الخزانة الخامسة..
الحمد هو وصف الله بالمحامد والكمالات وتنزيهه عن كل ما ينافي ذلك، وأعظم حمدٍ لله هو ما جعله الله فاتحة لكتابه العظيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
فهو سبحانه المنعم بكل نعمة، المحمود على كل نعمة، هو أهل الحمد والشكر، أهلٌ أن يعبد، وأهلٌ أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، يحمد سبحانه على جميع إحسانه وإنعامه، وعلى كمال أسمائه وصفاته مع المحبة والتعظيم والذل له: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والله سبحانه قد حمد نفسه في ابتداء خلقه المخلوقات،فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
ثانياً: حمد نفسه عند انتهاء الخلق، فقال سبحانه عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٤ - ٧٥].
ثالثاً: حمد الله نفسه على كمال أسمائه وصفاته وتنزهه عن الشريك والند، فقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١٠ - ١١١].
رابعاً: حمد الله نفسه على ما أنزل على عبده من الدين الحق في كتابه العظيم، فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ١ - ٤]
خامساً: حمد الله نفسه على كمال أسمائه وصفاته وجلاله وجماله، ونعمه المادية والروحية، فهو المحمود الذي يستحق الحمد على كل حال، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
هو ﷻ المحمود في ابتداء الخلق، وفي استمرار الخلق، وفي انتهاء الخلق، ومحمودٌ في كل حال، ولهذا حمد الله نفسه وأمر بحمده، فقال سبحانه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٦].
فهذا هو الرب الذي يستحق أن يُعبد، وأن يُشكر فلا يُكفر، وأن يُطاع فلا يُعصى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فحمد الله واجبٌ على كل إنسان لجلاله وجماله وإنعامه وإحسانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وأخبر سبحانه أن جميع المخلوقات تسبح بحمده.
قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
وأخر دعاء أهل الجنة حمد ربهم، كما قال سبحانه:﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠].
ومن فوائد الحمد:
١ - أن الإنسان إذا ابتدأ الشيء بحمد الله إن الله يجعل فيه البركة، فكل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع منزوع منه البركة، كما قال النبي ﷺ.
٢ - أن الله يرضى عن العبد إذا أكل الأكلة، أو شرب الشربة وحمد الله عليها، كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».
أخرجه مسلم.
اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً ملء السماء وملء الأرض وملأ ما شئت من شيء بعده، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا أنت.
فقه الحمد:
الله ﷿ محمودُ على كل حال، يُحمد في حال السراء والضراء، أما في السراء فيحمد الإنسان ربه حمد شكر على نعمته عليه، وأما في الضراء فيحمد الإنسان ربه حمد تفويض لأنه لا يدري فلعل المصلحة فيما يكره، فيحمد ربه على كل حال.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
ولهذا كان النبي ﷺ: «إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه أمر يكرهه قال الحمد لله على كل حال».
أخرجه ابن ماجة.
والحمد لله مبني على أمرين:
أحدهما: وجود الإله.
والثاني: كونه مستحقاً للحمد.
أما وجود الإله، فإن هذا العالم الكبير بما فيه من السماوات والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر والجماد والنبات والحيوان والإنسان، محتاجاً إلى خالقًا يخلقه ومدبراً يدبره ومربي يربيه، وذلك هو الله رب العالمين الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
الثاني: أن الله وحده هو المستحق للحمد دون سواه.
فكل إنسانٍ في الدنيا لا يخلو من أمرين:
١ - إما أن يكون في السلامة والكرامة.
٢ - أو يكون في الفقر والمكاره.
فإن كان في السلامة والكرامة:
فأسباب ذلك إن ما حصل له بخلق الله وتكوينه وإيجاده ورحمته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإن كان في الفقر والمكاره:
فإن كان من الله فالله سبحانه وعد بالثواب الجزيل لمن نزل به البلاء وصبر: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وإن كان البلاء من العباد، فالله وعد المظلوم بأن ينتصف للمظلوم من الظالمين يوم القيامة، كما قال سبحانه:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
فثبت بذلك أن الذي يستحق الحمد الذي لا نهاية له هو الله وحده لا شريك له: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والحمد لله فاتحة الشكر وخاتمته، ولما كانت هذه الكلمة فاتحة الشكر جعلها الله فاتحة كتابه العظيم:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
وكانت خاتمة كلام أهل الجنة فقال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠].
والحمد لله أول كلام آدم ﷺ؛ فإنه لما خلقه الله ونفخت فيه الروح، عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، فأول كلمات الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
هي فاتحة كتابه العظيم، وأخر أنبياء الله محمدٍ رسول ﷺ، وبين الأول والأخر مناسبة، فجعل سبحانه أول آية من كتاب محمد الذي أنزله عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
كذلك وضع لمحمد ﷺ من كلمة الحمد اسمان أحمد ومحمد: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
فهو أحمد الخلق لربه، ومحمد يحمده أهل السماء والأرض ويصلي عليه الله وملائكته.
والنبي ﷺ أحمد الحامدين لربه؛ لأنه أعرف الخلق بربه وبنعم ربه، لأن نعم الله عليه أكثر وكثره الحمد بحسب كثره النعمة والرحمة، والمرسل لمحمد ﷺ له اسمانٍ مشتقان من الرحمة هما الرحمن الرحيم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
والرسول ﷺ له اسمانٍ مشتقان من الرحمة هما محمد وأحمد:﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وكتاب الله ﷿ كله رحمة: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
ورسول الله ﷺ رحمة للخلق كلهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ونحن علينا أن نحمد الرب على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى،ونرحم الخلق بدعوتهم إلى دينه وعبادته وحده لا شريك له:﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الله ﷿ أنعم على عبادة بنعمًا لا تُعد ولا تُحصى، كما قال سبحانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وهذه النعم نوعان:
نعمُ مادية.
ونعمُ روحية.
وكلها من الله ﷿: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فالنعم المادية: هي كل ما خلقه الله في هذا الكون من أجل الإنسان، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
والنعم الروحية: هي الدين الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه لإسعاد العباد في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
فله سبحانه الحمد على جميع نعمه المادية والروحية حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماء وملء الأرض وملء ما شاء الله من شيءٍ بعد.
له الحمد سبحانه على نعمة الصحة والعافية، وله الحمد على نعمة الأمن والرخاء، وله الحمد على نعمة الطعام والشراب، وله الحمد على نعمة السكن واللباس، وله الحمد على نعمة المراكب في البر والبحر والجو، وله الحمد على خلق الليل والنهار.
وله الحمد على خلق الزروع والثمار، وله الحمد على خلق ما يؤكل وما يُركب من الحيوان، وله الحمد على نعمة الإسلام، وعلى نعمة الهداية، وعلى نعمة الاستقامة، وعلى نعمة الطاعة والعبادة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والله سبحانه غنيٌ كريم، ويده سحاء بالليل والنهار لا تغيظها نفقة: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
فموجب كل نعمة وكل طاعة لله شكرٌ للرب على نعمة الهداية، وعلى نعمة العطاء الذي يعطيه الله ﷿ لعباده بغير حساب وبغير ثواب.
ومن العجيب أن الله يربى العباد كأنه ليس لهم عبيدٌ سواه، وأنت تخدمه كأن لك رباً غيره، ويفتح لك أبواب خزائنه وأنت واقفٌ بباب أضعف خلقه، فما أعظم وما أحسن هذه التربية من رب العباد لعباده، فالحمد لله رب العالمين.
أليس الله يطعمك ويسقيك كل يوم من غير عِوض، أليس مولاك يمدك كل يوم بالصحة والعافية والنور والهواء من غير عِوض، أليس الله يحفظك في النهار من الآفات من غير عِوض، أليس الله يحفظك بالليل من المخافات من غير عِوض، أليس الله الذي هداك إلى الصراط المستقيم وأعانك على سلوكه من غير عِوض: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
والعبد لجهله وظلمه قد زج نفسه بالليل والنهار في أنواع المحظورات، وأقسام المحرمات والمنكرات، والله يوالي عليه نعمه وإحسانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
فما أعظم إحسان الله إلى عباده، وما أحسن تربيته لهم، وما أحبه لرحمتهم وإكرامهم، وما أشد عنايته بهم: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾ [الأنبياء: ٤٢].
إنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
إن أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين سنة، وقليلٌ منهم من يجاوز ذلك، فإذا كان عمر الإنسان سبعين عاماً نصفها نهار ونصفها ليل، فهو في نوم خمس وثلاثون سنة أو في اليقظة خمس وثلاثون سنة، فإذا أخذنا منها خمس عشرة سنة قبل البلوغ فبقي عشرون سنة، وفي هذه العشرين سنة أعذارٌ وأحوالٌ مختلفة، لعب ولهو وسفر ومرض وغفلة وسهو وغير ذلك.
فيبقي عشر سنوات هي عمر الإنسان الديني، وهذه العشر سنوات لا تعدل يوم واحد في الجنة، وكان العدل أن يبقى في الجنة بقدر ما عمل ولكنه فضل الله وكرمه ورحمته التي وسعت كل شيء فله الخلود أبدًا والنعيم أبدًا:: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨].
فمن قيد نفسه بأوامر الله في هذه الحياة لساعات قصيرة في الدنيا فالعدل أن يأخذ ثواب هذه الساعات مثلاً بمثل يوم القيامة، ولكن الكريم المنان أعطاه حياة أبدية وسعادة أبدية، وطيبات أبدية ولذات أبدية وخدمة أبدية وقصور أبدية وفوق ذلك كله رضاه سبحانه ورؤيته: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
فسبحان العزيز الغني الكريم، صاحب الجود والفوز والإنعام والإحسان، وله الحمد والشكر على ما أنعم به علينا من نعمة الظاهرة والباطنة في الدنيا، وله الحمد والثناء والشكر على ما أعد لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
***
مختارات

