قصة زكريا ويحيى (١٠)
ذكر صِفة عيسى وشمائله وفضائله…
قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥].
قيل: سُمَّي المسيح لمسحه الأرض، وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان لشدّة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمّه".
وقيل: لأنه كان ممسوح القدمين.
وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ) بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧].
والآيات في ذلك كثيرةٌ جدًا.
وقد تقدم ما ثبت في (الصحيحين): "ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد فيستهلّ صارخًا إلا مريم وابنها ذهب يطعن فطعن في الحجاب".
وتقدم حديث عُمير بن هانئ عن جنادة عن عبادة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".
رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم.
وروى البخاري ومسلم من حديث الشعبي، عن أبي بُرْدة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أدَّبَ الرجلُ أَمَتَهُ فأحْسَنَ تأديبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثمّ أعتقها، فتزوَّجها؛ كان له أجران.
وإذا آمن بعيسى ابن مريم، ثم آمن بي فله أجران.
والعبد إذا اتّقى ربّه وأطاع مواليه فله أجران" هذا لفظ البخاري.
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام عن معمر، "ح" وحدّثني محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهري، أخبرني سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: "ليَلَةَ أُسْرِيَ بي لقيتُ موسى" قال: فنعته فإذا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قال مُضطرب رَجِلُ الرأس كأنه من رجال شنوءة.
قال: "ولقيت عِيسى" فنعته النبي ﷺ فقال: "رَبْعَة أَحْمَرُ كَأَنّما خَرَجَ مِن دِيماس" يعني: الحمّام "ورأيتُ إبراهيمَ وأنا أشْبَهُ ولده به".
الحديث.
وقد تقدم في قصتي إبراهيم وموسى.
ثم قال: حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال النبي: "رأيتُ عِيسى وموسى وإبراهيم، فأمَّا عيسى فأحمرُ جَعْدٌ عريضُ الصَّدْر.
وأما موسَى فإدمُ جَسِيْم سَبِطٌ، كأنّه من رِجال الزُّطِّ"تفرّد به البخاري.
وحدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أبو ضَمْرة، حدّثنا موسى بن عُقْبة، عن نافع قال: قال عبد الله بن عمر: ذكر النبي ﷺ يومًا بينَ ظَهْراني الناسِ المسيحَ الدجّالَ فقال: "إن اللهَ لَيْسَ بأعورَ إلّا أنَّ المسيحَ الدجَّالَ أعورُ العينِ اليمنى كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِية.
وأراني الليلةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ في المنامِ فإذا رَجُلٌ آدَمُ كأحْسَنِ ما يُرى من أُدْمِ الرِّجالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَينَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رأسُه ماءً، واضعًا يديهِ على مَنْكِبي رَجُلَيْنِ، وهُو يطوفُ بالبيت، فقلتُ: من هذا؟ فقالوا: المسيحُ بنُ مريمَ.
ثُمَ رأيتُ رَجُلًا ورَاءَهُ جَعْدًا قَطَطًا أعْورَ عينِ اليُمْنَى كأشْبَهِ من رأيْتُ بابنِ قَطَني، واضعًا يدَه على مَنكبي رَجُل يطوفُ بالبيتِ، فقلتُ: مَن هذا؟ فقالوا: المسيحُ الدَّجَّال".
ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة به.
ثمّ قال البخاري: تابعه عُبيد الله، عن نافع.
ثمّ ساقه من طريق الزُّهري عن سالم [عن] ابن عمر.
قال الزهري: وابن قَطَن رجل من خزاعة هلك في الجاهلية.
فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحَيْنِ مسيحِ المهدي ومسيحِ الضلالة، ليُعرَفَ هذا إذا نَزَل فيؤمن به المؤمنون، ويُعرَف الآخر فيحذره الموحِّدون.
وقال البخاري: حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن همام بن منبّه، عن أبي هريرة،عن النبي ﷺ قال: "رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق،فقالَ له: أسَرَقْتَ؟ قال: كلاّ والذي لا إله إلا هو.
فقال عيسى: آمنت بالله وكذّبْتُ عيني".
وكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق.
وقال أحمد: حدّثنا عفان، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن حُميد الطويل، عن الحسن وغيره، عن أبي هريرة قال:ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: "رأى عيسى رَجُلًا يَسْرقُ فقالَ: يا فلان أسرقت؟ فقال: لا والله ما سرقت.
فقال:آمنتُ باللهِ وكذَّبْتُ بصري".
وهذا يدلّ على سجيّةٍ طاهرة، حيث قدَّم حلف ذلك الرجل، فظنَّ أن أحدًا لا يحلف بعظمة الله كاذبًا، على ما شاهده منه عيانًا، فقبل عُذرَه، ورجع على نفسه فقال: آمنت بالله، أي:صدَّقتُكَ، وكذّبت بصري لأجل حلفك.
وقال البخارى: حدّثنا محمد بن يوسف، حدّثنا سُفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "تُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا" ثمّ قرأ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فأوَّلُ الخلقِ يُكْسَى إبراهيم، ثمّ يُؤْخَذُ برجالٍ من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول:أصحابي! فيقال: إنّهم لن يزالوا مرتَدّين على أعقابهم منذ فارقتَهُم.
فأقول كما قال العبدُ الصالحُ عيسى ابنُ مريم ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨].
تفرّد به دون مسلم من هذا الوجه.
وقال أيضًا: حدّثنا عبد الله بن الزبير الحُمَيدِي، حدّثنا سفيان، سمعت الزُّهْري يقول: أخبرني عُبَيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس سمع عُمر يقول على المنبر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تُطْروني كما أطْرتِ النَّصارى عيسى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ ورسولُه".
وقال البخاري: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لم يَتكَلَّمْ في المهدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عيسى، وكانَ في بني إسرائيل رجلٌ يقال له جُرَيج يُصَلِّي إذْ جاءته) أُمُّهُ فدعتْه، فقال: أُجِيْبُها أو أُصَلّي؟ فقالت: اللهم لا تُمِتْهُ حَتّى تُريه وجوهَ المومساتِ.
وكان جُريجٌ في صَوْمَعةٍ، فتعرَّضت له امرأة وكلَّمته فأبى، فأتت راعيًا فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، [فقيل لها: ممن؟] قالت: من جريج.
فأتَوْه وكَسروا صومعته، فأنزلوه وسبّوه.
فتوضّأَ وصلّى،ثمّ أتى الغلامَ فقالَ: من أبوك يا غلام؟ قال: فلانٌ الراعي.
قالوا: أنبني صومعتَكَ من ذهب؟ قال: لا، إلا من طين.
وكانتِ امرأةٌ تُرضعُ ابنًا لها في بني إسرائيل، فمرَّ بها رجلٌ
راكبٌ ذُو شَارَةٍ.
فقالتْ: اللهمَّ اجعل ابني مثلَه، فترك ثديَها وأقبلَ على الراكِب فقال: اللهم لا تجعلْني مثلَه.
ثم أقْبَلَ عَلى ثَدْيها يَمُصُّه.
قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمص أصبعه.
"ثم مُر بأَمَةٍ، فقالتْ: اللهم لا تجعل ابني مثلَ هذه.
فتركَ ثديَها فقال: اللهم اجعلني مثلَها.
فقالت: لم ذلك؟فقالت: الراكبُ جبَّارٌ من الجبابرة، وهذه الأمَةُ يقولون سَرَقَتْ وزَنَتْ ولم تفعل".
وقال البخاري: حدثنا أبو اليَمان، حدثنا شُعيب، عن الزهري، أخبرني أبو سَلَمة أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ: "أنا أَوْلى الناسِ بابنِ مَرْيَم، والأنبياءُ أولادُ عَلَّاتٍ، ليس بيني وبينه نبي".
تفرد به البخاري من هذا الوجه.
ورواه ابن حِبَّان في "صحيحه" من حديث أبي داود الحَفَرِي، عن الثوري، عن أبي الزناد، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة.
وقال أحمد: حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان - هو الثوري - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أَوْلَى الناسِ بِعيسى ﵇، والأنبياءُ إخْوةٌ أولادُ عَلَّاتٍ، ولَيْس بيني وبين عِيسى نبي".
وهذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه.
وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق نحو.
وقال أحمد: حدّثنا يحيى، عن ابن أبي عَرُوبة، حدّثنا قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الأنبياءُ إخْوةٌ لِعَلاّت.
ودِينُهم واحدٌ وأُمَّهاتُهُم شَتّى.
وأنا أَوْلى الناسِ بِعِيْسَى ابنِ مَرْيَم لأنَّه لم يَكُنْ بَيني وبَيْنه نبيٌّ، وإنَّه نازِلٌ، فإذا رأَيْتُموهُ فاعْرفُوه، فإنهُ رَجُلٌ مربوعٌ إلى الحُمْرةِ والبياضِ، سَبط، كأنَّ رأسَهُ يَقْطُرُ وإنْ لَم يُصِبْهُ بَلَلٌ بَيْن مُمَصَّرَتَيْن، فيكسر الصليبَ، ويَقْتُلُ
الخِنزير، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويُعَطِّلُ المِلَلَ، حتى يهلك في زمانه المِلَل كلُّها غير الإسلام، ويُهلك اللهُ في زمانه المسيحَ الدجَّالَ الكذابَ، وتقع الأَمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعًا، والنمورُ مع البقر، والذئابُ مع الغنم، ويلعبُ الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضًا، فيمكثُ ما شاءَ اللهُ أنْ يمكثَ، ثمّ يُتَوفَّى، فَيُصَلِّي عليه المسلمونَ ويدفنونَه".
ثمّ رواه أحمد عن عَفّان، عن همام، عن قتادة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكر نحوه، وقال: "فيمكث أربعين سنةً.
ثُمَّ يُتَوفّى ويصلّي عليه المسلمون".
ورواه أبو داود عن هُدبة بن خالد، عن همام بن يحيى.
به نحوه.
وروى هشام بن عروة عن صالح مولى أبي هريرة، عنه أن رسول الله ﷺ قال: " فيمكث في الأرض أربعين سنة".
وسيأتي بيانُ نزوله ﵇ في آخر الزمان في كتاب الملاحم، كما بسطنا ذلك أيضًا في "التفسير" عند قوله تعالى في سورة النّساء [الآية: ١٥٩]: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الآية [الزخرف: ٦١]، وأنَّه ينزل على المنارة البَيضاءَ بدمشق، وقد أقيمت صلاةُ الصبح، فيقول له إمام المسلمين: تقدَّم يا روح الله فَصَل،فيقول: لا، بعضُكم على بعضٍ أمراء تكرمة الله هذه الأمة، وفي رواية: فيقول له عيسى: إنما أُقيمت الصلاةُ لكَ، فيُصلي خلفه.
ثمّ يركبُ ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال، فيلحقه عند باب لُدّ، فيقتله بيده الكريمة.
وذكرنا أنه قَويَ الرجاءُ حِيْنَ بُنيت هذه المنارةُ الشرقيةُ بدمشق التي هي من حِجارة بيض، وقد بنيت أيضًا من أموال النصارى حين حَرقوا التي هدمت وما حولها، فينزل عليها عيسى ابن مريم ﵇، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل من أحدٍ إلّا إلاسلام، وأنه يخرج من فج الرَّوْحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليُثَنِّيهما، ويقيم أربعين سنة، ثمّ يموت فيدفن فيما قيل في الحجرة النبوية عند رسول الله ﷺ وصاحبيه.
وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح في كتاب عن عائشة مرفوعًا أنه يدفن مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعُمر في الحجرة النبوية.
ولكن لا يصح إسناده.
وقال أبو عيسى الترمذي: حدّثنا زيد بن أخزم الطائي، حدّثنا أبو قتيبة سَلْم بن قتيبة، حدّثني أبو مودود المدني، حدّثنا عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جدّه قال: مكتوب في التوراة صفة محمد، وعيسى ابن مريم ﵈ يُدفن معه.
قال أبو مَوْدُود: وقد بقي من البيت موضع قبر.
ثمّ قال الترمذي:هذا حديث حسن.
كذا قال: والصواب: الضحاك بن عثمان المدني.
وقال البخاري: هذا الحديث لا يصح عندي ولا يُتابَع عليه.
وروى البخاري عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن سلْمان قال:الفترة ما بين عيسى ومحمد ﷺ ستمئة سنة.
وعن قتادة: خمسمئة وستون سنه.
وقيل: خمسمئة وأربعون سنه.
وعن الضحاك: أربعمئة وبضع وثلاثون سنة.
والمشهور ستمئة سنة.
ومنهم من يقول ستمئة وعشرون سنة بالقمرية لتكون ستمئة بالشمسية.
والله أعلم.
وقال ابن حِبّان في صحيحه: (ذِكْرُ المدة التي بقيت فيها أُمة عيسى على هديه): حدّثنَا أبو يعلى، حدّثنا أبو هَمام، حدّثنا الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد، عن الوَضِيْن بن عطاء، عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نُفَير،عن أبي الدرداء قال:؛ قال رسول الله ﷺ: "لقد قَبَضَ الله داودَ من بين أصحابه فما فُتنوا ولا بدلوا، ولقد مكث أصحاب المسيح على سُنته وهديه مئتي سنة".
وهذا حديث غريب جدًا وإن صحَّحه ابن حِبَّان.
وذكر ابن جرير عن محمد بن إسحاق أن عيسى ﵇ قبل أن يُرفع وصَّى الحواريين بأن يدعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعَيَّن كلَّ واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الأقاليم من الشام والمشرق وبلاد المغرب، فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح إليهم.
وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة: لوقا ومتّى ومرقس ويوحنا، وبين هذه الأناجيل الأربعة تفاوتٌ كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة، وزيادات كثيرة، ونقص بالنسبة إلى الأخرى، وهؤلاء الأربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيحَ ورآه وهما متّى ويوحنا، ومنهم اثنان من أصحاب أصحابه وهما مرقس ولوقا.
وكان ممن آمن بالمسيح وصدَّقه من أهل دمشق رجل يقال له ضينا، وكان مختفيًا في مغارة داخل الباب الشرقي قريبًا من الكنيسة المصلبة خوفًا من بولص اليهودي، وكان ظالمًا غاشمًا مبغضًا للمسيح ولما جاء به، وكان قد حلق رأسَ ابن أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به في البلد ثمّ رَجَمه حتى مات.
ولما سمع بولص أن المسيح قد توجه نحو دمشق جَهَّز بغاله وخرج ليقتله، فتلقاه عند كوكبا، فلما واجه أصحاب المسيح جاء إليه مَلَكٌ فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه.
فلما رأى ذلك وقع في نفسه تصديق المسيح، فجاء إليه واعتذر مما صنع وآمن به، فَقَبِل منه، وسأله أن يمسح عينيه ليردَّ اللّهُ عليه بصرَه، فقال: اذهب إلى ضينا عندك بدمشق في طرف السوق المستطيل من المشرق فهو يدعو لك.
فجاء إليه، فدعا له فرّد عليه بصره وحسن إيمان بولص بالمسيحِ أنه عبد الله ورسوله، وبُنيت له كنيسة باسمه، فهي كنيسة بولص المشهورة بدمشق من زمن فتَحها الصحابة حتى خربت في الزمان الذي سنورد، إن شاء الله تعالى.
* * *
مختارات

