الخزانة السادسة..
فقه الدعوة والعبادة:
فقه الدعوة إلى الله فقه أحوال، وتغيير حياة؛ من الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد؛ وفقه العبادة فقه أحكام، وتثبيت حياة، وكلاهما مأمورٌ به شرعًا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال الله تعالى في العبادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والله سبحانه بيَّن السعادة وزمانها ومكانها في القرآن؛ بيَّن أن السعادة لا تكون أبدًا إلا بالاستقامة على أوامر الله،والاستقامة على توحيد الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وبيَّن سبحانه زمن السعادة، وأنه في يوم القيامة لِمن آمن بالله واتقاه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
فزمان السعادة والشقاوة يوم القيامة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٥].
وبيَّن الله في القرآن مكان السعادة والشقاوة؛ فالسعادة بحذافيرها في الجنة، والشقاوة بحذافيرها في النار، وذلك في يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨].
فلا تكلِّف نفسك أيها الإنسان في البحث عن السعادة في غير زمانها، ومكانها، ومصدرها: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقد خلق الله ﷿ أسباب الخير، وخلق أسباب الشر؛ فأسباب الخير كأنواع النعم من الجماد، والنبات، والحيوان، وأسباب الشر كالنار، والمصائب، والأمراض، والمكاره؛ خلق الله ذلك كله لإظهار جلاله وجماله، ولتسهل عليك عبادته، ولترى عظيم نعمه فتشكره وتحبه، ولكي ترى عظيم قدرته فتخافه، وتخضع له: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
والله سبحانه فجَّر الحجر بالماء، وفلق البحر لموسى، وقلب العصا حيةً له؛ لإظهار قدرته سبحانه أمام أوليائه، وليُكرِم قلوبهم باليقين على ذاته، وأسمائه، وصفاته، تقديرًا لجُهد الأنبياء وأتباعهم، ليروا أن الله على كل شيءٍ قدير، وأن الله معهم إذا قاموا على مقصدِ الدعوة إلى الله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومن كيد الشيطان ببني آدم أنه أضلَّهم حتى استغربوا أن يكون الإله إلهًا واحدًا، وأن يكون الرسول بشرًا، وزيَّن لهم حتى جعلوا الإله حجرًا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥].
وعبادة الله ﷿ أمرٌ فطري، كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وجعل الدعوة إلى الله فطريةٌ في الجن والإنس، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢].
والله ﷻ خلق الأحوال للابتلاء، والأحوال كالغنى والفقر، والصحة والمرض، وأمر بالأعمال للنجاة من عذاب الله:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وقال ﷿ عن الأعمال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وسلاح الداعي إلى الله استعمال اللطائف من الرحمة، واللين، والرفق، والشفقة على الناس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وسلاح المقاتل في سبيل الله استعمال القذائف، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣].
وحياة المسلم العامة تقوم على تقوى الله ﷿ في كل شأن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وحياة المسلم المالية لها ثلاثة ضوابط:
الأول: ضبط المكاسب؛ بأخذ الحلال، وترك الحرام: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثاني: ضبط المصارف؛ بأن تنفق من ذلك المال على المقاصد والحوائج، ويكون الإنفاق على المقاصد التي هي الإنفاق لإحياء أوامر الله في العالم، أكثر من الإنفاق على حاجات الأكل والشرب واللبس، ونحوها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
الثالث: ضبط العواطف؛ بحيث تكون معتدلة، فلا تفرح بما آتاك الله من مال، ولا تأسى على ما فاتك منه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
وأعظم الفرح: الفرح بالاستقامة على الدين: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
والله ﷿ خلق جميع المخلوقات من السماوات، والأرض، والجبال، والبحار، والنبات، والحيوان، والملائكة، والجن، قبل الإنسان، لتدل على عظمة خالقها، وعظمة ملكه وسلطانه، ولتكون حُجَّةً على الإنسان: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عرفتم ذلك آمنتم بالله وكبرتموه، وعظمتموه، وأحببتموه، وحمدتموه، وشكرتموه، وعبدتموه وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
وسخَّر الله جميع المخلوقات لخدمة الإنسان؛ ليشعر بعظيم نعم الله عليه، فيؤمن به، ويحمده، ويشكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
والله ﷿ هو الملك الحق الذي له الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وبيده الخير كله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
هو العزيز الذي له العزة كلها، والعزة بيد الله وحده لا بيد غيره؛ فالنمرود أراد ذِلة إبراهيم ﵌، ولكن الله أراد عزة إبراهيم فعز؛ وفرعون أراد ذلة موسى ﵌، ولكن الله أراد عزة موسى ﵌ فعز؛ وإخوة يوسف أرادوا ذلة يوسف ﵌، ولكن الله أراد عزته فعز؛ وقريش أرادت ذلة محمد ﵌، ولكن الله أراد عزته فعز؛ وكل قومٍ أرادوا ذلة من أرسله الله إليهم بتكذيبه، والسخرية منه، ولكن الله أراد عزة رسله وأتباعهم فعزوا، وظهروا جميعًا:﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
فسبحان من بيده مقاليد العزة كلها: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٥].
والفقه في مكة قبل الهجرة فقهٌ إيمانيٌ، أخلاقيٌ، دعويٌ؛ والفقه في المدينة فقهٌ عبادي يُبين الأحكام العملية من الفرائض، والسنن، والآداب، وكل آيةٍ مكية تبين للأمة بصيرةً إيمانيةً، وأخلاقيةً، ودعويةً، للداعي إلى الله، وكل آيةٍ مدنية تبين للعابد بصيرةً حكميةً عمليةً؛ في الوضوء، والصلاة، والصيام، والحج، والجهاد، والذكر، والدعاء، وغيرها من أحكام الشريعة.
والأحوال المخالفة في بداية الدعوة لتربية الداعي؛ كما حصل للنبي ﷺ في مكة، وحين ذهب إلى الطائف، من الأحوال المخالفة، والأحوال الموافقة بعد ذلك في المدينة، ليتأثر الناس بالداعي إلى الله، ويتبعوه، ويؤمنوا به، كما حصل للنبي ﷺ في المدينة من النصر والتمكين في الأرض، وذلك لئلا يكون فتنةً بكثرة الابتلاء بالمكاره، كما أعطى الله ﷿ يوسف ﵇ المُلكَ بعد الشدائد السابقة من إلقائه في الجُب، وسجنه في مصر، فالله ﷿ يُعقب الأحوال المخالفة للداعي بالأحوال المحبوبة:﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
وأعمال الهداية هي:
الدعوة إلى الله، والعبادة، والتعليم، ومكارم الأخلاق، وتلك كانت موجودة في مكة في بيت خديجة ﵂، وفي دار الأرقم، أما في المدينة فكانت موجودةً في المسجد بعد بنائِه.
والفرق بين المسجد والبيت أن المسجد بُني لتكون بيئة الدين مفتوحةً عالميةً لكل أحد، في كل وقت، لتقوم الحجة على كل أحد، أما البيت فهو بيئة خاصة لأهل البيت؛ والرجل يأتي بفكر أهل المسجد إلى بيته، ونبينا ﷺ وُفِّق لبناء المسجد، ودعوة الناس لإقامة الأعمال فيه؛ من الصلاة، والتعليم، والشورى، وغيرها من الأعمال الصالحة:﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
والله ﷿ هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة.
هو الواحد الأحد الذي قدَّم من شاء بفضله، وأخَّر من شاء بعدله، وأعزَّ من شاء بفضله، وأذلَّ من شاء بعدله؛ سبق الأشياء علمه، ونفذت في جميع المخلوقات إرادته، وذلت جميع الخلائق لعزته، وقهر جميع المخلوقات بقوته، ورزق كل من في الكون من رزقه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
فكل شيءٍ في الكون يشهد بوحدانية الله، ويسبِّح بحمده، وكل ذرةٍ تدلُّ على قدرة الله، وكل مخلوقٍ يدلُّ على عظمة الخالق، وكل صورةٍ تدلُّ على عظمة المصور، وكل حيٍّ يدلُّ على من أحياه، وكل إحكامٍ يُشير إلى من أحكمه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومحبوبات الله ﷿ من الإيمان والتقوى، وسائر الأعمال الصالحة، عندنا وعلينا، ومحبوباتنا عند الله ﷿، وتفضلٌ منه على عباده: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
والنبي ﷺ علَّم هذه الأمة أول شيء بعد الإيمان أحسن الأعمال، وأفضلها، وأوجبها؛ وهو الدعوة إلى الله ﷿:﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال ﷿: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
والحد الأدنى من العبودية إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت؛ فالإسلام بني على هذه الأركان مع الشهادتين، ثم الإسلام بني على هذه الأركان؛ وهي أنواع العبادات، والطاعات، والقربات، والمعاملات الحسنة، والأخلاق الكريمة، وغيرها من شعائر الإسلام وشرائعه، وبهذا كَمُل دين الله ﷿ للبشرية إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
والله ﷿ أباح لنا المنافع والمكاسب الطيبة، وحرَّم علينا المآكل والمكاسب الخبيثة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
والله خلقنا لِما أوجب علينا من العبادة والدعوة، ولم نُخلق لما أحلَّ الله لنا، فالله أحلَّ ليرضيك، وأوجب لترضيه ويرضيك: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
والنفس تريد منك أيها الإنسان أن تكون عبدًا للشهوات، والشيطان يريد منك أن تكون عبدًا للمحرمات، والله يريد منك أن تكون عبدًا لله الذي خلقك، ورزقك، وهداك؛ وتصدق أخباره، وتمتثل أوامره،وتجتنب نواهيه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وقال ﷿: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
في جوع العبادة كالصيام يقوى التوحيد والإيمان والأعمال الصالحة في حياة المسلم، وبجوع الدعوة ينتشر الدين في العالم، وأكثر المسلمين يحتملون جوع العبادة، ولا يحتملون جوع الدعوة، ثلاثة عشر عامًا في مكة والنبي ﵌وأصحابه يتحملون الجوع بسبب الدعوة، حتى أكلوا أوراق الشجر والجلود من شدة الجوع، ثم جاء في المدينة الجوع من أهل العبادة؛ فالله يربي الداعي بهذا وهذا ليكون الإيمان واليقين في قلب الداعي إلى الله في كل حال:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
***
مختارات

