قصة إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام..
قد ذكر الله في كتابه سيرة وأخبارًا كثيرةً من سيرة إبراهيم، فيها لنا الأسوة بالأنبياء عمومًا، وبه على وجه الخصوص؛ فإن الله أمر نبينا - باتباع ملَّته، وهي ما كان عليه من عقائد وأخلاق وأعمال قاصرة ومتعدية، فقد آتاه الله رُشْدَه، وعلَّمه الحكمة منذ كان صغيرًا، وأراه ملكوت السماوات والأرض، ولهذا كان أعظم الناس يقينًا وعلمًا وقوةً في دين الله ورحمته بالعباد، وكان قد بعثه الله إلى قوم مشركين يعبدون الشمس والقمر والنجوم، وهم فلاسفة الصابئة (١) الذين هم من أخبث الطوائف، وأعظمهم ضررًا على الخَلْق، فدعاهم بطرق شتى، فأول ذلك دعاهم بطريقة لا يمكن لصاحب عقل أن ينفر منها، ولما كانوا يعبدون السبع السيارات التي منها الشمس والقمر، وقد بنوا لها البيوت، وسمَّوْها الهياكل، قال لهم ناظرًا ومناظرًا: هَلُمَّ يا قوم ننظر هل يستحق منها شيء الإلهية والربوبية؟ ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]،والمناظرة تُخالِف غيرها في أمور كثيرة:
منها: أن المناظر يقول الشيء الذي لا يعتقده ليبني عليه حُجَّته، وليقيم الحجة على خصمه، كما قال في تكسيره الأصنام لما قالوا له:
﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]، فأشار إلى الصنم الذي لم يكسره فقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، ومعلوم أن غرضه إلزامهم بالحجة، وقد حصلت.
فهنا يسهل علينا فَهْم معنى قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، أي: إن كان يستحق الإلهية بعد النظر في حالته ووصفه فهو ربي، مع أنه يعلم العلم اليقيني أنه لا يستحق من الربوبية والإلهية مثقال ذرة، ولكن أراد أن يلزمهم بالحجة: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، أي: غاب، ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فإنَّ من كان له حال وجود وعدم، أو حال حضور وغَيْبة، قد علم كل عاقل أنه ليس بكامل، فلا يكون إلها، ثم انتقل إلى القمر، فلما رآه بازغًا: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧]، يُريهم صلوات الله وسلامه عليه، وقد صوَّر نفسه بصورة الموافق لهم، لكن ليس على وجه التقليد، بل يقصد إقامة البرهان على إلهية النجوم والقمر، فالآن وقد أَفَلَتْ، وتبيَّن بالبرهان العقلي مع السمعي بطلان إلهيتها، فأنا إلى الآن لم يستقرَّ لي قرار على رب وإله عظيم، فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا أكبر من النجوم ومن القمر، فإن جرى عليها ما جرى عليهما كانت مثلهما، فلما أفلت وقد تقرَّر عند الجميع فيما سبق أن عبادة من يَأْفُل من أبطل الباطل، فحينئذ ألزمهم بهذا الإلزام، ووجَّه عليهم الحجة فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]أي: ظاهري وباطني، ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، هذا برهان عقلي واضح أن الخالق للعالم العلوي والسفلي هو الذي يتعيَّن أن يُقصد بالتوحيد والإخلاص، وأن هذه الأفلاك والكواكب وغيرها مخلوقات مُدبرات، ليس لها من الأوصاف ما تستحق العبادة لأجلها؛ فجعلوا يُخوِّفونه آلهتهم أن تَمَسَّهُ بسوء، وهذا دليل على أن المشركين عندهم من الخيالات
الفاسدة والآراء الرديئة ما يعتقدون أن آلهتهم تنفع مَنْ عَبَدَها وتضُرُّ مَنْ تركها أو قدح فيها، فقال لهم مبيّنًا لهم أنه ليس عليه شيء من الخوف، وإنما الخوف الحقيقي عليكم، فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١]أجاب الله هذا الاستفهام جوابًا يَعُمُّ هذه القصة وغيرها في كل وقت، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: بشِرْك ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، فرفع الله خليله إبراهيم بالعلم وإقامة الحجة، وعجزوا عن نصر باطلهم؛ ولكنهم صَمَّمُوا على الإقامة على ما هم عليه، ولم ينفع فيهم الوعظ والتذكير وإقامة الحجج، فلم يزل يدعوهم إلى الله، وينهاهم عما كانوا يعبدون نهيًا عامًا وخاصًا، وأخصُّ مَنْ دعاه أبوه آزر؛ فإنه دعاه بعدة طرق نافعة، ولكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، فمن جملة مقالاته لأبيه قوله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٣]، انظر إلى حُسْن هذا الخطاب الجاذب للقلوب؛ لم يقل لأبيه: إنك جاهل؛ لئلا ينفر من الكلام الخشن، بل قال له هذا القول: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٣ - ٤٥]، فانتقل بدعوته من أسلوب لآخر لعله ينجح فيه أو يُفيد، ولكنه مع ذلك قال له أبوه: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، هذا وإبراهيم لم يغضب، ولم يقابل أباه ببعض ما قال، بل قابل هذه الإساءة الكبرى بالإحسان، فقال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧]، أي:لا أتكلم معك إلا بكلام طيب لا غلظة فيه ولا خشونة، ومع ذلك فلستُ بآيسٍ من هدايتك:﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، أي: بَرًّا رحيمًا، قد عوَّدني لُطفه، وأجراني على عوائده الجميلة، ولم يَزَل لدعائي مجيبًا.
فلم يَزَل إبراهيم مع قومه في دعوة وجدال، وقد أفحمهم، وكسر جميع حُجَجِهم وشُبَهِهم، فأراد ﵇ أن يقاومهم بأعظم الحُجَج، وأن يصمد لبطشهم وجبروتهم، وقدرتهم وقوتهم، غير هائب ولا وَجِل (٢)، فلما خرجوا ذات يوم لعيد من أعيادهم وخرج معهم، ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ لأنه خشي إن تخَلَّف لغير هذه الوسيلة لم يدرك مطلوبه؛ لأنه تظاهر بعداوتها، والنهي الأكيد عنها، وجهاد أهلها، فلما برزوا جميعًا إلى الصحراء كرَّ راجعًا إلى بيت أصنامهم، فجعلها جُذاذًا (٣) كلها إلا صنمًا كبيرًا أبقى عليه؛ ليُلزِمهم بالحجة، فلما رجعوا من عيدهم بادروا إلى أصنامهم صبابةً ومحبةً، فرأوا فيها أفظع منظر رآه أهلها،فقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦٠]، أي: يعيبها ويذكرها بأوصاف النقص والسوء: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] فلما تحققوا أنه الذي كسرها: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦١]، أي:بحضرة الخَلْق العظيم، ووبَّخوه أشد التوبيخ، ثم نكلوا به، وهذا الذي أراد إبراهيم؛ ليظهر الحق بمرأى الخلق ومسمعهم، فلما جُمع الناس وحضروا، وأحضروا إبراهيم،قالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْراهيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٢ - ٦٣] مشيرًا إلى الصنم الذي سَلِم من تكسيره، وهم في هذه بين أمرين: إما أن يعترفوا بالحق، وأن هذا لا يدخل عقل أحد أن جمادًا معروفًا أنه مصنوع من مواد معروفة لا يمكن أن يفعل هذا الفعل،وإما أن يقولوا: نعم هو الذي فعلها وأنت سالم ناجٍ مِنْ تَبِعَتها، وقد علم أنهم لا يقولونالاحتمال الأخير، قال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، وهذا تعليق بالأمر الذي يعترفون أنه محال، فحينئذ ظهر الحق وبان، واعترفوا هم بالحق، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا:﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، أي: ما كان اعترافهم ببطلان إلهيتها إلا وقتًا قصيرًا حيث ظهرت الحجة مباشرة التي لا يمكن مكابرتها، ولكن ما أسرع ما عادت عليهم عقائدهم الباطلة التي رسخت في قلوبهم، وصارت صفات ملازمة، إن وُجد ما ينافيها فإنه عارض يعرض ثم يزول: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فحينئذ وبخهم بعد إقامة الحجة التي اعترف بها الخصوم على رؤوس الأشهاد، فقال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧]، فلو كان لكم عقول صحيحة لم تُقيموا على عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يدفع عن نفسه مَنْ يريده بسوء، فلما أعيتهم المقاومة بالبراهين والحُجَج عَدَلُوا إلى استعمال قوتهم وبطشهم وجبروتهم في عقوبة إبراهيم، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾، فأوقدوا نارًا عظيمة جدًا فألقوه بها، فقال وهو في تلك الحال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فلم تضره بشيء، ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ لينصروا آلهتهم، ويُقيموا لها في قلوبهم وقلوب أتباعهم الخضوع والتعظيم، فكان مكرهم وبالًا عليهم، وكان انتصارهم لآلهتهم نصرًا عظيمًا عند الحاضرين والغائبين والموجودين والحادثين عليهم.
وانتصر الخليل على الخواص والعوام والرؤساء والمرؤوسين، حتى إن ملكهم حاجَّ إبراهيم في ربِّه بغيًا وطغيانًا، ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فألزمه الخليل بطَرْد
دليله بالتصرف المطلق، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
ثم خرج من بين أظهرهم مهاجرًا وزوجته وابن أخيه لوطًا إلى الديار الشامية، وفي أثناء مدة إقامته بالشام ذهب إلى مصر بزوجته سارة، وكانت أحسن امرأة على الإطلاق، فلما رآها ملك مصر - وكان جبارًا عنيدًا - لم يملك نفسه حتى أرادها على نفسها، فدعت الله عليه، فكاد أن يموت، ثم أُطلق، ثم عاد ثانية، وكلما أرادها دعت عليه فصُرع، ثم دعت له فأُطلق، فكفاهما الله شَرَّه،، ووهب لها هاجر جارية قبطية، وكانت سارة عاقرًا منذ كانت شابة، فوهبت هذه الجارية لإبراهيم ليتسرَّرها (٤) لعل الله يرزقه منها ولدًا، فأتت هاجر بإسماعيل على كِبَر إبراهيم، ففرح به فرحًا شديدًا، ولكن سارة ﵂ أدركتها الغيرة، فحلفت أن لا يساكنها بها، وذلك لما يريده الله، وهذا من جملة الأسباب لذهابه بها إلى موضع البيت الحرام، وإلا فهو متقرر عنده ذلك ﵇.
فذهب بها وبابنها إسماعيل إلى مكة، وهي في ذلك الوقت ليس فيها سكن ولا مسكن ولا ماء ولا زرع ولا غيره، وزوَّدهما بسقاء فيه ماء، وجراب فيه تمر، ووضعهما عند دَوْحة (٥) قريبة من محل بئر زمزم، ثم قَفَّى (٦) عنهما، فلما كان في الثَّنيَّة (٧) بحيث يُشرف عليهما دعا الله تعالى فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إلى آخر الدعاء.
ثم استسلمت لأمر الله، وجعلت تأكل من ذلك التمر، وتشرب من ذلك الماء حتى نَفِدَا، فعطشت ثم عطش ولدها، فجعل يتلوّى من العطش، ثم ذهبت في تلك الحال لعلها ترى أحدًا، أو تجد مُغيثًا، فصعدت أدنى جبل منها وهو الصفا، وتطلّعت فلم تَرَ أحدًا، ثم ذهبت إلى المروة فصعدت عليه فتطلّعت، فلم تَرَ أحدًا، ثم جعلت تتردّد في ذلك الموضع وهي مكروبة مضطرة مستغيثة بالله لها ولابنها، وهي تمشي وتلتفت إليه خشية السباع عليه، فإذا هبطت الوادي سعت حتى تصعد من جانبه الآخر؛ لئلا يخفى على بصرها ابنُها.
والفرج مع الكرب، والعُسْر يتبعه اليُسْر، فلما تمت سبع مرات تسمّعت حِسَّ المَلَك، فبحث في الموضع الذي فيه زمزم فنبع الماء، فاشتد فرح أم إسماعيل به، فشربت منه وأرضعت ولدها، وحمدت الله على هذه النعمة الكبرى، وحوّطت على الماء لئلا يسيح، قال النبي ﷺ: «رحم الله أم إسماعيل، لو تركت ماء زمزم - أي لم تُحوّطه - لكانت زمزم عينًا مَعِينًا» ثم عثرت بها قبيلة من قبائل العرب يقال لهم جُرْهُم، فنزلوا عندها وتمت عليها النعمة.
وشبّ إسماعيل شابًا حسنًا، وأعجب القبيلة بأخلاقه وعُلُوّ همّته وكماله، فلما بلغ تزوّج منهم امرأةً، ففي أثناء هذه المدة ماتت أمه ﵂، وجاء إبراهيم بغية إسماعيل يتصيّد، فدخل على امرأته فسألها عن زوجها وعن عيشهم، فأخبرته أن زوجها قد ذهب يتصيّد، وأن عيشهم عيش الشدة، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام، وقولي له يُغيّر عتبة بابه، ورجع من فوره لحكمة أرادها الله، فلما جاء إسماعيل كأنه آنَسَ شيئًا، فسأل امرأته، فأخبرته أنه جاءهم شيخ بهذا الوصف، وأنه سأل عنك فأخبرته، وسألنا عن عيشنا فأخبرته أننا في شدة، وأنه يقرأ عليك السلام، ويقول لك:غيّر عتبة بابك، فقال: ذاك أبي، وأنتِ العتبة، الحَقِي بأهلك.
ثم تزوّج إسماعيل غيرها.
ثم جاء إبراهيم مرة أخرى وإسماعيل أيضًا في الصيد، فدخل على امرأته، فسألها عن إسماعيل فأخبرته، وسألها عن عيشهم فأخبرته أنهم في نعمة وخير، وكانت امرأة طيبة شاكرة الله وشاكرة لزوجها، ثم قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه ﵇، وقولي له يُثبِّتْ عتبة بابه، ثم رجع أيضًا من فَوْرِه قبل مواجهة إسماعيل لحكمة أرادها الله تعالى، فلما رجع إسماعيل من صيده قال: هل جاءكم من أحد؟فقالت: جاءنا شيخ بهذا الوصف، فقال: هل قال لكم من شيء؟ فقالت: سألنا عنك فأخبرته، وسألنا عن عيشنا فأخبرته أنَّا في نعمة، وأثنيت على الله، فقال: فما قال؟ قالت:هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثبِّت عتبة بابك، فقال:ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أُمْسِكَك.
ثم عاد إبراهيم المرة الثالثة فوجد إسماعيل يَبْرِي نَبْلًا عند زمزم، فلما رآه قام إليه فصَنَعَا كما يصنع الوالد الشفيق والولد الشفيق، فقال: يا إسماعيل، إن الله أمرني أن أبني هنا بيتًا يكون معبدًا للخلق إلى يوم القيامة، قال: سأعينك على ذلك، فجعلا يرفعان القواعد من البيت؛ إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩].
فلما تمَّ بنيانه، وتمَّ للخليل هذا الأثر الجليل؛ أمره الله أن يدعو الناس، ويُؤذِّن فيهم بحَجِّ هذا البيت، فجعل يدعو الناس وهم يفِدُون إلى هذا البيت من كل فجٍّ عميق؛ ليشهدوا منافع دنياهم وأخراهم، ويسعدوا، ويزول عنهم شقاؤهم.
وفي هذه الأثناء حين تمكَّن حُبُّ إسماعيل من قلبه، وأراد الله أن يمتحن إبراهيم لتقديم محبة ربه وخُلَّته التي لا تقبل المشاركة والمزاحمة، فأمره في المنام أن يذبح إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحي من الله، فقال لإسماعيل: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ ياأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٣]، أي: خضعا لأمر الله، وانقادَا لأمره، ووطَّنَا أنفسهما على هذا الأمر المزعج الذي لا تكاد النفوس تصبر على عُشْر مِعْشاره، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، نزل الفرج من الرحمن الرحيم، ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ ياإِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، فحصل توطين النفس على هذه المحنة والبلوى الشاقة المزعجة، وحصلت المقدمات والجزم المصمّم، وتمّ لهما الأجر والثواب، وحصل لهما الشرف والقرب والزلفى من الله، وما ذلك من ألطاف الرب بعزيز، قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٥ - ١٠٧]، وأي ذبح أعظم من كونه حصل به مقصود هذه العبادة التي لا يُشبهها عبادة، وصار سُنَّة في عقبه إلى يوم القيامة يُتقرَّب به إلى الله، ويدرك به ثوابه ورضاه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩].
ثم إن الله أتم النعمة على إبراهيم، ورَحِم زوجته سارة على الكِبَر والعُقْم واليأس بالبشارة بالابن الجليل، وهو إسحاق، ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾، فحين أرسل الله لوطًا إلى قومه، وتمرَّدوا عليه وحتَّم الله عقوبتهم، وكان لوط تلميذًا لإبراهيم، ولإبراهيم عليه حقوق كثيرة، فمرَّت الملائكة الذين أُرْسِلُوا لإهلاك قوم لوط بإبراهيم بصورة آدميين، فلما دخلوا عليه وسلموا ردَّ عليهم السلام، وبادرهم بالضيافة، وكان الله قد أعطاه الرزق الواسع، والكرم العظيم، وكان بيته مأوى للأضياف، فبالحال راغَ إلى أهله بسرعة وخُفْية منهم، فجاءبعجل سمين محنوذ؛ مشوي على الرَّضف (٨) فقرَّبه إليهم،فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧]، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]؛ إذ ظن أنهم لصوص: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]، وكانت سارة قائمة في خدمتهم، وبشَّره بغلام عليم، فصرخت سارة وصكَّت وجهها متعجبة ومستبشرة ومتردِّدة ومتحيِّرة، وقالت: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]وقبل ذلك كنت عقيمًا، ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾، فبشَّراهما بإسحاق، وأنه يعيش ويُولد له يعقوب ويدركانه، ولهذا حمد الله إبراهيم على تمام نعمته، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
(١) الصابئة: قيل: هم عبَدَةُ الْمَلَائِكَة، وقيل: عبَدَة الكَوَاكب، وهم يزعمون كذبًا أنهم على دين نوح.
(٢) الوَجَل: استشعار الخوف.
(٣) أي: فُتَاتًا.
(٤) تَسَرَّر الجارية وتَسَرَّاها: اتخذها سُرِّيَّة.
(٥) أي: شجرة عظيمة.
(٦) أي: ذهب مُوَلِّيًا.
(٧) الثنية: كلُّ منفرج بين جبلين.
(٨) الرَّضْف: الحجارة المُحْماة بالشمس أو بالنار
مختارات

