قصة زكريا ويحيى (١١)
فصل.
اختلف أصحاب المسيح ﵇ بعد رفعه إلى السماء فيه على أقوال، كما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف، كما أوردناه عند قوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] قال ابن عباس وغيره قال قائلون منهم: كان فينا عبد الله ورسوله فرفع إلى السماء.
وقال آخرون منهم: كان فينا ابن الله فرفعه إليه.
وقال آخرون: كان الله فينا فارتفع إلى السماء، فالأول هو الحق، والقولان الآخران كفر عظيم كما قال:﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧].
وقد اختلفوا في نقل الأناجيل على أربعة أقاويل ما بين زيادة ونقصان وتحريف وتبديل، ثمّ بعد المسيح بثلاثمئة سنة حدثت فيه الطامّة العظمى والبلية الكبرى؛ اختلف البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين في المسيح على أقوال متعدّدة لا تنحصر ولا تنضبط، واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين باني القسطنطينية وهم المجمع الأول، فصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على قول من تلك المقالات فسموا الملكية ودَحَض من عداهم وأبعدهم.
وتفرّدت الفرقة التابعة لعبد الله بن اديوس الذي ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله ورسول من رسله، فسكنوا البراري والبوادي، وبَنَوا الصوامع والديارات والقَلاَّيات، وقنعوا بالعيش الزهيد، ولم يخالطوا أولئك الملل والنحل.
وبنت الملكية الكنائس الهائلة، عمدوا إلى ما كان من بناء اليونان فحوَّلوا محاريبها إلى الشرق وقد كانت إلى الشمال إلى الجدْي.
* * *
وبنى الملك قسطنطين بيتَ لحم على محلِّ مولد المسيح، وبَنَتْ أُمُّه هَيلانة القُمامةَ، يعني على قبر المصلوب، وهم يُسلّمون لليهود أنه المسيح.
وقد كفرت) هؤلاء وهؤلاء، ووضعوا القوانين والأحكام، ومنها مخالف للعتيقة التي هي التوراة، وأحلُّوا أشياء هي حرام بنص التوراة، ومن ذلك الخنزير، وصلّوا إلى الشرق ولم يكن المسيح صلّى إلا إلى صخرة بيت المقدس، وكذلك جميع الأنبياء بعد موسى.
ومحمد خاتم النبيين صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ستة عشر أو سبعةَ عثر شْهرًا، ثمّ حُوِّل إلى الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل.
وصوَّروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل ذلك، ووضعوا العقيدة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم ورجالهم التي يُسمُّونها بالأمانة، وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة، وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس أهل المجمع الثاني، واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي أصحاب المجمع الثالث يعتقدون هذه العقيدة ويختلفون في تفسيرها.
وها أنا أحكيها وحاكي الكفر ليس بكافر لأنبّه على ما فيها من ركّة الألفاظ وكثرة الكفر والخبال المفضي بصاحبه إلى النار ذات الشواظ، فيقولون عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة:
نؤمن بإلَه واحد، ضابط الكل، خالق السموات والأرض كل ما يُرى، وكل ما لا يرى، وبربٍّ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل الدهور، نور من نور، إلَه حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر الذي كان به كل شيء من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا نزل السماء وتجسَّد من روح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب على عهد ملاطس النبطي، وتألَّم وقبر، وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وأيضًا فسيأتي بجسده ليدبّر الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه، وروح القدس الربّ المحيي المنبثق من الأب والابن مسجود له، وبمجد الناطق في الأنبياء كنسبة واحدة جامعة مقدسة بهولية، واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا وأنه حي قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد كونه آمين.
* * *
مختارات

