فقه التوحيد (١)
قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)} [البقرة: ١٦٣].
وقال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} [الكهف: ١١٠]
التوحيد: هو أن يتيقن العبد ويقر أن الله وحده هو رب كل شيء ومليكه، وأنه وحده الخالق الذي يدبر الكون كله وحده، وأنه سبحانه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأن كل معبود سواه فهو باطل، وأنه سبحانه متصف بصفات الكمال، منزه عن كل عيب ونقص، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا.
والتوحيد: مراد الله من عباده، وهو أحب شيء إلى الله، وهو المقصود من خلق الجن والإنسان، بل خلق الكون كله.
والتوحيد: ألطف شيء وأنزهه، وأنظفه وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه، فهو كالثوب الأبيض يدنسه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جداً أدنى شيء يؤثر فيها.
ولهذا تشوشه وتؤثر فيه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية.
فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده، وإلا استحكم وصار طبعاً يتعسر عليه قلعه والتخلص منه.
والتوحيد: مفزع أولياء الله وأعدائه.
فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها كما قال الله عنهم: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)} [العنكبوت: ٦٥]
وأما أولياؤه فينجيهم من كرب الدنيا والآخرة.
ولذلك فزع إليه نوح - صلى الله عليه وسلم - فأنجاه الله، ومن آمن به، وأغرق من كفر كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)} [الصافات: ٧٥ - ٧٦].
وفزع إليه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فنجاه الله من النار، وجعلها برداً وسلاماً عليه كما قال سبحانه: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)} [الأنبياء: ٦٨ - ٦٩].
وفزع إليه يونس - صلى الله عليه وسلم - فنادى ربه، وهو في بطن الحوت في ظلمات البحر فنجاه الله كما قال سبحانه: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)} [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
وفزع إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة إلى المدينة فحفظه الله، وفي بدر فنصره الله كما قال سبحانه: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)} [الأنفال: ٩].
وفزع إليه أتباع الرسل، فنجوا مما عُذب به المشركون في الدنيا، وما أعد الله لهم من العذاب في الآخرة.
ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك لم ينفعه؛ لأن الإيمان عند معاينة الموت لا يقبل، وهذه سنة الله في عباده لا تتبدل كما قال سبحانه: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)} [النساء: ١٨].
وقوة التوحيد والإيمان تقهر ما يضادها وتحرقه.
ومن الناس من يكون توحيده عظيماً كبيراً، ينغمر فيه كثير من الذنوب ويستحيل فيه، بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ، فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه، فيخلط توحيده الضعيف بما خالط به صاحب التوحيد العظيم توحيده فيسقط ويهلك.
وصاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات، يسامَح بما لا يسامَح به مَنْ أتى مثل تلك السيئات، وليست له تلك المحاسن.
فما حصلت المطالب إلا بالتوحيد، ولا دفعت الشدائد إلا بالتوحيد، ولا ظفر بالجنة إلا بالتوحيد، ولا نجاة من النار إلا بالتوحيد، ولا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فالتوحيد مفزع الخلائق كلها، وهو ملجؤها وحصنها وغياثها.
ولله عزَّ وجلَّ على كل عبد ثلاثة أمور:
أمر يأمره به.
وقضاء يقضيه عليه.
ونعم ينعم بها عليه.
فواجبه في الأمر الطاعة.
وواجبه في القضاء الصبر.
وواجبه في النعم الشكر.
وهو لا ينفك عن هذه الثلاثة.
والتقصير والغفلة والنسيان من طبيعة البشر، فلا بدَّ له مع تلك الثلاثة من الاستغفار الكثير المستمر، لعظمة حجم النقص، والتقصير في حق الرب.
مختارات

