قصة موسى والخضر عليهما السلام
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف: ٦٠ - ٧١] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢].
ذلك أن موسى ﵇ قام ذات يوم في بني إسرائيل مقامًا عظيمًا، علَّمهم فيه علومًا جمَّة، وأعجب الناس بكمال علمه، فقال له قائل: يا نبي الله، هل يوجد، أو هل تعلم في الأرض أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، بناء على ما يعرفه، وترغيبًا لهم في الأخذ عنه، فأخبره الله أن له عبدًا في مجمع البحرين عنده علوم ليست عند موسى، وإلهامات خارجة عن الطَّوْر المعهود، فاشتاق موسى إلى لقياه رغبة في الازدياد من العلم، فطلب من الله أن يأذن له في ذلك، وأخبره بموضعه، فيخبر تعالى عن نبيه موسى ﵇، وشدَّة رغبته في الخير وطلب العلم، أنه قال: ﴿لِفَتَاهُ﴾، أي: خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره، وهو «يوشع بن نون» الذي نبأه الله بعد ذلك: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾،أي: لا أزال مسافرًا وإن طالت عليَّ الشُّقَّة، ولحقتني المشقَّة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أُوحِي إليه أنَّك ستجد فيه عبدًا من عباد الله العالِمِين، عنده من العلم ما ليس عندك، ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ أي: مسافة طويلة، المعنى: أنَّ الشوق والرغبة حمل موسى أن قال لفتاه هذه المقالة، وهذا عزمٌ منه جازم، فلذلك أمضاه.
﴿فَلَمَّا بَلَغَا﴾ أي: هو وفتاه ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وكان معهما حوت يتزوَّدان منه ويأكلان، وقد وُعِد أنه متى فقد الحوت فثَمَّ ذلك العبد الذي قصدته، ﴿فَاتَّخَذَ﴾ ذلك الحوت ﴿سَبِيلَهُ﴾، أي: طريقه ﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾، وهذا من الآيات، قال المفسرون: إنَّ ذلك الحوت الذي كانا يتزوَّدان منه لما وصلا إلى ذلك المكان أصابه بللُ البحر، فانسرب بإذن الله في البحر، وصار مع حيواناته حيًّا.
فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين قال موسى لفتاه:﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾، أي: لقد تعبنا من هذا السفر المجاوز فقط، وإلا فالسفر الطويل الذي وصلا به إلى مجمع البحرين لم يجدا مَسَّ التعب فيه، وهذا من الآيات والعلامات الدالة لموسى على وجود مطلبه، وأيضًا فإنَّ الشوق المتعلق بالوصول إلى ذلك المكان سهَّل لهما الطريق، فلما تجاوزا غايتهما وجدَا مسَّ التعب، فلما قال موسى لفتاه هذه المقالة قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾، أي: ألم تعلم حين آوانا الليل إلى تلك الصخرة المعروفة بينهما ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾؛ لأنَّه السبب في ذلك ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ، فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾، أي: لما انسرب في البحر ودخل فيه؛ كان ذلك من العجائب.
قال المفسرون: كان ذلك المسلك للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا، فلما قال له الفتى هذا القول، وكان عند موسى وعدٌ من الله أنه إذا فقد الحوت وجد الخضر، فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾، أي:نطلب، ﴿فَارْتَدَّا﴾ أي: رجعَا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، أي:رجعَا يقُصَّان أثرهما إلى المكان الذي نَسِيَا فيه الحوت، فلما وصلا إليه وجدا ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾، وهو الخضر، وكان عبدًا صالحًا، لا نبيًّا، على الصحيح.
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾، أي: أعطاه الله رحمةً خاصةً؛ بها زاد علمه وحسن عمله، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿عِلْمًا﴾، وكان قد أُعطي من العلم ما لم يُعطَ موسى، وإن كان موسى ﵇أعلم منه بأكثر الأشياء، وخصوصًا في العلوم الإيمانية والأصولية؛ لأنه من أُولي العزم من المرسلين الذين فضّلهم الله على سائر الخلق بالعلم والعمل وغير ذلك، فلما اجتمع به موسى قال له على وجه الأدب والمشاورة، والإخبار عن مطلبه: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾،أي: هل أتَّبعك على أن تُعلّمني مما علَّمك الله ما به أسترشد وأهتدي، وأعرف به الحقَّ في تلك القضايا؟ وكان الخضر قد أعطاه الله من الإلهام والكرامة ما به يحصلُ له الاطلاع على بواطن كثير من الأشياء التي خفِيت حتى على موسى ﵇،فقال الخضر لموسى: لا أمتنع من ذلك، ولكنك ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، أي: لا تقدر على اتِّباعي وملازمتي؛ لأنك ترى ما لا تقدر على الصبر عليه من الأمور التي ظاهرها المنكر، وباطنها غيرُ ذلك، ولهذا قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي: كيف تصبر على أمرٍ ما أحطت بباطنه وظاهره، ولا علمت المقصود منه ومآله؟
فقال موسى ﵇: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، وهذا عزمٌ منه قبل أن يوجد الشيءُ الممتحن به، والعزمُ شيءٌ، ووجود الصبر شيءٌ آخر؛ فلذلك ما صبر موسى حين وقع الأمر.
فحينئذٍ قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، أي: لا تبتدئني بسؤال منك وإنكار حتى أكون أنا الذي أخبرك بحاله في الوقت الذي ينبغي إخبارك به، فنهاه عن سؤاله، ووعده أن يوقفه على حقيقة الأمر.
﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾، أي: اقتلع الخضر منها لوحًا، وكان له مقصودٌ في ذلك سيبينه، فلم يصبر موسى ﵇؛ لأنَّ ظاهره أنه منكر؛ لأنَّه عيبٌ للسفينة، وسببٌ لغرق أهلها، ولهذا قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، أي: عظيمًا شنيعًا، وهذا من عدم صبره ﵇، فقال له الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فوقع كما أخبرتك، وكان هذا من موسى نسيانًا، فقال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، أي: لا تُعسِّر عليَّ الأمر، واسمح لي؛ فإنَّ ذلك وقع على وجه النسيان، فلا تؤاخذني في أول مرة، فجمع بين الإقرار به والعذر منه، وأنَّه ما ينبغي لك أيها الخضر الشدَّة على صاحبك، فسمح عنه الخضر.
﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾، أي: صغيرًا، ﴿فَقَتَلَهُ﴾ الخضر، فاشتدَّ بموسى الغضب، وأخذته الحميَّة الدينيَّة حين قتل غلامًا صغيرًا لم يُذنب، ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾، وأيُّ نُكرٍ مثل قتل الصغير الذي ليس عليه ذنبٌ، ولم يقتل أحدًا؟!
وكانت الأولى من موسى نسيانًا، وهذه غير نسيان، ولكن عدم صبرٍ، فقال له الخضر معاتبًا ومذكِّرًا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فقال له موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾ بعد هذه المرة ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾، أي: فأنت معذور بذلك، وبتركِ صُحبتي، ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾، أي:أعذرت مني، ولم تُقصِّر.
﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾، أي: استضافاهم فلم يُضيفوهما، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، أي: قد عاب واستهدم، ﴿فَأَقَامَهُ﴾ الخضرُ ?، أي: بناه وأعاده جديدًا، فقال له موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، أي: أهل هذه القرية لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم، وأنت تبنيه من دون أجرةٍ، وأنت تقدرُ عليها!
فحينئذ لم يفِ موسى ﵇ بما قال، واستعذر الخضر منه،فقال له: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ فإنّك شرطت ذلك على نفسك، فلم يبقَ الآن عذرٌ، ولا موضعٌ للصحبة، ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، أي: سأخبرك بما أنكرت عليّ، وأنبئك بما لي في ذلك من المآرب، وما يؤول إليه الأمر.
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ التي خرقتها ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، يقتضي ذلك الرّقة عليهم، والرأفة بهم، ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، أي:كان مرورهم على ذلك الملك الظالم، فكلُّ سفينة صالحةٍ تمرُّ عليه ليس فيها عيبٌ غصبها وأخذها ظلمًا، فأردتُ أن أخرقها ليكون فيها عيبٌ، فتسْلَم من ذلك الظالم.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ الذي قتلته ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، وكان ذلك الغلام قد قُدّر عليه أنَّه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا، أي: لحملهما على الطغيان والكفر، إمّا لأجل محبّتهما إيّاه، أو للحاجة إليه، أو يحملهما على ذلك، أي: فقتلته؛ لاطلاعي على ذلك؛ سلامةً لدين أبويه المؤمنين، وأيُّ فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟!
وهو وإن كان فيه إساءةٌ إليهما، وقطعٌ لذرّيتهما؛ فإنَّ الله تعالى سيعطيهما من الذرية ما هو خيرٌ منه، ولهذا قال:﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، أي: ولدًا صالحًا، زكيًا، واصلًا لرحمه؛ فإنَّ الغلام الذي قُتِل لو بلغ لَعَقَّهُمَا أشدَّ العقوق بحملهما على الكفر والطغيان.
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾ الذي أقمته؛ ﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، أي:حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما؛ لكونهما صغيرين عدِما أباهما، وحفظهما الله أيضًا بصلاح والدهما.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾، أي:فلهذا هدمتُ الجدار، واستخرجتُ ما تحته من كنزهما، ورددتُه وأَعَدْتُه مجانًا؛ ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: هذا الذي فعلته رحمة من الله، آتاها الله عبده الخضر، ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي: أتيت شيئًا من قِبَلِ نفسي، ومجرَّد إرادتي، وإنَّما ذلك من رحمة الله وأمره، ﴿ذَلِكَ﴾ الذي فسَّرته لك ﴿تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
* * *
مختارات

