دعوت...فلم يستجب لي
(دعوت ودعوت وبذلت أسبابا شرعية كثيرة ولم يتغير شيء في حياتي ولم يستجب لي
ولا أدري لماذا)
هناك كثيرون يسألون هذا السؤال بعضهم يصرح به ويعرضه على طالب علم أو عالم يطلب الجواب والنصيحة
وبعضهم يكظمة وهو يسائل نفسه ويجادلها.
وقد استنصحني بعض الإخوة فاستمهلته لأكتب كلاما عاما لعلي أنصح به نفسي وغيري.
وأقول مستعينا بالله ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه
اعلم أولا أن الحجة البالغة لله على عباده فلا تقوم لهم ألبتة حجة على ربهم
و وهذا أصل يشيد العبد عليه إيمانه فمهما التبست عليك وجوه المسائل والخواطر والعوارض فجماع الشفاء منها جملة أن تعلم أن الله هو الحق وقوله الحق وقضاءه وشرعه وقدره حق وعدل ورحمة وكرم ووعده حق ووحيه وخبره وما أرسل به رسله كل ذلك حق
فإذا استقام هذا الأصل في قلبك برئ ابتداء وفوض ما جهله إلى ربه معتقدا أنه ما التبس عليه شيء إلا بسبب من قصور في علمه أو فهمه
وثانيا
أن تعلم أن الدعاء هو العبودية أي هو تحقيق لمحبة الله وتعظيمه والافتقار إليه وهو أعظم نعم الله على عبده أن يوفقه للإقبال عليه وتوحيده في المسألة والرغبة ولو سأل العبد ربه الدنيا برمتها فأعطاه لكانت نعمة الله عليه بعبودية الدعاء أعظم مما ناله من الإجابة وأبقى.
فاحفظ نعمة الله بالتوفيق للدعاء وأن الله قد أذن لك بسؤاله ومناجاته وندائه ولو تأخرت الإجابة
واعلم أنك لا ترفع يديك وتقول يارب إلا وقد نالتك بمجرد الدعاء رحمة الله وشرف العبودية الأعظم
وانظر حولك مليارات من التاس يدعون بشرا وحجرا وشجرا وبهائم وجنا وقبورا.
بينما عصمك الله واجتباك لتدعو رب العالمين سبحانه.
ثالثا
أن تعلم أن الدعاء عبادة وإيمان بالغيب ييتلى العبد فيها ويمتحن كسائر العبادات
ولو أن كل من دعا أجيب على الفور بمعتى ظهرت الإجابة لما كان هناك غيب يبتلى به إيمان العبد ولأسلم الخلق كلهم
ولكن المؤمن يدعو مؤمنا بربه موقنا لإجابته منتظرا لفرجه وكل ذلك من الغيب الذي لا تدركه الحواس.
ولا تزيده تأخر الإجابة إلا إيمانا وإحسانا للظن بمولاه وتفويضا للأمر إليه.
فأنت إذا دعوت الله
احتاج إيمانك بالغيب لامتحان
فإذا تأخرت الإجابة لم يتضعضع إيمانك بل كما حملك الإيمان بالله على الدعاء أول مرة يحملك ذات الإيمان على مواصلة الدعاء.
وكم من منقطع عن الدعاء لم يكن بيته وبين الإجابة غير ليلة أو بعض ليلة أو دعوة
فاستحسر وانقطع ويأس فحرم.
وفتن وابتلي بالانتظار فافتتن ولم يثبت.
رابعا
أن الشيطان يعظم مشاعر الحرمان في قلب العبد لدعوة تأخرت بشيء يسير وينسي العبد ملايين الإجابات لدعائه
فكل خلية في بدنه فيها فيها إجابات وإجابات لدعوة قالها: اللهم عافني.
التيسير والرزق والعافية والحياة والهداية والصلوات والأذكار والطاعات والنعم الدينية والدنيوية كثير منها إجابات لدعوات دعوتها في صلاتك في رمضان في سجودك في أذكار
أنت في كل يوم تجاب ألف ألف مرة
ولا تشعر.
خامسا
أن المؤمن يؤمن بالكتاب كله ويعلم أن للدعاء أسبابا وموانع وكل ذلك جاءت به النصوص فلا تحمله الموانع على القنوط ولا تحمله الأسباب على العجب والغرور ووهم استحقاق للإجابة
فهو في دعائه
يرجو ربه ويحسن الظن به
ويخاف ذنبه ويتهم نفسه.
فإذا حرم أيقن أنه من قبل نفسه أتي والله منزه عن أن يخلف وعده.
وكلما اتهم العبد نفسه انكسر وذل وخضع وقرب من ربه وإجابته.
سادسا
أن الإجابة من الله تعالى وإجابة الكريم أحسن الإجابات وأنفعها وأبركها وأعظمها خيرا وأبقاها أثرا
فإجابة الله لعبده صفة من صفاته سبحانه ولله المثل الأعلى
ليس كمثل إجابته شيء
فالعبد يتخايل إجابة والله يعطيه إجابة خيرا منها
فلو أن عبدا سأل كريما ألف دينار
فأعطاه مائة ألف
هل يقال حرمه
أو لو أعطاه دار تساوي مليون
هل يقال منعه.
وإنما الغيب لله.
فالعبد يجاب لكن أحسن الإجابة وأنفعها له.
سابعا.
أن كل عبد له معاملة مع ربه لا يشبه أحد أحد في تفاصيلها وأسرارها
فلا يقال دعا فلان فأجيب
ودعوت فلم أجب
فكل واحد له قصة مختلفة وسير خاص إلى ربه والله يعامل عباده بما يصلحهم وأحوال الناس ولو تشابهت ظواهرها فبين بواطنهم فروق عظيمة
ولا يلزم أن من أجيب خير ممن لم يجب
مختارات

