الخزانة الخامسة..
• فقه التعبد لله بأسمائه وصفاته وأفعاله:
أفضل أحوال العبد أن يقف بين يدي ربه خائفًا منه، راجيًا لثوابه، متوكلًا عليه، محبًا له، وأن يقف بين يديه ﷻبالتعظيم له، والحب له، والذل له.
وأعظم من عبد الله هم الأنبياء والرسل خاصة سيدهم وأفضلهم وآخرهم محمد ﷺ الذي أثني عليه ربه بقوله:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الأولى: يقف العبد بين يديه بصفة الخوف، وهو ناشئ عن معرفة ربه بصفات الجلال، وشدة الانتقام والبطش: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
الثانية: الرجاء، وهو ناشئ عن معرفة سعة رحمة الله،وإنعامه على عباده: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
الثالثة: التوكل، وهو الناشئ عن معرفة تفرد الرب بالضر والنفع، والخفض والرفع، والعطاء والمنع: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
الرابعة: المحبة ولها سببان:
الأول: معرفة إحسان الله، وإنعامه على عباده: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
الثاني: معرفه جمال الله، وجلاله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
الخامسة: الحياء من الله، وهو ناشئ عن معرفة نظر الله إلينا، واطلاعه علينا، فيستحى العبد من ربه أن يسكن في ملكه، ويأكل من رزقه، ويعصيه بنعمه التي لا تعد ولا تحصى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
السادسة: المهابة و الإجلال، وهو ناشئ عن معرفة صفات جلال الله، وكبريائه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
والناس في ذلك على مراتب:
مراتب الخائفين والراجين دون مراتب المحبين، ومحبة الله الناشئة عن معرفة الجمال أفضل من المحبة الناشئة عن معرفة الإنعام؛ لأن محبة الجمال نشأت عن معرفة جمال الإله، ومحبة الإنعام نشأت عن ما صدر منه من الإنعام.
والتعظيم والإجلال أفضل من الكل؛ لأنهما نشأتا عن معرفة جلال الله، وجماله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
ولحضور هذه المعارف الكبرى في القلوب رُتب:
أعلاها: أن تكون ساكنة في القلوب من غير سعى في استحضارها، وهذا ثابتٌ للنبيين، والمرسلين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال الله ﷿ عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الثانية: أن يستحضرها العبد باستجوابها، واستذكارها حتى تحضر، وترجع إليها أحوالها اللائقة بها.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والناس في ذلك رُتب:
فمنهم من تستمر عليه هذه المعارف، فتسمو به الأحوال الناشئة عنها، وهذا دأب الأولياء: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
ومنهم من تنقطع عنه بعد استحضارها؛ لغلبه الشهادة على الغير، وهذه حالة أكثر الخلق.
الثالثة: من لم تحضره هذه المعارف، والأحوال الناشئة عنها إلا بسبب خارج، و هؤلاء رتب، فمنهم من تحضره هذه المعارف وأحوالها عند سماع القرآن أو تلاوته.
ومنهم من تحضره هذه المعارف، والأحوال عند سماع الوعظ والتذكير، وهؤلاء في الرتبة الثانية بعد أهل السماع القرآني.
ومنهم من تحضره هذه المعارف والأحوال عند سماع الحدي والأشعار، وهذه أدنى المراتب المشروعة، وما سوى ذلك من ألوان السماع محرم، كسماع أهل الطرب والمعازف والملاهي: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
والسماع المشروع يختلف باختلاف السامعين، وما يسمعون، وهم أقسام:
الأول: العارفون بالله، وهؤلاء يختلف سماعهم باختلاف أحوالهم.
فمن غلب عليه الخوف أثر فيه سماع المخوفات كأن يسمع عن جلال الله وكبريائه وشدة بطشه، وعن النار وأهوالها، فيبكى ويتألم لذلك.
وخوف العارف أقسام:
أحدها: خوف العقاب من الله.
الثاني: خوف فوات الثواب.
الثالث: خوف فوات الأُنس، والقرب من الله، وهذا أفضل الخائفين، وأفضل السامعين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
القسم الثاني: من غلب عليه الرجاء، وهذا يتأثر قلبه عند السماع لأنواع رحمة الله، وأنواع نعيم الجنة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
فإن كان رجاؤه للأنس والقرب كان سماعه أفضل سماع الراجين، وإن كان رجاؤه للثواب، فهذا في الرتبة الثانية.
القسم الثالث: من غلب عليه الحب وهؤلاء قسمان:
١ - من غلب عليه حب الله، لكمال ذاته، وجمال أسمائه وصفاته وأفعاله، فهذا يؤثر فيه السماع عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال الله ﷿: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
والثاني: من أحب الله؛ لإنعامه عليه، وإحسانه إليه، فهذا يؤثر في سماع إنعام الله وإحسانه، وإكرامه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
والقسم الرابع: من غلب عليه تعظيم الله، وإجلاله.
فهذا أفضل الأقسام الثلاثة، إذ لاحظ له في سماعه لنفسه، فإن النفس تتضاءل وتتصاغر للعظيم، والكبير، والكريم، وما تقدم واقفون مع ربهم من وجه، ومع أنفسهم من وجه.
وتختلف أحوال السامعين بحسب المسموع منه.
فالسماع من الأولياء أقوى تأثيرًا من السماع من الجهلة والأغبياء، والسماع من الأنبياء أشد تأثيرًا من السماع من الأولياء، والسماع من رب الأرض والسماء أشد تأثيرًا في النفوس من السماع من الأنبياء.
فهذا هو السماع المشروع الذي يحصل من التأثر والتأثير،والإكرام والإنعام: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
• أخلاق القلوب:
زينة القلوب بالإيمان والتقوى، والتخلق بالأخلاق الحسنه التي يحبها الله ﷿، ومن أخلاق القلوب:
الأول: الرضا، وهو سكون النفس إلى سابق القضاء من غير نكير على الله بما قضى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
الثاني: الصبر، وهو حبس النفس عن الجزع مما يكره، والرضا جزء منه؛ لأنه سكون لما جرى به القدر، لكن إن كان المقضي به خيرًا كالطاعات رضي بالقضاء والمقضي به، وإن كان المقضي به شرًا كالمعاصي رضي بالقضاء، وكره المقضي به كالمريض يرضى برأي الطبيب، لكنه يكره الدواء المر الذي وصفه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فالمؤمن يصبر على القضاء، ويرضى بما قدره الله، ويحمد الله على ذلك، فهذه ثلاث درجات: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
الثالث: التوبة، وهي أقسام:
١ - التوبة من ترك الواجبات.
٢ - التوبة من فعل المحرمات.
٣ - التوبة من ترك التطوعات.
٤ - التوبة من فعل المكروهات.
٥ - التوبة من الشبهات.
٦ - التوبة من الإسراف في المباحات، والشهوات.
٧ - التوبة من رؤية التوبة، أو رؤية العمل الصالح، أو الإدلاء به.
فلا اعتماد في النجاة إلا على الله وحده: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال النبي ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ،قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أنا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ».
متفقٌ عليه (١).
الرابع: الزهد، وهو خلو القلب عن التعلق بما سوى الله، ولو كان الزاهد غنيًا.
والزهد أقسام:
١ - الزهد في الحرام.
٢ - الزهد في المكروه.
٣ - الزهد في الشبهات.
٤ - الزهد في المباحات، والشهوات إلا ما تدعو إليه الحاجة
٥ - الزهد في رؤية الزهد.
وليس الغنى بمنافٍ للزهد، وأيهما أفضل حال الأغنياء، أما حال الفقراء، والجواب أن الناس أقسام:
فمنهم من يستقيم على الغنى، وتفسد أحواله عند الفقر، فهذا غناه خير له من فقره.
ومنهم من يستقيم على الفقر، ويفسده الغنى، فهذا فقره خير له من غناه.
ومنهم من يستقيم على هذا وهذا.
فإذا استغنى قام بجميع وظائف الغنى من شكر الله وحمده، والبذل والإحسان إلى خلقه، وإن افتقر قام بجميع وظائف الفقر من الرضي، والصبر، والتضرع: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وسر القسمة بين الخلق أن الله ﷿ أرحم الراحمين جعل لكل واحد من المسلمين الفقراء، والأغنياء، درجة عالية في الجنة، يصل إليها الفقير برضاه وصبره، ويصل الغنى إليها بشكره وإنفاقه.
وكذا الكفار الفقراء والأغنياء لهم درجات في النار، فالفقير يصل إليها بسخطه وجزعه، والغنى يصل إليها باستعمال ما أعطاه الله في معصيته، والله حكيم عليم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾ [الروم: ٣٧].
وقال الله ﷿: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢].
وقال الله ﷿: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ [الشورى: ١٢].
الخامس: الخضوع، والخشوع لله، لما يرى العبد من عظمة جلال الله وكبريائه، وعظيم نعمه وإحسانه، ورؤية ضعفه هو، وتقصيره عن امتثال أوامره.
السادس: تعظيم ما عظم الله من الافتقار والذل والمسكنة والخضوع لله، وتحقير ما حقر الله من الدنيا وأسبابها، فالغنى بالمعارف والأحوال أفضل و ألذ من الغنى بالجاه و الأموال، والقربة لأجل الله استيطانٌ؛ لأن العبد إذا كان عند سيده، فهو في أفضل الأوطان.
السابع: الإكثار من ذكر الله ﷿ بالقلب، واللسان، والجوارح، فإن ذلك يثمر أحسن الأحوال؛ لأن كل طاعة مقرونة بالطمأنينة، وحسن الثواب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ الرعد: ٢٨ - ٢٩].
والأنبياء لا يدانيهم أحد في المعارف والأحوال والأعمال، ولا يدانيهم كذلك أحد في أداء الأعمال من صلاة، أو صوم، أو صدقة، أو ذكر، أو دعاء، فالأنبياء أفضل من كثير من تلك الأعمال من غيرهم، لما في قلوب الأنبياء من كمال الإيمان والتقوى، وكمال المعرفة، وكمال التعظيم، والإجلال لله، وكمال الخضوع، والخشوع، حتى كأنهم ينظرون إلى ربهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ولما في أعمال غيرهم من النقص والإخلال، وأكثر الناس خاسرون، وأقلهم الرابحون، فمن أراد أن يعرف خسرانه وربحه، فليعرض نفسه على القرآن والسنة، فإن وافقها فهو الرابح، وإن خالفهما، فهو الخاسر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
فمن رجح في ميزان الشرع فهو من أولياء الله، ومراتب الراجحين درجات، ومن خف في ميزان الشرع، فأولئك هم أهل الخسران، ومراتب الخسران درجات، أخسها مراتب الكفار والمشركين والمنافقين، ثم مراتب أهل الكبائر، ثم مراتب أهل الصغائر: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ [الأنعام: ١٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].
***
مختارات

