الخزانة الثالثة..
حكمة المصائب:
المصائب التي تحصل للعباد قسمان:
فهي إما ابتلاء وتربية.
وإما عقوبة وعذاب.
فإذا غضب الله على أحد أهلكه بعذاب الغرق، أو الخسف، أو الصعق ونحو ذلك من العقوبات، كما قال سبحانه عن الأمم التي كذبت رُسل الله، ولم تؤمن به: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وإذا رضي الله على أحدِ ابتلاه بما يشاء، ثم إن صبر اجتباه وهداه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وكل من عَمِل عملًا فإنه يستحسنه، ويدافع عنه، فالذي يعمل الصالحات يستحسنها، ويدافع عنها، ويرجو الثواب عليها، والذي يعمل السيئات يستحسنها، ويدفع عنها، وإن كان على الهدى رآه حسنًا، وإن كان على الضلال رآه حسنًا كذلك، وكل يدعو إلى ما يستحسنه، ويعكف عليه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء: ٨٤].
والذين يقفون بالعداوة لكل نبي من الأنبياء، ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء، هم شياطين الإنس والجن، في كل زمانِ ومكان، إن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئاً من هذا كله بقدرة ذاتية فيهم، إنما هم في قبضة الله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وسبحانه يبتلى بهم أولياءه، لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأولياء، وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء، فإذا اختاروا الامتحان كف الله عنهم الابتلاء، وكف عنهم هؤلاء الأعداء: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢].
وحكمة الله تبارك تعالى اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا، ليبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار، والقدرة، بعد سماعهم الحق.
فالله ﷿ خير الجن والإنس بين أن يؤمنوا أو يكفروا،وبين أن يطيعوا أو يعصوا: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠].
وهؤلاء الشياطين خليقُ بالمؤمن أن يستهين بهم، مهما بلغت قوتهم الظاهرة وسلطانهم المُدعى؛ لأن المؤمن عبد القوى، عبد العزيز، عبد الجبار، عبد القادر على كل شيء، فجميع الخلائق في قبضة الله وتحت قهره وأمره وعلى بساط ملكه، لكنه الابتلاء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
فقه الابتلاء:
الناس في هذه الحياة في ابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
فالابتلاء ليس عيبًا، إنما العيب في أن يسقط الإنسان عند الابتلاء ولا ينجح، والابتلاء ضروري لكل من يحملون دعوة الله، ويُؤهلون لأمانة الخلافة في الأرض، وقد كان اختبار الإرادة والاستعلاء على الإغراء، هو أول اختبار وجهه الله من قبل إلى آدم وحواء، فلم يصمد إليه، وغلبتهم الشهوة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
فالناس لابد لهم من التذكير، ولتحصل العزيمة لابد من البيئة الإيمانية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وآدم ليس عنده من يذكره، وليست عنده العزيمة لقلة الُمعين، فأغراه الشيطان، ووسوس له، واستمع آدم وحواء لإغراء الشيطان بشجرة الخلد، ومُلك لا يبلى، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٦].
وكذلك بنو إسرائيل حين طلبوا من موسى ﷺ أن يجعل لهم يوم راحة يتخذوه عيدًا للعبادة، ولا يشتغلون فيه بالكسب، فجعل لهم يوم السبت، ثم كان الابتلاء، ليربيهم الله، ويُعلمهم كيف تقوى إرادتهم على المغريات والأطماع والشهوات؟ وكيف ينهضون بعهودهم حين تصطدم بهذه المغريات والأطماع؟.
فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعًا، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، وذلك ابتلاء من الله، ولم يصمد فريق من بني إسرائيل لهذا الابتلاء، فاحتالوا، كما قال سبحانه:﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣].
فمسخهم الله قردة خاسئين، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٦].
العقبات التي تواجه الإنسان:
تواجه الإنسان في حياته عقبتان:
عقبة داخلية
وعقبة خارجية.
ومواجهة العقبة الداخلية، والانتصار عليها، أهم من اقتحام المعارك: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
ويكون الانتصار عليها ومواجهتها، بالانتصار علي هوى النفس، والشح والبخل، والرياء والنفاق، ومن انتصر علي العدو الداخلي سهل عليه الانتصار علي العدو الخارجي،كما قال سبحانه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ [البلد: ١١ - ١٨].
فلا يمكن الانتصار علي العدو الخارجي إلا بعد الانتصار علي العدو الداخلي، وهو هوى النفس، وأعظم صنم معبود من دون الله، هو هوى النفس: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
سنة الله:
من سنة الله ﷿ أن كل من ترك ما ينفعه مع الإمكان، ابتُلي بالاشتغال بما يضره، وحُرم الأول: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
فالمشركون لما زهدوا في عبادة الرحمن، ابتُلوا بعبادة الأوثان، ولما استكبروا عن الانقياد للرسل، ابتُلوا بالانقياد لكل مارج العقل والدين من شياطين الإنس والجن، ولما استكبروا عن الانقياد للحق أذلهم الله بالانقياد لكل مبطل.
ولما تركوا إتباع كتب الله المنزلة لهداية العباد، ابتُلوا بإتباع أرذلها، وأخسها، وأضرها للعقول من الكتب التي تحمل السفاهات والجهالات.
ولما ترك المحاربون لله ورسوله إنفاق أموالهم في طاعة الرحمن ابتلاهم بإنفاقها في طاعة الشيطان: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
ولما أهانوا آيات الله ورسله أهانهم الله بمن يذلهم من أعدائهم، وفي الآخرة بالعذاب المهين: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال سبحانه عن الكفار: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].
ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، فالمهاجرون الأولون الذين هجروا أوطانهم، وتركوا أموالهم، وأهلهم، من أجل إعلاء كلمة الله، ونصرة رسول الله عوضهم الله الرزق الواسع في الدنيا، والعزة والتمكين في الأرض، والجنة في الآخرة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وإبراهيم ﷺ لما اعتزل قومه وما يعبدون من دون الله، وهب له الله إسماعيل وإسحاق ويعقوب، ولم يبعث نبي من بعده إلا من نسله.
وأرادوا له الهلاك بالإحراق بالنار فالله ﷿ أحياه، كما قال سبحانه: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ [الصافات: ٩٨].
وقال سبحانه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠].
ويوسف ﷺ لما ابتُلي بامرأة العزيز، وصبر وعصم نفسه وحفظها من الوقوع علي امرأة العزيز، وطلب السجن، ليبعد عن الفتنة، عوضه الله بأن مكن له في الأرض، واستمتع بما أحل الله له من الأموال والنساء والسلطان: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [يوسف: ٥٦].
وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم، وما يعبدون من دون الله، نشر لهم من رحمته، وجعلهم سببًا للهداية: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦].
ومريم ابنه عمران لما أحصنت فرجها، أكرمها الله، ونفخ فيه من روحه، واصطفاها، وطهرها، وجعلها وابنها آية للعالمين: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١].
ومن ترك ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالي، عوضه الله من محبته وعبادته والإنابة إليه، ومحبه أوامره، ما يفوق لذات الدنيا كلها: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
***
مختارات

