الخزانة السابعة..
ثمرات العلم والإيمان:
الله ﷿ هو العظيم الذي عزَّ فامتنع، وعلا فارتفع، وذلَّ كل شيءٍ لعظمته وخضع، ورفع السماء بلا عمد، وملأ الأرض بالمخلوقات والآيات والعبر، وفجر الأنهار وأنبع، وأمر السحاب فارتفع، وسخَّر النجوم والشمس والقمر، ونوَّر النور فألمع، وتجلى للجبل فاندكَّ وتقطَّع: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
ربنا هو القوي القادر الذي أعطى ومنع، وسنَّ وشرع، وأضل وهدى، ورفع وخفض، وفرق وجمع: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
والله ﷿ حكيمٌ عليم؛ لا يغير ما بالأمة من المصائب والكروب، حتى تغير ما عندها من المعاصي والذنوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
والله سبحانه مدح جميع الأنبياء على جهدهم الكبير، فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى عن الأنبياء: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وفصَّل الله سبحانه عيوب أقوامهم، وكشف عورات الأمم السابقة، كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ومدح الله رسوله محمدًا ﵌ وأمته، ولم يكشف عوراتهم، بل سترها عليهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
والقرآن المكي قبل الهجرة كله في الدعوة إلى الله، وبيان أحوال الرسل والأنبياء في الدعوة إلى الله، وبيان مكارم الأخلاق، وبيان أحوال اليوم الآخر.
والقرآن المدني بعضه في الدعوة إلى الله، وأكثره في أحكام العبادات، والمعاملات، والمعاشرات؛ فالداعي إلى الله في مكة في أول الإسلام نهاره القيام بجهد الدعوة إلى الله، وليله تلاوة قرآن الدعوة إلى الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
وبسبب عدم التدبر أكثر المسلمين يتلون آيات الدعوة في القرآن من أجل الأجر والثواب بدون عمل، ويتلون آيات الأحكام لتحصيل الأجر، والقيام بالعمل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
وعطاء الله لعباده قسمان:
عطاءٌ عام لكل الخلق؛ كالهواء، والماء، والنور، وعطاءٌ خاص بأن يخصَّ الله بعض الناس بنعمة العلم، أو المال، أو الذكاء، أو المنصب،.
ونحو ذلك من النعم؛ والعطاء العام أعظمه الهداية إلى الصراط المستقيم، والعطاء الخاص أعظمه ما كان موضوعه المنافع من الدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله،والإحسان إلى خلق الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
وأول ما علم النبي ﷺ الأمة أحسن العلم.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
ثم علمهم الحسن؛ فعلمهم أولاً أصول الإيمان، والدعوة إلى الله، ومكارم الأخلاق، ثم علمهم فضائل الأعمال، ثم علمهم الأحكام والمسائل؛ وكل من بذل نفسه ووقته وماله في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فالله ﷿ يستخدمه في نشر دينه كالأنبياء والرسل، فالعالِم يخدم الأمة بعلمه، والغني يخدم الأمة بماله، والقوي يخدم الأمة بقوته، والداعي يخدم الأمة بلسانه ودعوته: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
أيها العبد لا تتألَّه بعطائك، فعطاؤك لا يؤلهك، وإنما يعبِّدك، فتواضع لمن هداك وأعطاك، ولا تتميز عن الناس بالعطاء، سواء كان عطاءً علميًا أو أخلاقيًا أو ماليًا، لا تتميز بشكلٍ، ولا بثوبٍ، ولا بمجلس: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والله ﷿ هو المعطي لكل ما يُسعد الإنسان في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والله سبحانه أعطاك أيها العبد لتعطي مما أعطاك الله:﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
والعطاء من البشر للبشر له آداب؛ فنعطي علمًا، أو مالًا، أو نفعًا، أو نُصحًا بالتواضع لمن أعطانا، ونعطي نيابةً عمن أعطانا، لأننا مستخلفين فيه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧].
ونعطي حتى يُعرف من هو المعطي الأول، ونعطي لنُذكر بالمعطي الأول، ونحلم حتى يُعرف الحليم الأول ﷻ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
ونعطي مما أعطانا الله في كل وقت بحسب الاستطاعة، ليجعلنا الله آيةً للناس؛ كالشمس تعطي النور في كل زمانٍ ومكان، وتُذكِّر بمن أعطاها النور: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
والعوام هم ميدان خِدمة الخواص، فالداعي يدعو الناس إلى الإسلام، والعالِم يعلّم العامة، والغني ينفق على الفقراء، والحاكم يخدم الأمة بالحكم بما أنزل الله؛ فالخواص يكسبون محبة العوام إذا خدموهم وأحسنوا إليهم ابتغاء وجه الله.
قال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
فالكفار والمشركون محلُّ دعوتنا، والفقراء والمساكين محلُّ صدقاتنا، وأهل الجهل محلُّ تعليمنا، وبقدر ما تحب أيها العبد من الخير يحبك الناس؛ فالعالِم يتودد إلى الناس، ويحب الخير للناس، ويعلِّم الناس، ويصبر على أذاهم.
فكم استخدم الأنبياء والرسل علمهم لهداية الناس؟ كم استخدم إبراهيم ﷺ علمه لهداية الناس إلى عبادة الله وحده؟ وكم استخدم موسى ﷺ علمه لهداية فرعون؟ وكم استخدم النبي ﷺ علمه في هداية الناس؟.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
والداعي إلى الله كالسحاب، وكالشمس، يتجول على الناس في كل مكانٍ وزمان، والعالِم كالبئر لا يشرب منها إلا من قصدها.
والعلماء اثنان: عالِم الدعوة، وعالِم الأحكام؛ فمن أكرمه الله بهذين العلمين كان سببًا لهداية الناس، وفقههم في الدين:﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
وإذا تحرك العالِم انتشر العلم في العالَم، وإذا كان العالم عالمًا بالأحكام، لا بعلم الدعوة، قعد العالم في بيته أو مسجده وانتفع به من جاء إليه فقط.
ورسالة الطبيب أن يذهب إلى المرضى ليعالجهم، فإذا قعد الطبيب في البيت، وجاء إليه المريض، فذلك بسبب بخل الطبيب؛ وخروج العالِم في سبيل الله لإصلاح علمه، حتى يكون علمه في خدمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وخروج التاجر في سبيل الله ليس لترك التجارة؛ بل لإصلاح التجارة، ولن تصلح التجارة حتى تكون في خدمة الدين، كما بذل أبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن عوف، وغيرهم، أموالهم في سبيل الله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
لو دخلت في تجارة، وخسرت خسارةً كبيرةً، فالناس لا يسامحونك، ولو دخلت في تجارة مع الله، فإنك لا تخسر أبدًا، بل تربح أبدًا: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الصف: ١٠ - ١٢].
فسبحان الغني الكريم الذي لا تخسر معه أبدًا، ولو ملأت الأرض من المعاصي، وتُبت إلى الله، غفر الله لك، وبدَّل سيئاتك حسنات: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
وأعمال الدنيا ترفع مستوى الدنيا كما هو معلومٌ ومشاهدٌ، وأعمال الدين ترفع مستوى الدين عند الداعي، وعند الأمة:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وأعمال الدين هي الدعوة إلى الله، وعبادة الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله؛ فإذا عزمت على عملٍ صالحٍ فبادر، وإذا هممت فثابر، فكن الأول في العمل الصالح تكن الأول في الأجر، واعلم أنه لا يكون الأول إلا من سبق كل أول، ولا يُدرِكُ المفاخِر من كان في الصف الآخر:﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
فكن الأول في العبادة، وفي الدعوة، وفي تعليم شرع الله، وفي الإحسان إلى خلق الله؛ تكن الأول عند الأول: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
وحفظ القرآن العظيم نعمةٌ من الله، وأعظم منها أن القرآن يحفظ حافظه، ومَنْ يتدبره، فاحفظ الله يحفظك، واحفظ الله تجده تجاهك، واحفظ كتابه يحفظك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وبقدر ما يتحمل المسلم المسؤولية في العبادة، أو الدعوة، أو التعليم، أو الإحسان، يأتي من الله له العون، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
ولا يغيّر الله ما بالأمة من الكروب، حتى تغير ما هي عليه من الذنوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١].
وكلما افتقرت أيها المسلم إلى الله أغناك، وكلما توكلت عليه كفاك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وكلما أقررنا بالجهل بين يدي ربنا علَّمنا، وكلما تذللنا إليه أعزنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
علينا أن نعبُد الله كما أمرنا، والله يرزقنا كما وعدنا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وروح الدين اليقين على الحق ﷻ، وعدم الالتفات إلى ما سواه؛ وروح الرسالة رحمة الخلق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
والداعي إلى الله يعلِّق الناس بالله، ويدعو الناس لرحمة الناس.
ومن خاف من الناس سلَّطهم الله عليه، ومن خاف من الله سخَّرهم الله له: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وبكمال اليقين على الله تنجو من شر الناس، وبكمال الرحمة لهم يسلمون من شرِّك، ويقبلون كلامك، والناس عادةً لا يخضع بعضهم لبعض من الرجال والنساء، لأن حياتهم مبنيةٌ على التنافس والتباهي، وإذا خضع البعض محبةً، فإن الأكثر يخضع مكرهًا، فكان من المناسب أن يخضع الجميع للكبير المتعال بالمحبة، والتعظيم، والذل له، لأنهم يرون عظمته، وجلاله، وجماله، وإحسانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
صفة الطاغوت:
الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ كالأصنام، أو متبوعٍ كالكهان وعلماء السوء، أو مطاعٍ كالأمراء والرؤساء الخارجين عن طاعة الله ﷿: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة:
إبليس أعاذنا الله منه، ومن عُبد وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئًا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠].
فالطغيان هو مجاوزة الحد الذي شرعه الله ﷿.
والطغيان مرضٌ بشريٌ مدمر؛ وأركان الطغيان خمسة، إذا حصلت أنزل الله عقوبته بمن طغى، وفسد، وتجبر، كما قال سبحانه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
الركن الأول: الطاغية الجبار، الذي يرى أنه متحكمٌ في رقاب الناس، يفعل بهم ما يشاء، وأنه يملك الأرض ومن عليها، ويمثل ذلك الطاغية فرعون، وكل من سار على شريعته: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
وقال ﷿ لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
فكانت عقوبة هذا الطاغية، وهو فرعون وجنوده، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥٥ - ٥٦].
الثاني: الوزير المنافق، المتملق الذي يزّين للملك أفعاله السيئة، وينفذ أوامره الظالمة على الناس، ويزين للملك الطاغي أنه ليس في أوامره مستحيلٌ ولا ضار، ولهذا يسارع إلى تنفيذ أوامره ويمثله هامان وزير فرعون، ومن سار على طريقته، ففرعون وجَّه نداءه إلى وزيره هامان، فقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
فوزيره هامان زيَّن له سوء عمله، ونفَّذ أوامره، فكانت العقوبة، كما قال سبحانه عن فرعون: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ [القصص: ٣٩ - ٤٢].
الثالث: رجل المال والأعمال، الذي يسخِّر ثروته في البغي، والظلم، والطغيان، وإعانة الطغاة على مدِّ طغيانهم، وظلمهم، ويمثل ذلك قارون، ومن سار على طريقته: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ [القصص: ٧٦].
فكانت عقوبة هذا الطاغي التاجر بأمواله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١].
الرابع: رجل الدين، الذي يسخِّر علمه وفكره وجهده في خدمة الحاكم الطاغي، لينال عنده المكانة، والنوال، والعطاء، ويمثل ذلك سحرة فرعون، ومن سار على طريقتهم، كما قال سبحانه: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: ١١٣ - ١١٦].
لكن السحرة لما رأوا الحق آمنوا بالله، وكفروا بالطاغية فرعون، فقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فكانوا في الصباح سحرةٌ فجرة، وفي المساء شهداءٌ بررة، كما قال سبحانه: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢٠ - ١٢٢].
الخامس: رجل الإعلام المنافق، الذي يقلب الحقائق إلى ضدها، ولا يغطي من الأخبار إلا ما يخدم الطغاة والمفسدين، ويمثل ذلك الحاشدون من جنود فرعون ومن سار على طريقتهم، كما قال سبحانه: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٣٨ - ٤٠].
فهذه أركان الطغيان الخمسة، إذا تحققت نزلت عقوبة الله بالطغاة وجنودهم، وأخذ الله الطغاة والفاسدين أخذ عزيزٍ مقتدر بعذابٍ موجع: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
***
مختارات

