فوائد مستنبطة من قصة موسى عليه السلام (٢)
ومنها: إحسان موسى ﵇ على أخيه هارون؛ إذ طلب من ربه أن يكونَ نبيًّا معه، وطلب المعاونةَ على الخير والمساعدة عليه؛ إذ قال: ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾، الآيات.
ومنها: أن الفصاحة والبيان مما يعين على التعليم، وعلى إقامة الدعوة، لهذا طلب موسى من ربه أن يَحلُّ عقدةً من لسانه؛ ليفقهوا قوله، وأن اللثغة لا عيبَ فيها إذا حصل الفهم للكلام، ومن كمال أدب موسى مع ربه أنه لم يسأل زوالَ اللثغة كلها؛ بل سأل إزالة ما يحصل به المقصود.
ومنها: أن الذي ينبغي في مخاطبة الملوك والرؤساء ودعوتهم وموعظتهم: الرفق، والكلام اللين الذي يحصل به الإفهام بلا تشويش، ولا غلظة، وهذا يُحتاج إليه في كل مقام، لكن هذا أهم المواضع، وذلك لأنه الذي يحصل به الغرض المقصود، وهو قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
ومنها: أن مَنْ كان في طاعة الله، مستعينًا بالله، واثقًا بوعد الله، راجيًا ثواب الله، فإن الله معه، ومن كان الله معه فلا خوف عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافَا﴾، ثم علّله بقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
ومنها: أن أسباب العذاب منحصرةٌ في هذين الوصفين: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، أي:كذَّب خبر الله، وخبر رُسُله، وتولى عن طاعة الله وطاعة رسله، ونظيرها قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.
ومنها: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ استوعب الله بها الأسباب التي تُدركُ بها مغفرةُ الله:
أحدها: التوبة، وهو الرجوع عمّا يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يُحبُّه الله ظاهرًا وباطنًا، وهي تَجُبُّ ما قبلها من الذنوب صغارها وكبارها.
الثاني: الإيمان، وهو الإقرار والتصديق الجازم العام بكل ما أخبر الله به ورسوله، الموجب لأعمال القلوب، ثم تتبعها أعمال الجوارح، ولا ريب أن ما في القلب من الإيمان بالله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر الذي لا ريب فيه؛ أصل الطاعات وأكبرها وأساسها، ولا ريب أنه بحسب قوته يدفع السيئات، يدفع ما لم يقع، فيمنع صاحبه من وقوعه، ويدفع ما وقع بالإتيان بما ينافيه، وعدم إصرار القلب عليه، فإن المؤمن ما في قلبه من الإيمان ونوره لا يجامع المعاصي.
الثالث: العمل الصالح، وهذا شامل لأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان، والحسنات يذهبن السيئات.
الرابع: الاستمرار على الإيمان والهداية والازدياد منها.
فمن كَمَّلَ هذه الأسباب الأربعة فَلْيُبْشِر بمغفرة الله العامة الشاملة؛ ولهذا أتى فيه بوصف المبالغة، فقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾.
ومنها: ما فيها من الدلالة على رسالة محمد ﷺ؛ حيث أخبر بذلك تفصيلًا مطابقًا، وتأصيلًا موافقًا قصَّه قصًّا، صدَّق به المرسلين، وأيَّد به الحقَّ المبين، من غير حضور شيء من تلك الوقائع، ولا مشاهدةٍ لموضعٍ واحدٍ من تلك المواضع، ولا تلاوةِ دَرَسَ فيها شيئًا من هذه الأمور، ولا مجالسةِ أحدٍ من أهل العلم، إنْ هو إلا رسالةُ الرحمن الرحيم، ووحيٌ أنزله عليه الكريمُ المنان؛ لينذرَ به قومًا جاهلين، وعن النُّذُرِ والرسل غافلين؛ فصلوات الله وسلامُه على مَنْ مجرَّدُ خبره ينبئ أنه رسولُ الله، ومجردُ أمره ونهيه يُنَبِّهُ العقول النيرة أنَّه من عند الله؛ كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به، وصدَّقه خبرُ الأولين والآخرين، والشرعُ الذي جاء به من ربِّ العالمين، وما جُبِلَ عليه من الأخلاق الفاضلة التي لا تناسب، ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجةً، والنصر المبين لدينه وأُمَّتِه، حتى بلغ دينه مبلغ الليل والنهار، وفتحت أُمَّتُه معظم بلدان الأمصار، بالسيف والسنان، وقلوبهم بالعلم والإيمان، ولم تَزَلِ الأمم المعاندة، والملوك الكَفَرَةُ المتعاضدة، ترميه بقوس واحدة، وتكيدُ له المكايد، وتمكر لإطفائه وإخفائه، وإخماده من الأرض، وهو قد بهرها وعَلاها، لا يزداد إلا نموًا، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورًا، وكلُّ وقت من الأوقات يظهر من آياته ما هو عبرة لِلْعَالَمِينَ، وهداية لِلْعَالَمِينَ، ونورًا وبصيرة للمتوسّمين، والحمد لله وحده.
* * *
مختارات

