحب والتعظيم والذل له هو سبحانه القوى الذي خلق القوة في كل قوي، القادر الذي خلق القدرة في كل قادر، الرحمن الذي خلق الرحمة في كل راحم، العليم الذي علم كل مخلوق، الرزاق الذي خلق الأرزاق والمرزوقين وأوصلها إليهم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
هو سبحانه الإله الحق الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، لكمال ذاته وجلاله وجماله وجميل إحسانه وإنعامه هو وحده الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
هو الحكيم العليم الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد:﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
هو سبحانه الأول قبل كل شيء، الآخر بعد كل شيء، الظاهر فوق كل شيء، الباطن دون كل شيء، العليم بكل شيء وحده لا شريك له: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
وهو سبحانه الملك الحق الذي بيده كل شيء وكل ما سواه ليس بيده شيء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]
وأعظم الناس أدبًا وأحسنهم خُلقًا وأفضلهم علمًا من آمن بالله وحده لا شريك له، فرأى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات عن غيره من الأسباب والوسائط، فيرى كل شيءٍ بيد الله وحده لا شريك له ولا يرى الخير والشر والعطاء والمنع والنفع والضر والتصريف والتدبير إلا من الله وحده لا شريك له، وأن يعبده سبحانه بموجب هذا العلم عبادة يفرده بها، ولا يعبد غيره معه:﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
فأعظم الناس أدبًا هم من وحد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ووحده بالعبادة وحده لا شريك له، وفى مقدمة هؤلاء الأنبياء والرُسل عليهم الصلاة والسلام، فالمؤمن حقًا الموحد حقًا المؤدب حقًا هو من وحد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته وحده الله بأسمائه كالعليم والقدير والسميع والبصير وغيرها من الأسماء الحسنى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
ووحد الله بصفاته كالحياة والسمع والبصر والقدرة وغيرها من الصفات العلا، ووحده الله بأفعاله كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وغيرها من الأفعال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧].
ووحده ربه ﷿ بأفعال العبد كدعاء الله والتوكل عليه ومحبته والخوف منه والصلاة والصوم وسائر أنواع العبادة:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]
ووحد رسوله ﷺ بالإتباع: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ووحد كتاب ربه ﷿ بالإتباع بتصديق أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
وكل ذلك يحصل للعبد بكمال معرفته بأسماء الله وصفاته وأفعاله وبقدر تلك المعرفة يمتلئ القلب بالتوحيد والإيمان، وينشرح الصدر للطاعة، وتنقاد الجوارح للعمل الصالح الذي يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وبهذا يحصل للعبد كمال الأدب بتوحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وتوحيده سبحانه بالعبادة وتوحيد الرسول ﷺ بالإتباع وتوحيد كتاب ربه بالإتباع ويعبد الله بكمال الحب وكمال التعظيم وكمال الذل له سبحانه:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
• حُسن الأدب مع الرب:
من أعظم آداب الإنسان مع ربه وأعظم حقوق ربه عليه أن يؤمن به وحده لا شريك له، فيؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله واليوم الآخر والقدر خير وشره، وأن يعمل بموجب هذا الإيمان فيعبد ربه وحده لا شريك له:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
• والإيمان بالله ﷿ يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله تعالى فقد فطر الله كل مخلوق على الإيمان بخالقه، كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ويجب على المؤمن ليزيد إيمانه أن ينظر في الآيات الكونية،ويتدبر الآيات القرآنية ليزيد إيمانه ويقوى فيعبد الله ﷿بموجب تلك المعرفة: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
الثاني: الإيمان بأن الله هو الرب وحده لا شريك له، والرب هو الذي يستحق أن يُعبد، والملك الذي بيده المُلك وله الخلق والأمر كله، فلا خالق إلا الله ولا مالك إلا الله، والأمر كله لله وحده لا شريك له، فالخلق خلقه والمُلك مُلكه، والأمر أمره فهو العزيز الرحيم الغنى الحميد الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة، وله وحده مُلك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
خلق كل شيء بقدرته ليس له وزيرٌ ولا مشيرٌ ولا معين سبحانه هو الرب الواحد القاهر، استوى على العرش برحمته وأمسك السماء بقدرته ودحر الأرض بمشيئته، وخلق الخلائق بإذنه وقهر العباد بقوته رب المشرق والمغرب، لا إله إلا الله الحي القيوم: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فيعلم العبد ويتيقن أن الله وحده ربٌ قديرٌ له كل شيء، محيطٌ بكل شيء، مالكٌ لكل شيء، قاهرٌ فوق كل شيء، خضعت الأعناق بعظمته وخشعت الأصوات لهيبته:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
هو العليم بكل شيء الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
الثالث: الإيمان بألوهيته سبحانه فنعلم ونتيقن أن الله وحده هو الإله الحق لا شريك له، وأنه وحده المستحق للعبادة فهو رب العالمين وإله العالمين، ونعبده بما شرع مع كمال الذل له وكمال الحب له وكمال التعظيم له، فكما خضعنا لربوبيته خلقًا وتدبيرًا، فيجب أن نخضع لألوهيته أمرًا وشرعًا، فهو سبحان كمن واحدٌ في ربوبيته لا شريك له فكذلك هو واحدٌ في ألوهيته لا شريك له فنعبده وحده لا شريك له ونجتنب عبادة ما سواه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
الرابع: الإيمان بأسمائه وصفائه فالله ﷿ له الأسماء الحسنة والصفات العلا والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، ومعنى الإيمان بأسماء الله وصفاته فهمها وحفظها والاعتراف بها والتعبد لله بها والعمل بمقتضاها، فمعرفة أوصاف العظمة لله والكبرياء والمجد والجلال تملأ قلوب العبد هيبة لله وتعظيمًا له، ومعرفة أوصاف العزة والقوة والقدرة والجبروت تملأ القلوب ذلة وانكسارًا وخضوعًا لله ﷿، ومعرفة أوصاف الرحمة والبر والإحسان تملأ القلوب حبًا لله ورغبة وطمعًا في فضل الله وإحسانه وجوده، ومعرفة أوصاف العلم والإحاطة تُوجب من العبد مراقبة ربه في جميع أحواله وحركاته.
ومعرفة مجموع هذا الصفات توجب للعبد تعظيم الله ومحبة الله والشوق إليه والأنس به والتوكل عليه والتقرب إليه بعبادته وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وأحسن ما تجمل به العبد بين يدي ربه وأحسن ما تعبد به هو توحيده ﷻ والإيمان به وعبادته في كل حال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فهذا الرب وهذا الإله الذي خلقنا وأمدنا بالنعم وهدانا لما يسعدنا في الدنيا والآخرة، هذا الرب العظيم الذي نسكن في ملكه ونأكل من رزقه ونتنعم بنعمه هو الذي يستحق أن نؤمن به وحده لا شريك له، وأن نطيعه فلا نعصيه ونذكره فلا ننساه ونشكره فلا نكفره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
***
مختارات

