الخزانة التاسعة..
كلمات الله ﷿ نوعان:
كلمات كونية
كلمات شرعية.
وكلمات الله الكونية والشرعية تامةُ كاملة من جميع الجهات، وكلمات الله كالقرآن في غاية الكمال والتمام والإحكام فهي كاملة صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام:﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
فهي صدق في جميع الأخبار عن الله ﷿ وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن وعده ووعيده وعن رسله وأنبيائه وأتباعهم وأعدائهم، وهي عدل في الأحكام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فكل ما في القرآن والسنة من أحكام فهو في غاية العدالة والإنصاف ومراعاة مصالح البشر في الدنيا والآخرة، فكل خبرًا في القرآن فهو حق مطابق للواقع وهو في غاية الصحة، وكل ما شرع الله من أمر ونهي وحلال وحرام فهو في غاية العدل والإحكام.
وإذا كانت كلمات الله كلها تامة صدق في الأخبار وعدلُ في الأحكام، وهذا القرآن جاء للبشرية بخير الدنيا والآخرة فلا يجوز لأحد أن يعدل عنه إلى غيره، ومن أعرض عن القرآن سلك سبيل الشيطان فأهلك نفسه ودمر غيره وخسر الدنيا والآخرة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
فالإنسان جسد وروح ولكل منهما غذاء عند ربه ﷿ الذي خلقه وصوره، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٤ - ٨].
فإذا طغت متطلبات الجسد على متطلبات الروح، وأهملت الروح صار هذا الإنسان جسدًا شرسًا وكان ويلة عظمى على البشرية، كما حصل هذا في أديان البشرية التي اخترعوها في الغرب والشرق التي اهتمت بالجسد وأهملت الروح، فنجحت في خدمة الجسد وأفلست في خدمة الروح فكانت ويلة عظمى على البشرية، وخطرًا دائم يولد الخوف والرعب في كل بلد.
ويبذلون كل ما في وسعهم للتخلص مما صنعوا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ البقرة: [البقرة: ١٧٥ - ١٧٦]
والله سبحانه هو الحق ودينه هو الحق وأحكامه كلها حقًا وعدلُ ورحمة وإحسان إلى الخلق، فيد السارق مثلًا يد قذرة نجسة عقوبتها القطع.
إذا سرقت لأمرين:
أحدهما: تطهير الجسد بقطع العضو الفاسد منه ليصح بقية البدن.
الثاني: اطمئنان الناس على أموالهم بقطع اليد الخائنة التي تعتدي على أموالهم: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
وكذا الإسلام أوجب الرق لأن الله خلق هذا الإنسان لعبادة ربه وحده لا شريك له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
فوضع الله عز وجللهذا الإنسان دينًا أراد به الخير لخلقه وهو الدين الحق الذي أرسل به رسله وضمن لمن تمسك به السعادة في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده ومن تمام رحمته أن أكمله وأتمه عناية بهذا الإنسان وإكرامًا له وإحسانُا إليه:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
لكن الكافر رد هذه النعمة ورد هذا الحق واستعمل جميع نعم الله عليه في كل ما يسخط الله عليه ورد نعمة الله بالدين وخرج عما رضي الله لعباده، ورد حكم الله وتمرد على أوامره بإتباع شرع عدوه إبليس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١ - ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠].
وحاول الكافر إسقاط هذا الدين واستعمل نعم الله عليه في معصية الله يريد بذلك التمرد على دين من خلقه ورزقه وشرع له ما يسعده في دنياه وأخراه، وأصحاب هذا الدين الإسلامي هم وكلاء الله في أرضه وهم خلفاء الله في أرضه ينفذون ما أراد من خير وينهون عن ما ينهى من شر.
قاتلوا هذا الكافر الجاحد لنعمة ربه، فإذا أمسكوه كان لهم أن يقتلوه لأنه عدو لهم يريد لأنه يريد قلب نظام حكم السماء فأمر من خلقه بقتله قتلة دون قتله وهي طرده من مرتبة الإنسان إلى مرتبة الحيوان ليصبح رقيقًا بعد أسره يباع ويشترى ويوهب.
وجعل له حقوقًا تحفظ كرامته فأمر سيده بالإحسان إليه وعدم تكليفه بما لا يطيق، وإذا أسلم يبقي رقيقًا لأنه أسر كافرًا، لكن تثبت ملكيته لمن اشتراه.
والحق السابق لا يرفعه الحق اللاحق لكن يجدر بالمسلم أن يعتق أخاه، ويسقط حقه الأول لحق أخيه الأخير، وبهذا جاء القرآن ورغب المؤمن بعتق الرقاب وفتح الأبواب الكثيرة للعتق مثل كفارة اليمين، وكفارة القتل الخطأ، وكفارة الظهار وغيرها، ووعد على ذلك جزيل الأجر: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ البقرة: [البقرة: ١٧٦].
***
مختارات

