فقه كون الحمد كله لله (٢)
وفي الكون من عطاء الله شيئان:
شيء من نعم الله خلقه الله ينفعل لك ولغيرك مؤمناً أو كافراً بدون جهد، كالشمس والهواء والمطر، والحرارة والبرودة، والليل والنهار ونحوها.
وشيء من نعم الله خلقه الله ينفعل بك مؤمناً أو كافراً، إذا قام به العبد وفق الأسباب التي خلقها الله، فمن زرع حصد، ومن اكتسب ربح، ومن تعلم علم، ومن تزوج أنجب.
لكن المؤمن يزيد بحصول البركة في عمله، لأنه يذكر الله، ويستعين به، فتحصل له البركة كما قال سبحانه: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)} [الرحمن: ٧٨].
فالحمد كله.
والثناء كله.
والشكر كله.
لله رب العالمين:
فهو سبحانه المحمود لذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وهو المحمود سبحانه على ما خلقه في العالم العلوي والسفلي.
وهو المحمود على أوامره الكونية، وأوامره الشرعية.
وهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم، وإيمانهم وكفرهم.
وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار، والملائكة والشياطين، وعلى خلق الرسل وأعدائهم.
وهو المحمود على عدله في أعدائه، وعلى فضله وإنعامه على أوليائه.
فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)} [الإسراء: ٤٤].
والحمد: هوالإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له.
ومحاسن المحمود تعالى، إما قائمة بذاته وهي أسماؤه الحسنى وصفاته العلا، وإما ظاهرة في مخلوقاته.
فأسماء الله كلها حسنى، ليس فيها اسم سوء.
وصفاته كلها كمال، ليس فيها صفة نقص.
وأفعاله كلها حكمة، ليس فيها فعل خالٍ عن الحكمة والمصلحة: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)} [الروم: ٢٧].
فالله عزَّ وجلَّ هو المستحق للحمد كله، فيستحيل أن يكون غير محمود كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالق ولا حي.
فهو المحمود على كل شيء، وإن كان بعض خلقه يُّحمد أيضاً، كما يحمد رسله وأنبياؤه وأولياؤه، فذلك من حمده تبارك وتعالى، وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده، فهو المحمود أولاً وآخراً.
والله سبحانه له الملك، وقد آتى من الملك بعض خلقه، وله الحمد وقد آتى غيره من الحمد ما شاء، وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه، فحمده أيضاً داخل في حمده.
فما من محمود يحمد على شيء مما دق أو جل، إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية.
وله سبحانه الحمد التام كله، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سبحانه فهو المحمود على كل حال، وعلى كل شيء، فله أكمل حمد وأعظمه،كما أن له الملك التام العام، فلا يملك كل شيء إلا هو.
فحمده سبحانه وحكمته في خلقه وأمره شامل لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة، وامتحان وبلية، وما يقضيه الله من طاعة ومعصية.
والله تعالى محمود على كل ذلك مشكور، وله حمد المدح، وحمد الشكر.
أما حمد المدح فالله تعالى محمود على كمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المحمود على كل ما خلق وأمر، فهو رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.
وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن، إذا اقترن بواجبه من الإحسان.
والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والابتلاء إذا اقترنا بالصبر كانا نعمة، والطاعات من أجل نعمه سبحانه.
والمعاصي إذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع، فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة، والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضاً، وإن كان سببها مبغوضاً مسخوطاً للرب سبحانه، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة والاستغفار.
والله سبحانه أفرح بتوبة عبده من فرح رجل أضل راحلته في أرض مهلكة، ثم طلبها وأيس منها ثم وجدها كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لله أفْرَحُ بِتَوْبَةِ العَبْدِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أوْ مَا شَاءَ الله، قَالَ: أرْجِعُ إلى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ» متفق عليه (١).
فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء، أحب إليه سبحانه من عدمه، وله أسباب ولوازم لا بد منها، وما يحصل لتقدير عدمه من الطاعات، وإن كان محبوباً له فهذا الفرح أحب إليه بكثير.
فله سبحانه من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة، ونعمة سابغة هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه.
وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفاً على أسباب لا تحصل بدونها.
فتقدير الذنب عليه، إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار، كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه، وإن كان من الامتحان والابتلاء باعتبار صورته ونفسه.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٦٣٠٨) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٧٤٧).
مختارات

