الخزانة السادسة..
أركان الإيمان بالرسل:
الإيمان بالرسل له ثلاثة أركان:
الأول: الإيمان بالمُرسِل، وهو الله سبحانه.
الثاني: الإيمان بالمُرسَل، وهو الرسول الذي أرسله الله إلى الخلق.
الثالث: الإيمان بالمُرسَل به، وهو الوحي الذي جاء به الرسول من ربه.
وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
والناس في السمع والطاعة للرسل ثلاثة أقسام:
الأول: من يسمع ويطيع، وهؤلاء هم المؤمنون، كما قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
الثاني: من لا يسمع ولا يطيع، وهؤلاء هم المعرضون عن الحق: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
الثالث: من يسمع ولا يطيع، وهؤلاء هم المستكبرون الذين اتخذوا آيات الله هزوا كما قال سبحانه عن الكافر: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٧].
وقال ﷿ عن الكفار: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣].
وهؤلاء أعظم جرمًا ممن قبلهم، لأنهم عرفوا الحق وتركوه.
والذي أنكر النبوة والرسالة إما أن يقول: إن الله تعالى لم يكلف أحدًا من خلقه.
أو يقول: إنه سبحانه كلف الخلق.
والأول باطل؛ لأنه يقتضي ترك الناس هملًا بلا شريعة يسيرون عليها، فثبت أن الله كلف خلقه بالأوامر والنواهي، وذلك لابد له من مُبلِّغٍ ومبينٍ، وما ذاك إلا نبيٌ أو رسول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
ومن أنكر النبوة والرسالة فقد وصف الله بالعجز، وعدم القدرة، ومن قال ذلك فما قدر الله حق قدره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام: ٩١]
ومن أنكر النبوة والرسالة فقط طعن في كون الله ملكًا مطاعًا.
فإن كل ملك له أوامر على عبيده، وله وعدٌ على الطاعة، وله وعيدٌ على المعصية، فمن قال: ما أنزل الله على بشرر من شيء فما قدر الله حق قدره فلا إله إلا الله، ما أجهل الخلق بربهم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
والإيمان بالرسل لابد له من أربعة أمور:
الأول: أن يعلم العبد كون الرسل معصومين من الذنوب، وفيما يبلغون عن الله ﷿.
الثاني: أن يعلم العبد أن الأنبياء والرسل هم أفضل الخلق.
الثالث: أن يعلم العبد أن بعضهم أفضل من بعض.
الرابع: أن يعلم العبد أنهم بشرٌ يبلغون وحي الله إلى خلقه، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء:﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وقد أرسل الله ﷿ إلى كل أمةٍ أو قومٍ رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأرسل محمدًا صلى الله عليه وسلمرحمةً للبشرية كافة إلى يوم القيامة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
• نسل الأنبياء والرسل:
آباء البشرية ثلاثة:
آدم ﷺ.
ثم نوح ﷺ.
ثم إبراهيم ﷺ.
وقد بشر الله ﷿ إبراهيم صلى الله عليه وسلمبغلامٍ عليم هو إسحاق، وبشره بغلامٍ حليم هو إسماعيل، فإسماعيل أبو العرب، وأمه هاجر، وإسحاق أبو بني إسرائيل، وأمه سارة، فإسحاق أمه سارة وإسماعيل أمه هاجر، وإسماعيل ولد قبل إسحاق، وجميع الأنبياء بعد إبراهيم من نسل إسحاق، إلا محمدًا ﷺ، فإنه من نسل إسماعيل.
خلق الله ﷿ آدم ﷺ، ثم أنزله إلى الأرض، وتابع الله إرسال الرسل من ذريته، فبعث الله الرسل من البشر للبشر، ولو بعث الله إلى البشر رسولًا ملكيًا لكان على هيئة رجل، ليمكنهم مخاطبته، والانتفاع بالأخذ عنه؛ ولأن الناس لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من شدة النور، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩].
ولو كان في الأرض ملائكة، لأنزل الله ﷿ عليهم ملائكة من السماء، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء: ٩٥].
فالرسل إلى البشر من البشر كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].
والرسل والأنبياء هم أرحم الخلق بالخلق، فالله أرحم بعباده من كل أحد، والأنبياء والرسل أرحم الناس بالخلق، لكمال معرفتهم بربهم وما يريد منهم، فإن الله هو الرحمن الرحيم، وأمر أنبياءه ورسله أن يكونوا أرحم الخلق بالخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال إبراهيم ﷺ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦].
وقال عيسى ﷺ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة/ ١١٨].
فهذا من رحمة الرسل لأممهم، أما نوح وموسى عليهم الصلاة والسلام فدعيا على قومهما بعد أن علما من الله أن قومهما لا يؤمنون أبدًا، وأنهم أشقياء في علم الله، كما قال الله لنوح: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [هود: ٣٦].
فماذا قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].
ودعا موسى بقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩].
فالرسل إلى البشر من البشر، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].
والأنبياء والرسل سواءً من جهة النبوة والرسالة التي هي خصلةٌ واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بين الأنبياء والرسل في زيادة الأحوال، والخصائص، والكرامات، والمعجزات، والألطاف، ولهذا منهم رسل، ومنهم أُلو عزم، ومنهم من اتخذه الله خليلًا، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، ونحو ذلك من الفضائل.
وأفضلهم في ذلك كله سيد ولد آدم محمدٌ صلى الله عليه وسلمالذي كان أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فالتفاضل بين الأنبياء في تلك الأمور: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
ميراث الأنبياء والرسل:
الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فالأنبياء لا يورث عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم والدين، كما قال ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦].
وقال عن زكريا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٥ - ٦].
وقال النبي ﷺ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ».
متفقٌ عليه.
• المعارضون للرسل.
لتكمل صفات الأنبياء والرسل، وتظهر عبوديتهم لله في حال السراء والضراء، جعل الله لهم أعداء من شياطين الإنس والجن: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢].
وأكثر المعارضين للرسل هم الأكابر والوجهاء المترفون خوفًا على سقوط جاههم، وتقييد شهواتهم، والملوك والأمراء خوفًا على زوال ملكهم، وذهاب رياستهم، والكل يخدع الناس بالاقتداء بآبائهم، كما قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف: ٢٢].
وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣]
• قتال الرسل:
الرسل قسمان:
أحدهما: قسمٌ أمروا بالقتال في سبيل الله.
الثاني: وقسمٌ أمروا بالصبر، والكف عن الناس.
فالذين أُمروا بالصبر، والكف عن القتال في سبيل الله، هم الذين قُتلوا في غير معركةٍ ظلمًا وعدوانًا، ليزيد الله رفع درجاتهم، كما قال سبحانه عن اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة/ ٨٧].
وقال ﷿ عن أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)﴾ [آل عمران ١٨٣].
والذين أُمروا بالقتال في سبيل الله، وعدهم الله بالنصر والغلبة، فمن جاهد وقاتل وعده الله بالنصر والغلبة كما قال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].
وأكثر الأنبياء لم يؤمروا بالقتال، وهؤلاء منهم من قُتل ظلمًا وعدوانًا لزيادة رفع درجاتهم، ومنهم من أهلك الله أعداءهم بآيةٍ كونية من غرقٍ أو ريحٍ أو خسف: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
وقال الله ﷿ في المعارضة للرسل الأمم السابقة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
ومن أُمر بالقتال نصره الله، وأهلك أعداءه بالسيف، ومنهم محمدٌ ﷺ وداود، كما قال الله ﷿ عن محمد ﷺ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤].
وقال عن داود: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
والله ﷿ أمرنا بالإيمان بجميع الرسل، فيجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل، ويجب علينا أن نتبع خاتمهم وأفضلهم وسيدهم محمدًا ﷺ، لأنه هو الذي فرض الله علينا إتباعه في كل شيء: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
فنتبع الرسول ﷺ في خمسة أمور:
في نيته وفكره.
وفي توحيده وإيمانه.
وفي أقواله الحسنة.
وفي أعماله الصالحة.
وفي أخلاقه الكريمة.
أما ما سوى النبي ﷺ من الرسل فإننا نتبعهم في التوحيد والإيمان والأخلاق، ونتبعهم في الأحكام إذا ورد شرعنا بالأمر بإتباعهم به، قال النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ، صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا».
متفقٌ عليه.
وشرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه، فإن الله لما ذكر الأنبياء والرسل قال لنبيه ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
***
مختارات

