الخزانة الأولى..
الإحسان:
أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان أكبر مراتب العبودية لله ﷿؛ لما فيه من كمال الإيمان والتقوى، وقوة اليقين والصدق، ولذة القرب والمشاهدة، وحضور القلب، وحسن القول والعمل والخلق، وكمال الحب والتعظيم والذل لله ﷿.
والله يحب المحسنين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣].
والله مع المحسنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
وقال الله ﷿: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠].
فسبحان العليم بالظاهر والباطن، والمحسن والمسيء: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
ومن خشع قلبه حسن عمله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
مراتب دين الاسلام:
دين الإسلام على ثلاث مراتب، بعضها أوسع من بعض وهي:
الإسلام.
والإيمان.
والإحسان.
وكل مرتبة لها أركان.
والفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان:
أن الإسلام والإيمان إذا قُرن أحدهما بالآخر فالمقصود بالإسلام: الأعمال الظاهرة، وهي أركان الإسلام الخمسة.
والمقصود بالإيمان: الأعمال الباطنة، وهي أركان الإيمان الستة.
وإذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه.
ودائرة الإحسان من جهة نفسه أعم من دائرة الإيمان، ودائرة الإيمان أعم من دائرة الإسلام.
فالإحسان أعم من جهة نفسه؛ لأنه يشمل الإيمان فلا يصل العبد إلى مرتبة الإحسان إلا إذا حقق الإيمان، والإحسان أخص من جهة أهله؛ لأن أهل الإحسان طائفة من أهل الإيمان، فكل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسن.
والإيمان أعم من الإسلام من جهة نفسه؛ لأنه يشمل الإسلام فلا يصل العبد إلى مرتبة الإيمان إلا إذا حقق الإسلام.
والإيمان أخص من جهة أهله؛ لأن أهل الإيمان طائفة من أهل الإسلام ليسوا كلهم، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وعن عُمرَ ابن الخطاب ﵁ قالَ: «بَينَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ إذْ طلَعَ عَلَيْنا رَجُلٌ شَديدُ بَيَاضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حتَّى جَلَسَ إلى النَّبيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ؛ وقالَ: يا محمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإسْلامِ.
فَقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِليْهِ سَبِيلًا».
قالَ: صَدَقْتَ.
قالَ: فَعَجِبْنا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ.
قالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ.
قالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قالَ:صَدَقْتَ.
قالَ: فَأَخْبِرْني عَنِ الإحسانِ؟ قالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإِنَّهُ يَرَاكَ».
أخرجه مسلم.
• مراتب لإحسان:
الإحسان مرتبتان:
المرتبة الأولى: أن يعبد المسلم ربه كأنه يراه عبادة طلب وشوق، ورغبة ومحبة، فهو يطلب من يحب وهو الله ويقصده ويعبده كأنه يراه بصفات جماله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وهذه أعلى المرتبتين.
المرتبة الثانية: إذا لم تعبد الله كأنك تراه وتطلبه، فاعبده كأنه هو الذي يراك عبادة خائف منه، هاربٍ من عذابه وعقابه متذللٍ له: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وفقه الإحسان: أن يعلم العبد أن الحكمة التي خلق الله من أجلها السموات والأرض، وخلق من أجلها جميع المخلوقات، وخلق من أجلها الحياة والموت هي الابتلاء بحسن العمل، المبني على كمال التوحيد والإيمان بالله:﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١ - ٢].
والطريق إلى إحسان العمل هو معرفة خالق السموات والأرض بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه، ووعده، ووعيده، ومراقبة الله في كل عمل، والعلم بأن الله بكل شيءٍ عليم وعلى كل شيءٍ شهيد وعلى كل شيءٍ قدير،والاقتداء بالرسول ﷺ فيما جاء به عن ربه ﷿: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وهذا أعظم واعظٍ في القرآن يدعو المسلم إلى إحسان العمل لربه، فيؤديه لله الملك الرحمن الرحيم بالمحبة له، والتعظيم له، والذل له، كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
فإحسان العمل هو الذي خلق الله الخلائق من أجل الابتلاء به، والطريق التي يصح بها الإحسان ويكمل هو الواعظ الأكبر في القرآن، وهو مراقبة الله، وعلم العبد أنه كأنه يرى وينظر إلى ربه جل وعلا حين يقف بين يديه في جميع أحواله، وأنه إن لم يكن يراه فالله بلا شك يراه في جميع أحواله، فإذا علم العبد أنه بين يدي جبار السموات والأرض، وأن الله يراه أحسن عمله لربه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
فإن من كان أمام ملك من ملوك الدنيا لابد أن يحسن عمله أمامه، ويطيعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فكيف لا يقف بين يدي ربه بصفة التعظيم له، والذل له، والحب له، ويحسن عمله لربه ﷻ.
فليحسن العبد عمله لله العليم السميع البصير، الذي يسمعه إن تكلم، ويراه إن عمل، ويعلم بما في قلبه إن سكت، ليفوز برضاه، وينال أحسن ثوابه، وينجو من عقابه، ومن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ٢].
• كمال العبودية لله ﷿:
وكمال العبودية لله ﷿ وجل مبنية على أمرين:
غاية الحب لله.
وغاية التعظيم والذل له.
ويحصل ذلك بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه ونعمه، ومعرفة دينه وشرعه، ومعرفة ثوابه وعقابه.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والحب لله ﷿ يولد الشوق والطلب، والتعظيم والذل له يولد الخوف والهرب، وهذا أصل الإحسان في عبادة الله سبحانه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
والله يحب المحسنين، والله مع المحسنين، فكن عبد المحسن، وعبد الرحمن، عبد الكريم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾ [لقمان: ٢٢ - ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
والدين ركنان:
الأول: عبادة الحق.
الثاني: الإحسان إلى الخلق: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
والإحسان في حق الله هو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان من أعظم وأكمل وأشرف مراتب العبودية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
ولإسلام هو: الاستسلام لله ظاهرًا بالأقوال والأعمال الظاهرة، وقد يكون الإسلام حقيقيًا موافقًا للباطن، وقد يكون نفاقًا.
فأهل الإحسان قليلون في أهل الإيمان، وأهل الإيمان قليلون في أهل الإسلام، وأهل الإسلام قليلون في أهل الشرك: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].
والمسلمون يوم القيامة في أهل الشرك كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود.
• حقيقة الإحسان:
حقيقة الإحسان أن تعبد الله في مقامين:
الأول: مقام المشاهدة، بأن تعبد الله كأنك تشاهده بأسمائه وصفاته وأفعاله، فتؤدي العبادة بكمال الإخلاص، مع كمال الإحسان، وهذه أكمل المرتبتين وأعلى المقامين أن تعبد الله كأنك تراه.
الثاني: المراقبة بأن تستحضر أن الله يراك في مقامك، وهذا يبعث العبد على الخوف والوجل من الله، ومرتبة المراقبة أقل شأنًا من مرتبة المشاهدة، ويتحقق الإحسان في عبادة الله بالجمع بين حسن السريرة، وحسن السيرة والإتيان بالواجبات والمستحبات واجتناب المنهيات والمكروهات واتقاء الشبهات، والإخلاص، وحسن المتابعة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
• والإحسان إلى الخلق يتحقق بأمرين:
الأول: بذل النداء، وحسن القول والعمل معًا.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
الثاني: كف الأذى عنهم، وتحمل الأذى منهم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ [المزمل: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
***
مختارات

