الخزانة الرابعة..
صلاح القلوب.
الإيمان يتم بثلاث مراحل:
التخلية.
ثم التزكية.
ثم التحلية.
أولاً: التخلية، فنخلي القلوب من حب الدنيا، والتعلق بغير الله؛ لتكون صافيةً قابلةً للتزكية بمكارم الأخلاق، ويتم ذلك بأن نعيش في بيئة الإيمان حيث لا نسمع ولا نرى ولا نعمل ولا نقول إلا ما يحب الله ورسوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وكما استخدمنا أبصارنا وعقولنا وأسماعنا وأوقاتنا من أجل الدنيا، نستخدمها فيما يحبه الله ورسوله من الأقوال الحسنة والأعمال الصالحة، والأخلاق العالية؛ لتفرغ من حب الدنيا.
ثانيًا: التزكية والتربية، بتطهير القلوب من الشرك، وتطهير الجوارح من المعاصي: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣].
ثالثًا: ثم تأتي التحلية فلا يمكن أن يتحلى الإنسان بالفضائل، حتى يتخلى عن الرذائل، فنلزم بيئة الإيمان والعلم؛ ليدخل التوحيد، ويخرج الشرك، ويدخل الإيمان، ويخرج الكفر، ويحل العلم بدل الجهل، وتأتي الاستقامة بدل الانحراف، وتأتي الأخلاق الحسنة بدل الأخلاق السيئة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
يتلو عليهم ﷺ آياته؛ ليخرج من قلوبهم التعلق بغير الله، ويزكيهم ويطهر قلوبهم من الأخلاق الرديئة ويجملهم بالأخلاق الحسنة، ويتم ذلك بالنظر في الآيات الكونية،والنظر في الآيات الشرعية: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].
هذه هي التحلية بالفضائل والعلم والتوحيد والإيمان والهدى وحسن الخلق: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢].
وإذا صلح القلب، أثمر كثرة ذكر الله ﷿ وتعظيمه، ودوام شكره، والصبر على طاعته وأقداره المؤلمة، وكمال اليقين، والتوكل عليه وخشيته، والطمع في رحمته: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
فمن رزقه الله هذه الثلاث، بث الله فيه روح الدعوة، والعبادة، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله ﷿، وهذه الثلاث تحتاج إلى بيئة إيمانية، يكمل فيها الإيمان، ويقوى اليقين، ويحصل الأثر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
بيئة الإيمان:
أمر الله رسوله ﷺ أن يجلس مع فقراء المؤمنين في بيئة الإيمان، فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وفي سورة الأنعام، نهاه الله ﷿ أن يطردهم من مجلسه،فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢].
وفي بيئة الإيمان نستفيد خمس كرامات:
نتعلم الدين.
ونعمل بالدين.
ونثبت على الدين.
ونترقى في الدين.
وندعو إلى الدين.
وهؤلاء المؤمنين خير الناس؛ لأنهم الصف الأول في الإسلام، فهم مواظبون على الأعمال الصالحة في جميع الأوقات بالغداةِ والعشي.
فـ (الغداة) هي: الوقت الذي ينتقل فيه الإنسان من النوم إلى اليقظة، وهذا الانتقال شبيهٌ بالانتقال من الموت إلى الحياة.
و (العشي) هو: الوقت الذي ينتقل فيه الإنسان من اليقظة إلى النوم، وهذا الانتقال شبيهٌ بالانتقال من الحياة إلى الموت.
والعاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر لربه، عظيم الشكر له، دائم الاستغفار له، دائم العبادة له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
ثم نهاه ﷻ أن يزدري فقراء المؤمنين، وأن تنبوا عيناه عنهم؛ لأجل مجالسة الأغنياء الكفار لعلهم يسلمون، فإن ذلك يدل على رغبته في زينة الدنيا بمجالسة أهل الدنيا: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨].
فأمره بمجالسة فقراء المسلمين، ثم نهاه عن الالتفات إلى أموال الأغنياء، وحياة الأغنياء وأقوال الأغنياء والمتكبرين، فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
والإيمان الحق الذي يريده الله ﷿ من كل إنسان: هو الذي يزرع في القلب هيبة الجبار، وتعظيم الكبير المتعال، ويملؤه بحب الرحمن الرحيم، ويتواطأ على ذلك القلب واللسان والجوارح، ويظهر ذلك على اللسان قولًا وذكرًا، وعلى القلب خشية وتقوى، وعلى الجوارح عملًا وأخلاقًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
الثروة تنقسم إلى قسمين:
الأولى: ثروةٌ داخلية: وهي الأمن والإيمان، والطمأنينة والسكينة.
الثانية: وثروةٌ خارجية: من الأموال والأشياء.
وأعظم ثروة، وأعظم شيء، أن يخرج الإنسان من الدنيا ومعه الإيمان والتقوى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
وإذا مات الإنسان قال الناس عن الميت: ماذا خلف وماذا أخر؟ وقالت الملائكة: ماذا قدم؟
فالناس ينظرون إلى الثروة الخارجية، والملائكة ينظرون إلى الثروة الداخلية وهي الإيمان والتقوى، وكل إنسانٍ في هذه الدنيا ترافقه ثروته الداخلية لا الخارجية، فليس كل أحد يستطيع أن ينقل ثروته الخارجية معه.
أما الثروة الداخلية: وهي تقوى الله، والأعمال الصالحة، وحسن الخلق، فترافق الإنسان في الدنيا والآخرة، ولهذا أمرنا الله بتحصيلها، بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وتحصيل هذه الثروة العظيمة في الدنيا، أما في الآخرة فيكون ثوابها، فالله هو الحق، وأراد من الإنسان أن يؤمن بالحق، ويعمل بالحق ويدعوا إلى الحق، وهذه أعظم ثروةٍ يصل بها إلى الحق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
والدنيا دار الإيمان والعمل، والآخرة دار الثواب والعقاب.
وإذا خرج المؤمن من الدنيا؛ ظهرت أمامه نتيجة حياته فورًا.
والنتيجة شيئان فقط:
فالقبر إما روضة من رياض الجنة.
أو حفرة من حفر النار.
والآخرة إما خافضةٌ للناس، وإما رافعة لهم: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ١ - ٣].
والذي يرفع الإنسان عمله الصالح، والذي يخفضه عمله السيئ، فالعمل الصالح يرتفع إلى الله، ويرفع صاحبه:﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
لذلك الإنسان يوم القيامة يأتي إما حاملًا أو محمولًا، فالمؤمن تحمله حسناته، والكافر يحمل أوزاره، والسعيد من جاء يوم القيامة محمولًا لا حاملاً: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
والكافر يحمل أوزاره: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ [الأنعام: ٣١].
وجسد الإنسان كل يومٍ تخرج منه الأعمال الصالحة أو السيئة، فالإنسان مكينة أعمال، كالشجرة مكينة ثمار، وكما يتفكر الإنسان في دنياه لمعاشه، يجب أن يتفكر في دنياه لمعاده: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
والأعمال لها صفتان:
فهي إما نورانية.
أو ظلمانية.
فالحق كله نور، والباطل كله ظلام، والأعمال كلها ترتفع إلى الله، ونتيجة هذه الأعمال فورًا تترجم إلى حسنات وسيئات،فتكون في الجنة أو النار بحسب العمل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
فمن قال سبحان الله غرست له نخلةٌ في الجنة، ثم يأتي أثر العمل الصالح نورًا من الجنة إلى القلب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وأثار الحسنات في الدنيا البركة، وأثارها يوم القيامة نعيم الجنة.
وكذا السيئات يأتي أثرها في القلب من نار جهنم، وكل معصيةٍ لها نوعٌ من العذاب، إما عذابٌ اليم، أو عذابٌ شديد، أو عذابٌ كبير، أو عذاب عظيم، وكذا كل طاعة لها نوعٌ من النعيم، والجنة كثيرة الدرجات، فللمجاهدين في سبيل الله مائة درجة ما بين الدرجة والأخرى كما بين السماء والأرض: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٤].
والنار سبع دركات، عددها عدد الأعضاء التي يطيع الإنسان فيها ربه أو يعصيه، العينان، والأذنان، واليدان، والرجلان، والفم، واللسان، والأنف، فكل عملٍ سيء يخرج من الإنسان إلى الله، ثم إلى النار، ثم يأتي أثره من النار إلى قلب الإنسان الذي عمله، فأصحاب السيئات في الدنيا في جحيمٍ وقلقٍ وضنكٍ وشدة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
والقيامة كلها ظلمة، وكل أحدٍ يمشي بنوره، المؤمن يسير إلى الجنة بنور الإيمان، والكافر يسير إلى جهنم بظلمة الكفر،وجهنم أظلم ما خلق الله سوادًا وظلمةً وضيقًا: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩].
والجنة كلها نورٌ من نور الله، فهي أعظم ما خلق الله من النور بعد العرش العظيم: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد: ١٢].
وحفاظة الأمة بالإيمان والتقوى، بالدعوة لا بالعبادة فقط؛ لأنك بالدعوة أنت تبني، والشيطان يخسر، وبالعبادة أنت تبني، والشيطان يهدم.
والعابد ينقطع عمله بموته، أما الداعي فعمله مستمر، فإذا ما جرى له عمل غيره ممن هداه الله على يده، وفي كل يوم يكتب له حيًا أو ميتًا، أعظم مما يكتب لأعبد إنسان؛ لأن صلاة وصيام وجهاد وحج، وجميع أعمال الخير التي يعملها من دعاهم إلى الله في صحيفته، كما قال النبي ﷺ: «من دَعَا إِلَى هُدَى فَلَهُ أَجُرُّهُ، وَاِجْرِ مِنْ عَمَلٍ بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصَ ذَلِكَ مِنْ أَجَوْرِهِمْ شَيْئًا» أخرجه مسلم.
وإبليس يأتي للإنسان في حالتين:
الأولى: إذا هممت بطاعة الله.
الثانية: وإذا أردت الخروج في سبيل الله للدعوة إلى الله.
لكنه يفر من الدعوة، ويوسوس في العبادة، ويهدم ما تبني من الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
فعلى المسلم أن ينوي الدعوة إلى الله إلى قيام الساعة لا إلى الموت؛ لأنك قد تموت الآن والأعمال بالنيات، فمن نوى دعوة جميع العالم ومات، أعطاه الله ما نوى قال النبي ﷺ:«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» متفق عليه.
أقسام الإيمان بالله عزل وجل:
ينقسم الإيمان بالله ﷿ إلى قسمين:
الأول: إيمانٌ فطري، فقد فطر الله عباده على التوحيد والإيمان به، وأنه الخالق الرازق الذي يدبر هذا الكون العظيم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
الثاني: إيمانٌ كسبي، وهو الإيمان بالله العظيم، ومعرفة أسمائه الحسنى، ومعرفة صفاته العلا، ومعرفة أفعاله الجميلة، من خلال النظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، فهذا إيمانٌ كسبي، يحصله الإنسان بجهدٍ بشري، والأول إيمانٌ فطري، مركوزٌ في فطرة كل إنسان،والمطلوب من كل إنسان تحصيل الإيمان الكسبي الذي يزيد الإيمان الفطري ويحرك الجوارح بالأمر التعبدي: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فالإيمان الذي ينجي صاحبه من النار: هو هذا الإيمان، فمن آمن بالله العظيم، وعرف أسمائه وصفاته، أطاعه وأحبه، واستحي من معصيته، ومن اكتفى بالإيمان الفطري دون الكسبي، ولم يعرف ربه العظيم كما يجب، لم يطعه وهانت عليه معصيته: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].
والإيمان الكسبي هو الذي يحمل صاحبه على عبادة الله وطاعته، واجتناب معصيته، وكل إيمان لا يحمل صاحبه على طاعة الله؛ فهو إيمانٌ لا قيمة له كإيمان إبليس، حيث قال:﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٩].
وحين أُمر بالسجود لآدم أبى واستكبر، فهذا الإيمان وهذا القول لم ينفعه، فقد عصى وكفر واستكبر؛ لأن الإيمان بالله لابد أن يتبعه طاعةٌ لله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
والكفر: هو الستر والتغطية للإيمان المركوز في فطرة الإنسان، والإيمان بالله يحقق للإنسان كل خير ويدفع عنه كل شر، والشر الذي يدفعه الإيمان هو الكفر والنار فالكفر يستر وجود الله، والإيمان يقي الناس شر الكفر والنار.
أقسام الكفار:
الكافرون قسمان:
الأول: قسمٌ كفر بالله أولًا ثم استمع الوحي، فعاد إلى فطرته الأولى وأمن بالله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
الثاني: قسمٌ كابر وعاند ثم استمع الوحي ولم يستحب؛ لأنه مستفيدٌ من الكفر؛ لأنه يرتع في الشهوات ويكسب كيف شاء، والإيمان يعطل عنه هذه الفائدة التي تضره، فهؤلاء الذين يحاربون الإيمان وأهله، فالذي يصر على الكفر هو المنتفع بالكفر: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
أما القسم الأول: وهم الأكثر، فهؤلاء إذا علموا أن الإيمان يحقق لهم الخير والهدى، ويدفع عنهم الشر آمنوا بالله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥].
ولو لم يوجد منتفعٌ بالكفر؛ لما تأصل الكفر في الناس، فالأصل هو الإيمان، والكفر ساترٌ للإيمان لمصلحةٍ أو جهل ن فالأصل الفطري هو الإيمان: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
والكفر طارئ بسبب الغفلة؛ ولأجل هذا تابع الله إرسال الرسل، لرد الناس إلى فطرتهم الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣].
ولما كان الإيمان يضيق على السلاطين، وأصحاب السيطرة، والاستغلال والشهوات، ستروا الإيمان، وأصروا على الكفر، لمصالحهم على حساب غيرهم: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
والمؤمن يريد أن يحافظ على ذاتيته الأصيلة وهي فطرة الإيمان، وعلى ذاتيته الوكيلة وهي الخلافة في الأرض والدعوة لغيره من الناس.
والكافر يريد أن يحافظ على ذاتيته الطارئة وهي الكفر، فإن كانت بسبب الجهل زالت بالدعوة، وإن كانت بسبب المصلحة أو الكبر زالت بالجهاد الذي شرعه الله؛ ليكون الدين كله لله، كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠].
فالأولى: وهي الفطرة على الإيمان حق.
والثانية: وهي انتقال الكافر من هذه الفطرة إلى الكفر.
الأولى حق، والثانية حمق، والحمق يزال أولًا باللين والرحمة والدعوة فإن لم يستجب الإنسان لذلك؛ أزيل بالشدة والقسوة، قطعًا لدابر الشر عن الناس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
فالإيمان والكفر، كالنور والظلام، طرفان متقابلان لا يجتمعان أبداً، وأهل كل واحد يدعو الأخر إلى صفه:﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣].
***
مختارات

