الخزانة الخامسة..
• التفكر في عظمة قدرة الله ﷻ:
إن الله ﷿ خلق الإنسان، واختار له الدين الذي يَسعد به في الدنيا والآخرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وأعداء هذا الدين شغلوا البشرية عامة، والمسلمين خاصة بالعلم الإنساني عن العلم الإلهي، وشغلوهم بالاشتغال بالشهوات والمصنوعات عن عبادة رب الأرض والسموات، وصرفوهم عن النظر في الآيات الكونية والآيات الشرعية إلى النظر في المصنوعات البشرية، وشغلوهم عن صُحف القرآن بالصُحف الهزيلة، وشغلوا أوقاتهم بكل مخزٍ وتافه، وقبيح وضار: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩]
فأعداء الإسلام صرفوا اهتمام المسلمين من الآخرة إلى الدنيا بجمع الأموال والإسراف في الشهوات، والعبث بالأوقات حسداً وبغياً: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥].
وحَشر الأعداء البشرية كلها في هذه الميادين المسمومة، فأنى يجدوا العافية؟ إن آيات الله العظيمة في الكون، وعجائبه في المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي، وآلاءه ونعمه على الناس، تخاطب كل حاسة في الإنسان، وكل جارحة في الكيان البشري، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس، إنها تخاطب العين لترى ما في ملكوت السماوات والأرض، وتخاطب الأذن لتسمع آيات الله المنزلة، وتخاطب الحواس لتستشعر ما في عظمة المخلوقات وسعه رحمة الله ﷿: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وتخاطب القلب ليتأثر، والعقل ليتدبر جلال الله، وعظمته، وعلمه، وحكمته، وقوته، وقدرته، وفضله، وعدله، ولطفه ورحمته، ومن ثَم يعرف العبد من يعبد، ومن يطيع: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
إن آيات الله الكونية العظيمة منتشرة في الكون كله في العالم العلوي والعالم السفلي، وما في الآخرة أعظم وأكبر، وما في عالم الغيب أعظم وأكبر، فهذه الآيات الكونية المنتشرة في الكون كله سماواته وأرضه، وشمسه وقمره وليله ونهاره، وجباله، وبحاره، وفجاجه وأنهاره، وظلاله وأكنانه، ونبته وثماره، وحيوانه وأطياره، وانسه وجنه، فهل من متدبر، وهل من متفكر؟.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].
وآيات الله الشرعية تكشف للإنسان دنياه وآخرته، وأسرار هذا الكون وغيوبه، وما ينفع الإنسان وما يضره، وما يصلحه وما يُفسده، وما يحب ربه وما يُبغضه، وما يرضيه وما يُسخطه، ويبين أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ومخلوقاته، ووعده ووعيده، فهل من متفكر وهل من متدبر؟.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
إن الآيات الكونية، والآيات الشرعية مُنبه عظيم، ومذكر كبير، يوقظ الحواس والجوارح، وينبه العقول والقلوب للإيمان بالله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ [الصافات: ١٥٥].
إن آيات الخلق والإيجاد، وآيات النعم والإحسان، وآيات التدبير والتصريف، وآيات العزة والتمكين، وآيات البطش والانتقام، من أعظم الأدلة على الخالق العظيم سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فهل من خالقٍ غير الله يعبده الناس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر: ٣].
وهل يستوي من يخلق ومن لا يخلق: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ١٧ - ٢٠].
أفيجوز أن يسوي الإنسان في حسه وتقديره بين من يخلق ذلك الخلق، كله، ومن لا يخلق لا كبيرًا ولا صغيرًا بل هو مخلوق مربوب مملوك: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ [الجاثية: ٧ - ٨].
والله ﵎ جعل في الماء حياة كل حي، ليحي به الأرض بعد موتها ومن عليها من الإنسان والحيوان والنبات: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وخير ما أنزل الله على عباده الوحي الذي به حياة الروح، ويليه الماء الذي به حياة الأجسام، ومن الناس من يقبل الوحي الإلهي، ومنهم من لا يقبله، كذلك الأرض منها ما يقبل الماء، ومنها ما لا يقبله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨].
وهذا اللبن الذي تدره ضروع الأنعام بأمر الله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦].
أليس له خالق قدير: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦].
وهذه الأسراب من النحل ذلل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها، وسخرها لجمع الرحيق من الأزهار والثمار، ليخرج من بطونها شرابٌ فيه شفاءُ للناس، كما أن في الوحي شفاءُ لأرواح الناس: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
فسبحان من سخر هذه الأمة العظيمة من النحل، لنفع البشرية بهذا الشراب اللذيذ وهو العسل: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾ [النحل: ٦٩].
والله ﷿ مجد جُهد النحل، ولم يمجد النحل؛ لأن جُهد النحل يشبه جُهد الداعي إلى الله الذي يتلقى الوحي، ثم يبلغه للناس كما أمره ربه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فسبحان من أنزل الماء الذي به حياة النبات والإنسان والحيوان، وسبحان من أنزل الوحي الذي به شفاء القلوب وهداها.
فمن هذا خلقه، ومن هذه قدرته، وهذه عظمته هو الرب الذي يستحق أن يُعبد، ويُشكر فلا يكفر، ويطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا يُنسى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والله سبحانه وحده هو الذي خلق البشر، وجعل لهم الأزواج والبنين، ورزقهم من الطيبات، فكيف يشركون به،وكيف يخالفون أمره وهذه النعم كلها منه ومن عطاءه:﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢].
فكيف لا يعبد الناس ربهم الذي خلقهم ورزقهم:﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ [النحل: ٧٣].
وإنه لعجيبٌ حقاً، وعظيمٌ حقاً، أن ينحرف الناس إلى هذا الحد، ليتجهون بالعبادة والطاعة إلى ما لا يملك لهم رزقاً، وما هو بقادر في يوم من الأيام، ولا في حال من الأحوال، ويَدعون الله الخالق الرازق وآلاؤه ونعمه بين أيديهم في كل مكان لا يملكون إنكارها:﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل: ٨٣].
فما أخطر الجهل، وما أعظم الجحود، وما أقبح الكذب:﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
إن من أعظم المشاهد المتكررة في كل يوم، والتي خلقها الله ﷿ لتدل على عظمه أسمائه وجميل صفاته، هذه المشاهد العظيمة من هذا السقف العظيم المرفوع، وهذا البحر المسجور، وهذه الأرض المبسوطة، وهذه الشمس المضيئة، وهذا القمر المنير، وهذا الإنسان المُكَرم، وهذا النبات المتكاثر، وهذه الكواكب المنتثرة، وهذه الثمار المتراكبة، وهذه الجبال الراسية، وهذه السهول الممتدة، وهذه الرياح العاصفة، هذا كله خلقُ الله الذي: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١٠ - ١١].
هذه المشاهد العظيمة المنظورة المتكررة، قد ذهبت الألفة بما فيها من عجب ودليل على وجود الله العظيم الذي خلقها وأبقاها ﷻ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فمشهد الطير في جو السماء مشهداً مكرور، قد ذهبت الإلفة بما فيه من عجب، وتحليقه في جو السماء آية عجيبة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ [النحل: ٧٩].
فسبحان من جعل الطير قادراً على الطيران، ومن جعل الجو من حوله مناسباً لهذا الطيران، ومن أمسك به طائرة في جو السماء، وهذا القمر المنير، وهذه الشمس المضيئة خلقها الله ﷿ في هذا الفضاء العظيم: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠].
فالتفكر في عظمه خلق السماوات والأرض، وما فيهما من العجائب والآيات، ينشأ منه توجيه القلب إلى الله، وإيقاظه لرؤية آلاء الله، وشهود رحمته وفضله، وتأمل بدائع صنعه في خلقه، وامتلاء الحس بهذه البدائع والعجائب، وفيضه بالتسبيح والحمد والتكبير لله العلي الكبير: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
والله ﷿ بديع السماوات والأرض، ومُنشئ هذه الخلائق الهائلة، السماوات والأرض، وإنها لمخلوقات عظيمة؛ لكن الإلفة قد أفقدتنا الجمال والجلال والروعة التي يحسها القلب، وهو ينظر إلى هذه البدائع للمرة الأولى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
ولا يحتاج القلب الواعي الموصول بالله إلى علم دقيق بمواقع النجوم في السماء، وأحجامها، وطرق سيرها، ليستشعر الروعة والرهبة أمام هذا الخلق الهائل العجيب من الخلاق العليم سبحانه، فحسبه إيقاع هذه المخلوقات على قلبه، حسبه مشهد النجوم المتناثرة في الليلة الظلماء، حسبه مشهد النور الفائض في الليلة القمراء، حسبه الفجر المنفجر كل يوم بالنور الموحى بالتنفس والانطلاق.
حسبه الغروب الزاحف بالظلام الموحى بالوداع والانتهاء، حسبه الأرض وما فيها من النباتات المختلفة من النبات النامي، والنهر الجاري، والحَب المتراكب، وما فيها من مشاهد وحركات لا تنتهي ولا يستقصيها أهل الأرض ولو قضوا أعمارهم في السياحة والتفكر والتأمل: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢].
فلا إله إلا الله، ما أعظم مخلوقاته التي تدل خلقه عليه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩].
***
مختارات

