الخزانة الثالثة..
• من عرف الله حقاً آمن به حقاً:
الله ﷿ هو الملك الذي لا يزول ملكه أبدًا، فمن أطاع الله وحده لا شريك له، واجتنب عبادة ما سواه، جعله الله ﷿ملكًا يوم القيامة في ملك لا يزول: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ [الإنسان: ٢٠ - ٢١].
هو ﷻ الملك الذي إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، فمن أطاعه جعله الله يومًا يقول للشيء كن فيكون، وذلك في الجنة: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣١ - ٣٥].
والله ﷿ هو الحي الذي لا يموت أبدًا، فمن أطاعه جعله حيًا لا يموت أبدًا، في نعيم أبدي: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
والمؤمن في الدنيا يربح ويخسر، أما يوم القيامة فيفوز ولا يخسر أبداً: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
ومتى يكون الإنسان في الدنيا ملكًا؟.
يكون المؤمن ملكًا بأمرين:
الأول: إذا انقطعت حاجة العبد عن غير الله، كان ملكًا مطلقًا، لأنه ملك نفسه، وحملها على طاعة الله، وملك شهواته فأخذ منها بقدر الحاجة وأعطى للدين بقدر الطاقة، وملك جوارحه، فسخرها في طاعة الله، وجعل الكل في طاعة مولاه، فمن كان لله في الدنيا، كان الله له في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وفي أعلى هذا المقام، محمد ﷺ، الذي كان أعبد الخلق لربه، وأعرفهم به، وأتقاهم له، وأحسنهم أخلاقًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الثاني: أن القلب شبه المملكة، وسلطانه هو الروح وخصم هذا السلطان هو النفس، والحرب قائمةٌ بينهما، والملائكة مع الروح، والشياطين مع النفس، فإذا أشرقت في القلب شمس الهداية والإيمان استولى سلطان الروح على سلطان النفس، وقهره وأباد جمعه، وفرق شمله، وخلصت له هذه المملكة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وإن جاءت إلى هذا القلب ظلمات الخذلان من مغرب القهر والكبرياء، استولى سلطان النفس على الروح، وقهره وأخرجه من المملكة، وامتلأت المملكة من رايات الشياطين، وأعلام المبتلين: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
فمن عرف ربه ﷻ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، آمن به وأحبه، وعظمه وكبره، وامتلأ قلبه بنور التوحيد والإيمان، وانقادت الجوارح واللسان لطاعة الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
إن من أعظم روافد الإيمان معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة عظمة دينه وشرعه، ومعرفة عظمة نعمه وإحسانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
هو سبحانه الملك القدوس الذي له الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله، ومنه الفضل كله، وإليه يرجع الأمر كله، وهو القدوس الذي تقدست عن الحاجات ذاته، وتنزهت عن الآفات صفاته: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
هو الملك القدوس الذي تنزه عن العيوب والأنداد، وتقدس عن مكان يحويه، وعن زمانٍ يبليه، فهو الحي القيوم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو الملك القدوس، الذي قدس نفسه عن الحاجة إلى غيره،وقدس قلوب أوليائه عن السكون إلى غيره: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
والله ﷻ هو اللطيف الخبير، هو اللطيف؛ الذي لا يراه أحد في الدنيا لطفًا وحكمة، ويراه المؤمنون يوم القيامة إكرامًا ومحبة، فالإنسان خلقه وقدراته لا تحتمل رؤية الله العظيم الكبير ذو الجلال والإكرام في الدنيا، أما في يوم القيامة فيراه المؤمنون لكن لا يحيطون به: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
ولو أدركه الخلق لأحاطوا به، والله ﷿ أعز وأجل من أن يحيط به أحد، بل هو المحيط بكل أحد، الذي لا يحيط به أحد: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
ولو رأى الناس ربهم في الدنيا لبطلت التكاليف، وبطل العمل بالأمر والنهي، وبطل أمر الثواب والعقاب، لأن كل ذنب وراءه عقاب مباشر: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
فالكل يستقيم على طاعة الله، قهرًا وخوفًا لا حبًا، لأنهم يرون عظمة الله وجلاله فلا يعصونه، والله يريد أن تكون علاقة العباد بربهم علاقة حب لا علاقة قهر، فالملوك والسلاطين إذا كانوا في مجامع الناس تطاع ولا تعصى، لما يرون من سطوتهم وكثرة جنودهم.
وكذلك الله، ولله المثل الأعلى يرانا ولا نراه في الدنيا، ليعلم الله من يخافه بالغيب، ويعلم من يأتيه محبة واختيارًا، لا إجبارًا وخوفًا، فإذا تم الابتلاء في الدنيا، ومات المؤمن، رأى ربه إكرامًا منه، ومحبة له: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
الكبرياء والتكبر والكبر صفة كمال لله ﷿، لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والكبر والتكبر صفة نقص في الإنسان، وكمال الإنسان بالإيمان بالله، بالتواضع للكبير، والتذلل للعزيز، وما تواضع أحد لله إلا رفعه، وقيمة الإنسان بصفاته لا بذاته:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وأكبر أنواع الكبر أن يتكبر الإنسان عن عبادة الله الذي خلقه ورزقه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وعقوبة الكفر والكبر نار جهنم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وأفضل صفات المؤمن التواضع لربه الكبير الذي خلقه وصوره، وأنطقه وأسمعه، فعليه أن يعبده كما أمره: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وصلاح قلب المؤمن في أربع خصال:
الأولى: التواضع لله.
الثانية: الفقر إلى الله.
الثالثة: الخوف من الله.
الرابعة: الرجاء لله.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، مثمرة لجميع الخيرات العاجلة والآجلة، كالشجرة الطيبة المثمرة للثمار الطيبة، والقلب محل التوحيد والإيمان، فإذا صلح بمعرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، صلح الجسد كله بأنواع الطاعات والعبادات، إما في الحال بالأقوال والأعمال والأخلاق الحسنة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وإما في المآل فبنعيم الجنة، ورضوان الرب ﷻ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وإذا فسد القلب بالكفر والضلال، فسد الجسد كله، أما في العاجل، فبالشقاء بسبب الغفلة والمعاصي: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وأما في الآجل فبعذاب النار، وغضب الجبار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
فشجرة التوحيد في القلب، أصلها معرفة الذات، ومعرفة فروعها التي هي الأسماء والصفات.
فهذه الشجرة الإيمانية لها ثلاثة فروع:
الأول: معرفة أسماء وصفات الذات؛ كالحي والقادر والعليم والسميع والبصير والقوي، وصفة الخلق والرزق والقدرة وأفعالها.
الثاني: معرفة صفات السلب؛ التي تسلب عن الله ما لا يليق بجلاله، من العيب والنقص والمثيل والشبيه، كسلب السنة والنوم والظلم عن الله ﷿: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩].
الثالث: معرفة صفات الله الفعلية، كالخلق والرزق، والنفع والضر، والغفر والستر، والأنعام، والإكرام، والإعزاز،والإزلال والإحياء والإماتة: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
وتثمر هذه المعارف العظيمة الثمار العظيمة التي تستقر في القلب يقينًا وحبًا لله، وتعظيمًا له، وتظهر على اللسان ذكرًا وتحميدًا، وتسبيحًا وتكبيرًا، وتمجيدًا لله ﷿، وتنطلق من الجوارح عملًا صالحاً.
قال النبي ﷺ: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ».
متفق عليه.
وثمرات هذه المعارف العظيمة أفضل نعم الله على العبيد، فعارف جمال الله محب، وعارف جلال الرب هائب، وعارف سعة رحمة الرب راغب، وعارف شدة نقمة الرب خائف، وعارف الواحد في أفعاله مفوض أمره إلى الله، وعارف عظمة الرب فانٍ عن كل ما سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وأفضل الأحوال ما نشأ عن أشرف المعارف، وأشرف المعارف معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فشجرة التوحيد في القلب كشجرة النبات في الأرض: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٧].
الله ﷻ هو الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، والله ﷿ هو الغني الذي له ما في السماوات وما في الأرض، الغني عن جميع العالمين، فهو غير محتاج إلى طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٥ - ٦].
وهو سبحانه المحمود قبل أن يحمده أحد، فالله سبحانه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه؛ لأنه لو كان محتاجًا إلى غيره لكان مستكملًا بذلك الفعل، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، وذلك على الله محال سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
ومع كونه غنيًا عن العالمين، فإن رحمته عامة شاملة، ولا سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية، والنفوس الإنسانية، وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار، إلا بترتيب الترغيب في الطاعات، والترهيب من المحرمات والمعاصي، ومن رحمته على خلقه ترتيب الثواب على الطاعات وترتيب العقاب على المعاصي: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
هو سبحانه الغني وحده، وكل ما سواه فقير إليه، محتاج إليه:﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾ [الكهف: ٥٨].
فكل ما في الوجود من الخيرات والبركات، والنعم والراحات، والكرامات والسعادات، فذلك كله من رحمة أرحم الراحمين:﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والخير في المخلوقات غالبٌ على الشر، فالمريض وإن كان كثيرًا، فالصحيح من الناس أكثر منه، والجائع من الناس وإن كان كثيرًا فالشبعان أكثر منه، والأعمى من الناس وإن كان كثيرًا فالبصير أكثر منه.
فالخير أغلب من الشر، والراحة أغلب من الشدة، والعافية أغلب من الآلام، فلا غنى إلا من الله، ولا علم إلا من الله، ولا رحمة إلا من الله، ولا شفاء إلا من الله، وكل رحمة من الخلق فمن آثار رحمة الله، وكل رحمة في الكون فمن آثار رحمة الله، فانظر إلى آثار رحمة الله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩].
ومن كان غنيًا عن الكل، فإنه لا يستكمل بطاعات المطيعين، ولا ينتقص بمعاصي المذنبين.
وإذا ثبت أن الله وحده هو ذو الرحمة الكاملة العامة، ثبت أنه ما رُتب العذاب على الذنوب، ولا الثواب على الطاعات،إلا لأجل الرحمة والفضل والكرم والإحسان إلى خلقه كما قال سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
فلله الحمد والمنة على جزيل العطاء والإحسان: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
***
مختارات

