فوائد من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام..
أولًا: لِيُعلم أن جميع ما قصَّه الله علينا من سيرة إبراهيم الخليل ﵇ فإننا مأمورون به أمرًا خاصًا، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] أي: الزموها.
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ [الممتحنة: ٤] الآية، فما هو عليه في التوحيد والأصول والعقائد والأخلاق وجميع ما قصَّ علينا من نبئه فإن اتباعنا إياه من ديننا؛ ولهذا لما كان هذا أمرًا عامًا لأحواله كلها استثنى الله حالة من أحواله فقال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] أي: فلا تقتدوا به في هذه الحال بالاستغفار للمشركين، فإن استغفار إبراهيم لأبيه إنما كان ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾.
ومنها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بحالهم، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضل إبراهيم الخليل ﵊؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها، والاعتناء بها.
ومنها: أن الله اتخذه خليلًا، والخُلَّة أعلى درجات المحبة،وهذه المرتبة لم تحصل لأحد من الخلق إلا للخليلين:إبراهيم، ومحمد ﷺ.
ومنها: ما أكرمه الله به من الكرامات المتنوعة، جعل في ذريته النبوة والكتاب، وأخرج من صُلبه أُمَّتَيْن هما أفضل الأمم: العرب وبنو إسرائيل، واختاره الله لبناء بيته الذي هو أشرف بيت، وأول بيت وُضع للناس، ووهب له الأولاد بعد الكِبَر واليأس، وملأ بذِكْره ما بين الخافقين (١)، وامتلأت قلوب الخلق من محبته، وألسنتُهم من الثناء عليه.
ومنها: أن الله رفعه بالعلم واليقين وقوة الحُجَج، قال تعالى:﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]، ومن شوقه إلى الوصول إلى غاية العلم ونهايته أن سأل ربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
ومنها: أن مَنْ عَزَمَ على فِعْل الطاعات، وبذل مقدوره في أسبابها، ثم حصل مانع يمنع من إكمالها، أن أجره قد وجب على الله، كما قال الله ذلك في المهاجر الذي يموت قبل أن يصل إلى مُهَاجَره وكما ذكره الله في قصة الذبح، وأن الله أتمَّ الأجر لإبراهيم وإسماعيل حين أسلما لله وأذْعَنَا لأمره، ثم رفع عنهما المشقة، وأوجب لهما الأجر الدنيوي والأخروي.
ومنها: ما في قَصَصِه من آداب المناظرة: طُرقها ومسالكها النافعة، وكيفية إلزام الخصم بالطرق الواضحة التي يعترف بها أهل العقول، وإلجاؤه الخصم الأَلَدَّ إلى الاعتراف ببطلان مذهبه، وإقامة الحجة على المعاندين، وإرشاد المسترشدين.
ومنها: أن من نعمة الله على العبد هبة الأولاد الصالحين، وأن عليه في ذلك أن يحمد الله، ويدعو الله لذريته كما فعل الخليل ﵇ في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] إلى آخر الدعاء.
وقال جلَّ ذِكْره في الثناء عمومًا على من يدعو الله بصلاح ذريته: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]،
«فإن العبد إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَع به، أو ولد صالح يدعو له».
ومنها: أن المشاعر ومواضع الأنساك من جملة الحِكَم فيها أن فيها تذكيرات بمقامات الخليل وأهل بيته في عبادات ربهم، وإيمان بالله ورسله، وحثّ على الاقتداء بهم في كل أحوالهم الدينية، وكل أحوال الرسل دينية؛ لقوله تعالى:﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
ومنها: الأمر بتطهير المسجد الحرام من الأنجاس، ومن جميع المعاصي القولية والفعلية؛ تعظيمًا لله، وإعانةً وتنشيطًا للمتعبدين فيه، ومثله بقية المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]،وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦].
ومنها: أن أفضل الوصايا على الإطلاق ما وصَّى به إبراهيم بنيه ويعقوب؛ وهو الوصية بملازمة القيام بالدين، وتقوى الله، والاجتماع على ذلك، وهي وصيته تعالى للأولين والآخرين، إذ بها السعادة الأبدية، والسلامة من شرور الدنيا والآخرة.
ومنها: أن العامل كما عليه أن يُتقن عمله، ويجتهد في إيقاعه على أكمل الوجوه، فعليه مع ذلك أن يكون بين الخوف والرجاء، وأن يتضرع إلى ربه في قبوله وتكميل نقصه، والعفو عما وقع فيه من خلل أو نقص، كما كان إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت وهما بهذا الوصف الكامل.
ومنها: أن الجمع بين الدعاء لله بمصالح الدنيا والدين من سبيل أنبياء الله، وكذلك السعي في تحصيلهما الدين هو الأصل، والمقصود الذي خُلِق له الخَلْق، والدنيا وسيلة ومعونة عليه، لدعاء الخليل لأهل البيت الحرامبالأمرين، وتعليله الدعاء بالأمور الدنيوية أنه وسيلة إلى الشكر، فقال: ﴿وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
ومنها: ما اشتملت عليه قصة إبراهيم من مشروعية الضيافة وآدابها، وأنَّها من سُنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمّدًا ﷺ وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، فإن الله أخبر عن ضيفه أنهم مُكْرَمون؛ يعني: أنهم كرماء على الله، وأيضًا إبراهيم أكرمهم بضيافته قولًا وفعلًا، فإكرام الضيف من الإيمان، وأنه خدمهم بنفسه، وبادر بضيافتهم قبل كل شيء، وأتى بأطيب ماله: عِجْل حَنِيذ سمين، وقرَّبه إليهم، ولم يُخْوِجهم إلى الذهاب إلى عمل آخر، وعرض عليهم الأكل بلفظ رقيق فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧].
ومنها: أنَّ إبراهيم ﵇ قد كان بيته مأوى للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في الابتداء بالسلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلامًا أكمل من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملةً اسميَّة دالَّة على الثبوت والاستقرار.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجله، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى (٢) أضيافه.
ومنها: أنَّ الذبيحة الحاضرة التي قد أُعِدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جُعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم ﵇، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: الترغيب في أن يكون أهل الإنسان ومَن يتولى شؤون بيته حازمين مستعدِّين لكل ما يراد منهم من الشؤون والقيام بمهمات البيت، فإن إبراهيم في الحال بادرَ إلى أهله فوجد طعام ضيوفه حاضرًا، لا يُخْوج إلا إلى تقديمه.
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضرًا لديه وفي بيته مُعَدًّا، لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران، أو غير ذلك.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجعله في موضع ويقول لهم: «تفضلوا، أو ائتوا إليه»؛ لأنَّ هذا أيسر عليهم وأحسن.
ومنها: حُسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين، خصوصًا عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، ولم يقل: ﴿كلوا﴾! ونحوه من الألفاظ التي غيرُها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ أو: «ألا تتفضلون علينا وتُشرِّفوننا وتُحسنون إلينا.
.
.
»، ونحو ذلك.
ومنها: مشروعية السلام، وأن المبتدئ فيه هو الداخل وهو الماشي، وأنه يجب ردُّه، ومشروعية الوقوف على اسم مَنْ يتصل بك من صاحب ومعامل وضيف؛ لقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، أي: لا أعرفكم فأُحبُّ أن تُعرِّفوني بأنفسكم، وهذا ألطف من قوله: أنكرتكم، ونحوه.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، ولم يقل: «أنكرتكم»، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: أنَّ مَنْ خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يُزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن رَوْعَه (٣)، ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لما خافهم:﴿لَا تَخَفْ﴾؛ وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
ومنها: أن إتيان الولد والبشارة به من سارة وهي عجوز عقيم؛ يُعَدُّ معجزة لإبراهيم، وكرامة لسارة، ففيه معجزة نبي وكرامة وَلِيّ، ونظيره بشارة الملائكة لمريم بعيسى، وبشارتهم بيحيى لزكريا وزوجته، وكون زكريا جعل الله آية وجود المبشَّر به أن لا يُكلّم الناس ثلاثة أيام، وهو سَوِيٌّ لا آفة فيه إلا بالرمز والإشارة، وكل هذا وما أشبهه من آيات الله، وأعجب من هذا إيجاده آدم من تراب، فسبحان من هو على كل شيء قدير.
ومنها: شدّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها، وصَرَّتها (٤) غير المعهودة.
ومنها: ثناء الله على إبراهيم أنه أتى ربه بقلب سليم، وقد قال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، والجامع لمعناه أنه سليم من الشرور كلها ومن أسبابها، ملآن من الخير والبر والكرم، سليم من الشُّبُهات القادحة في العلم واليقين، ومن الشهوات الحائلة بين العبد وبين كماله، سليم من الكِبْر ومن الرياء، والشقاق والنفاق، وسوء الأخلاق، وسليم من الغِلِّ والحقد، ملآن بالتوحيد والإيمان، والتواضع للحق وللخلق، والنصيحة للمسلمين، والرغبة في عبودية الله، وفي نفع عباد الله.
ومنها: ما ذكره في قصة نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩]، يتبعها بقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥]، فوعد الباري أن كل مُحْسِنٍ في عبادته مُحْسِنٍ إلى عباده؛ أن الله يجزيه الثناء الحسن، والدعاء من العالمين بحسب إحسانه، وهذا ثواب عاجل وآجل، وهو من البشرى في الحياة الدنيا، ومن علامات السعادة.
***
(١) الخافقان: هُمَا طَرَفَا السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَقيلَ: المَغْرِب وَالْمَشْرِقُ.
(٢) القِرى: الطعام الذي يُقدَّم للأضياف.
(٣) الرَّوْع: الفَزَع.
(٤) أي: صيحتها.
مختارات

