الخزانة التاسعة..
فقه الإيمان بالقدر:
القدر: هو كل ما قضاه الله وقدره في هذا الكون العظيم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
فكل ما يجري في الكون من خلقٍ، وأمرٍ، وتدبيرٍ، وتصريفٍ، وحركةٍ، وسكونٍ، وحياةٍ، وموتٍ، وخوفٍ، وأمنٍ، وغنى، وفقر، وصحة، ومرض، وغير ذلك، كل ذلك وأمثاله كائنٌ بقضاء الله وقدره: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ [الرعد: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٣].
فيجب على المؤمن أن يؤمن بأقدار الله كلها، ولكن هذا لا يمنعه من فعل الأسباب المشروعة، لأن الله قدَّر الأقدار مربوطةً بأسبابها، فالله قدَّر جميع الأرزاق لكل أحد مربوطةً بأسبابها، فنأخذ بالأسباب الشرعية بأبداننا، ونتوكل على الله بقلوبنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وقال ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فالأكل، والشرب، واللباس مأمورٌ به شرعًا، فندفع قدرَ الجوع والظمأ والعُري بقدر الأكل والشرب واللباس، لأننا في دار الأسباب، ولابد من فعل الأسباب، امتثالًا لأمر الله الذي أمر بها، والدعاء من أعظم الأسباب التي تحصل بها المطالب؛ فإذا قدَّر الله المرض أو الفقر على أحد فيدفع ذلك بالدعاء، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والمؤمن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأقدار الله الكونية تجري على كل من في الكون من المخلوقات، ومن هؤلاء الإنسان الذي تجري عليه أقدار الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
فكل إنسانٍ تجري عليه، وتحصل منه، ثلاثة أفعال:
فعلٌ يقع عليه من ربه، وفعلٌ يقع منه، وفعلٌ يقع فيه.
فالفعل الذي يقع فيِّ من ربي لا خيار لي فيه، فأنا فيه مُسيّرٌ؛ كلون جسمي، وطولي، وعرضي، وتشغيل قلبي وجوارحي، كل ذلك من رحمة الله أنه تكفل به،فاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وكذلك الذي يقع على الإنسان من خارجه مسيّرٌ فيه، لا خيار له فيه، بل هو مسخرٌ ومسيّرٌ فيه؛ كما لو أصابه الله بمرض، لأنه فعلٌ يقع عليه من فاعلٍ آخر، وهذا وما قبله لا تكليف على الإنسان فيه، لأنه لا خيار له فيه، وهو مقهورٌ عليه.
وأما الفعل الذي يقع مني كالطاعات والمعاصي، والكلام والكتابة، والأكل والشرب، والحب والبغض، فهذا الإنسان مخيرٌ فيه، لا مسيّرٌ، ولهذا خاطب الله الإنسان بقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال ﷿: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
فكل شيءٍ الإنسان فيه مسيّرٌ لا تكليف عليه، وكل شيءٍ الإنسان فيه مخيّرٌ فهذا مناط التكليف، ومنطقة الاختيار، وهي منطقة التكليف، وجهة التكليف؛ الله اختار لهذا الإنسان وكرَّمه بمنهجٍ يسير عليه، يحقق له المصالح في الدنيا والآخرة، ويدفع عنه المفاسد في الدنيا والآخرة: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
ولولا أن الإنسان غيرُ صالحٍ للفعل لما قال له ربه افعل،وهو وفعله ومشيئته وإرادته مخلوقٌ لله ﷿: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وقال ﷿: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
والقدر الذي يجري على الإنسان وغيره محبوبٌ ومكروهٌ، والقدر المكروه لا يرفعه الله عن العبد حتى يرضى، ويسلّم بما جرى عليه من ربه، وأنه حق، ثم بعد ذلك يرفعه الله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
والله حكيمٌ عليمٌ، قدَّر المقادير كلها في أوقاتها، وأماكنها، وأحجامها، وأنواعها: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٨ - ٩].
وقال ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
ومن أعظم الأدلة على أن الإنسان مخيرٌ في أفعاله، أن الله ﷿ خاطبه بالأمر والنهي، ولولا أنه مخيرٌ في الفعل والترك، لما وجَّه الله إليه ذلك، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
ولو كان الإنسان في أفعاله مسيرًا لا مخيرًا لأُلغي التكليف، وأُلغي الثواب والعقاب، ولما أوجد الله الجنة والنار: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾ [الجاثية: ٢٢].
وحلاوة الإيمان بالقضاء والقدر:
إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
والله سبحانه خلق الإنسان مخيرًا لا مسيَّرًا، وهو الحكيم الخبير الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء؛ فالإنسان إذا أراد الضلال، أراد الشهوات، أراد التفلت من أوامر الله، لأنه مخير، فالله يسمح له بذلك مع أنه نهاه عن ذلك، لأنه مخير!!.
والذي أراد الهدى يهديه الله ويعينه على ذلك: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فسبحان من بيده مقاليد الأمور يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، بعلمه وحكمته: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
فالله يهدي من أقبلَ عليه، ويضل من أعرض عنه، والإضلال الجزائي من الله، مبنيٌ على الضلال الاختياري من العبد: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨].
وكون الإنسان يُسأل يوم القيامة عما فعل، دليلٌ على أنه مختارٌ فيما يفعل من خيرٍ أو شر: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
والله سبحانه سيحاسب كل إنسانٍ يوم القيامة على ما فعله واختاره في الدنيا، وهذا دليلٌ على أنه مختارٌ فيما يفعل، لا مسيرٌ ولا مجبور: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
والله سبحانه عزيزٌ حكيمٌ لا يختار للناس إلا ما هو خير لهم في دُنياهم وأُخراهم، ولو أجبرهم على فعل شيء لما أجبرهم إلا على الحق والهدى، ولكنه لم يفعل؛ بل تركهم مختارين يفعلون ما شاءوا، بعد أن عرفهم بالحق ورغبهم فيه، وعرفهم بالباطل وحذرهم منه، وعرفهم الهدى من الضلال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٣].
فما أجهل الإنسان إذا نَسب أخطاءه ومعاصيه إلى القضاء والقدر، وينسى أنه فعلها بنفسه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
وما أجهل الإنسان ينسب فضائله وتفوقه إلى نفسه، وليس إلى ربه الذي بيده ملكوت السموات والأرض: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
وقد بيَّن الله ﷿ في كتابه الكريم الحقَّ، ورغَّب فيه، وبيَّن الباطل، وحذَّر منه، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
أركان الطغيان:
بيَّن الله ﷿ في القرآن العظيم الطغيان، وصفات الطغاة؛ كنمرود، وفرعون، وهامان، وقارون وغيرهم من الطغاة والمفسدين.
وقد بيَّن الله في القرآن الكريم أن الطغيان في كل زمانٍ ومكان يقوم على خمسة أركان:
الأول: المَلكُ الطاغية الجبار، الذي يرى أن كل الناس عبيده، يفعل بهم ما يشاء، ويرى كل شيءٍ في الأرض مُلكه، يفعل به ما يشاء، كما قال الله عن فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
الثاني: الوزير المزيِّن للطاغي سوءَ عمله؛ كهامان وزير فرعون، الذي زيَّن لفرعون جميع أفعاله، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
الثالث: التاجر الفاجر الذي يسخِّر أمواله في خدمة الطاغية طمعًا فيما عنده، كقارون، كما قال الله ﷿:﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٥].
وقال ﷿ عن قارون: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٦ - ٧٧].
الرابع: عالِم السوء الذي يسخِّر علمه لبقاء الطاغية، طمعًا فيما يناله من الطاغية من مالٍ أو جاه، كسحرة فرعون، الذين قالوا لفرعون: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢].
الخامس: الإعلاميون الكاذبون الذين يجحدون الحقائق، ويقلِبون الأمور لما يخدم الطاغية، طمعًا فيما عنده من ثواب، ويمثّله الحاشدون من جند فرعون، كما قال سبحانه عنهم: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٣٦ - ٤٠].
فهذه هي الأركان الخمسة للطغيان في كل زمانٍ ومكان، إذا اجتمعت تحققت أسباب البطش الإلهي بالطاغية وجنوده، كما قال سبحانه: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٩ - ٤٠].
وقال ﷿ عن فرعون وجنوده وأعوانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥٥ - ٥٦].
وقال الله ﷿ عن قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١].
فالطغيان مرضٌ بشريٌ يصيب أهل هذه الأركان الخمسة، فيَخرج به من العدل والإحسان إلى البغي والعدوان، ومن الصلاح والإصلاح إلى الفساد والإفساد: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
فهؤلاء الطغاة هم أضلُّ خلق الله، لأنهم فسدوا وأفسدوا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد: ٥].
والله ﷿ هو الرزاق ذو القوة المتين، خلق الخلق لعبادته، وتكفَّل بجميع أرزاقهم، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ورزق الله لعباده في الأرض مقيدٌ محدود؛ لما يعلمه الله سبحانه أن البشر في الدنيا لا يُطيقون أن يفتح الله عليهم فيضه ورزقه غير المحدود: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٧ - ٢٨]
والله حكيمٌ عليم يعلم أن البشر في الدنيا لا يطيقون الغنى إلا بقدر، ولو بسط لهم الرزق كما يبسطه في الآخرة لبغوا وطغوا: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
ومن رحمة الله بعباده أن جعل رزقهم في الدنيا مقدّرًا محدودًا بقدر ما يطيقون، وبقدر ما يصلحهم،واستبقى فيضه العظيم المبسوط يوم القيامة بلا حدود ولا قيود لمن آمن به واتقاه في الدنيا: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وقال ﷿ عن المؤمنين: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
والله سبحانه خلق جميع المخلوقات، وتكفَّل بأرزاقهم كميةً ونوعيةً، ومكانًا وزمانًا، وقَسَمها، فكل مخلوق سيأتيه رزقه في وقته ومكانه، ومقداره وزمانه، ويطرق عليه بابه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
واعلم أيها العبد أنك إذا رأيت النساء تكدح في طلب المعاش، فاعلم أن هناك نقصُ رجولةٍ في المجتمع، كما قال سبحانه عن المرأتين في قصة موسى ﷺ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤].
وأرزاق الله لعباده أنواعٌ كثيرةٌ؛ فالعلم رزقٌ، والذكاء رزقٌ، والعقل رزقٌ، والسمع رزقٌ، والبصر رزقٌ، والهداية رزقٌ، والإيمان رزقٌ، والطعام والشراب رزقٌ، والأمن رزقٌ، والعافية رزقٌ، والله سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
فسبحان من خلق أنواع الأرزاق، وجعل لكل مخلوقٍ رزقه، من حيوانٍ، وإنسانٍ، وجان: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨].
ومن هذا رزقه، وهذا عطاؤه، وهذا كرمه، وهذا إحسانه، هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
***
مختارات

