خطر الكفر (٤)
والكافر ظالم، والمشرك ظالم، ومن كان ظالماً يعيش في الظلمات في الدنيا والآخرة:
ظلمة الكفر.
وظلمة الشرك.
وظلمة الجهل.
وظلمة الشك والريب.
وظلمة الإعراض عن الحق الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)} [إبراهيم: ١].
فأنى يكون لهذا الظالم الذي يعيش في الظلمات نوراً بدون نور الإيمان؟
وكيف تكون حاله إذا فقد النور في الدنيا والآخرة؟
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)} [الأنعام: ١٢٢].
فكل معرض عما بعث الله به محمداً - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق يتقلب في بحور الهم والغم والظلمات، وإن كان فيما يرى الناس سعيداً.
فقلبه مظلم.
ووجهه مظلم.
وكلامه مظلم.
وعمله مظلم.
وفكره مظلم.
وحياته مظلمة.
ومصيره إلى الظلمة.
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)} [البقرة: ٢٥٧].
فتلاطم أمواج الشبه والباطل في صدور الكفار كتلاطم أمواج البحار.
وقد شبه الله عزَّ وجلَّ أكثر الناس بالأنعام، والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له.
وجعل الأكثرين أضل سبيلاً من الأنعام، لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق، فلا تحيد عنها يميناً ولا شمالاً، والأكثرون يدعونهم الرسل، ويهدونهم السبيل، فلا يستجيبون ولا يهتدون، ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم.
والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه، وبين ما ينفعها فتؤثره: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)} [الفرقان: ٤٤].
والله عزَّ وجلَّ لم يخلق للأنعام قلوباً تعقل بها، ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك لهؤلاء، ثم لم ينتفعوا بما جعل الله لهم من القلوب والعقول والألسنة والأسماع والأبصار.
فهم أضل من البهائم، فمن لا يهتدي إلى الرشد، وإلى الطريق مع الدليل، أضل وأسوأ حالاً ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه.
والمؤمن حي، والكافر ميت، والميت لا يخاطب بأحكام الله الشرعية، ولا يطلب منه العمل بها، فإن القلب إذا مات لم يعد فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل، ولا إرادة للحق، وكراهة للباطل، بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما.
فإذا دخل الإيمان في قلبه دبت فيه الحياة، وصار حياً يعرف الحق ويقبله ويحبه، ويعمل به، ويؤثره على غيره كما قال سبحانه: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)} [الأنعام: ١٢٢].
والله جلَّ جلاله فعال لما يريد، يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب.
والختم والطبع، والغشاوة والقفل، عقوبات عاجلة للكفار في الدنيا كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)} [البقرة: ٦، ٧].
ويمكن للعبد أن يفعل الأسباب التي يكشف الله بسببها عنه الطبع والختم، وفتح ذلك القفل يفتحه الذي بيده مفاتيح كل شيء.
فأسباب الفتح مقدورة للعبد، وإن كان فتح القفل، وفك الختم، غير مقدور له، كما أن شرب الدواء مقدور له، وزوال العلة، وحصول العافية، غير مقدور له.
فإذا استحكم به المرض لم يكن له عذر في ترك ما يستطيع من أسباب الشفاء، وإن كان الشفاء غير مقدور له.
فالعبد إذا عرف الهدى فلم يحبه، ولم يرض به، وآثر عليه الضلال، مع تكرر تعريفه بما يضره وما ينفعه، فقد سدَّ على نفسه باب الهدى بالكلية، ولو أنه في هذه الحال تعرض وافتقر إلى من بيده نفعه وهداه، وعلم أنه ليس إليه هدى نفسه، وأنه إن لم يهده الله فهو ضال، وسأل الله أن يقبل بقلبه، وأن يقيه شر نفسه، وفقه الله وهداه كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «قال: يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أهْدِكُمْ» أخرجه مسلم (٢).
ولو أن المطبوع على قلبه، المختوم عليه، كره ذلك الضلال، ورغب إلى الله في فك ذلك عنه، وفعل مقدوره، لكان هداه أقرب شيء إليه.
لكن إذا استحكم الطبع والختم، حال بينه وبين كراهة ذلك، وسؤال الرب فكه، وفتح قلبه.
(١) أخرجه مسلم برقم (٢١٢).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٥٧٧).
مختارات

