فقه الدعوة إلى الله (٢)
فكمال الآدمي وسعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة بخمسة أمور:
الأولى: الدعوة إلى الله.
ثم يأتي الإيمان.
ثم تأتي طاعة الله ورسوله.
ثم يأتي رضى الله عنه.
ثم دخوله الجنة.
وإذا أهملنا الدعوة إلى الله ضعف الإيمان.
وإذا ضعف الإيمان رغبت النفس في معصية الله ورسوله.
وإذا عصى العبد الله ورسوله غضب الله عليه.
وإذا غضب الله أنزل عقوبته بمن عصاه، وعقوبته سبحانه للعصاة والكفار الشقاء في الدنيا، والنار في الآخرة.
والداعي إلى الله يدعو الناس على اختلاف طبقاتهم إلى الاستقامة على الدين، وتنفيذ أوامر الله فيما هم فيه:
فيقول للحكام كونوا كنبي الله سليمان لتدخلوا الجنة، ولا تكونوا كفرعون فتدخلوا النار.
ويقول للوزراء كونوا كيوسف - صلى الله عليه وسلم - لتدخلوا الجنة، ولا تكونوا كهامان فتدخلوا النار.
ويقول للتجار كونوا كتجار المهاجرين لتدخلوا الجنة، ولا تكونوا كقارون وقوم شعيب فتدخلوا النار.
ويقول لأهل الزراعة كونوا كالأنصار لتدخلوا الجنة، ولا تكونوا كقوم سبأ فتدخلوا النار.
ويقول للعامة والخاصة: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)} [الأعراف: ٥٩].
والمسلم يحترم المسجد؛ لأنه بيت الله، ومحل أداء فرائض الله، وكذلك الفقير نحترمه ونكرمه؛ لأنه محل صدقاتنا وزكاتنا فلا نحقره.
وهكذا الكافر والمشرك والعاصي هؤلاء عبيد الله، ولهم حق الرحمة والدعوة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لا يحقر أحداً أن يبلغه رسالة ربه، فالمسلم يرى الكافر غريقاً ويجتهد عليه لعل الله أن يرحمه وينقذه من النار.
والشفقة والرحمة أعظم سلاح أعطيه الأنبياء والرسل كما قال سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)} [الأنبياء: ١٠٧].
والشفقة والرحمة لخلق الله تكون وتنمو بكثرة الجهد للدين حتى تصبح كالأمواج في البحار بعضها فوق بعض، فتنبعث أمواج الشفقة والرحمة بقدر الجهود والتضحيات على خلق الله سبحانه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)} [التوبة: ١٢٨].
وإذا كان مسؤولية أهل الدنيا تفقد الملك والأموال والأشياء والفكر فيها، وحسن رعايتها، والقيام عليها، فمسؤولية أهل الدين:
هي تفقد الإيمان والأعمال الصالحة.
وكيف تأتي فينا وفي حياة الناس.
وكيف يتحقق مراد الله من عباده فيعبدوه وحده لا شريك له.
وكيف يتحقق مراد الخلق من ربهم فيتوجهوا إليه في جميع حوائجهم لينالوا رضاه، ويفوزوا بجنته، وينجوا من عذابه.
وتعريف الناس بربهم وخالقهم.
وما هو حقه عليهم؟.
ولماذا خلقهم؟.
وماذا يريد منهم؟.
وبيان طريق السعادة وطريق الشقاوة.
وتعريف الخلق بما يحب ربهم ليفعلوه.
وتعريفهم بما يبغض ليجتنبوه.
وتعليمهم الآداب الإسلامية.
وحسن المعاشرات وأحسن الأخلاق.
وتعريفهم بنعم الله ليشكروه.
وتعريفهم بأسمائه وصفاته، وأفعاله وخزائنه ليعظموه ويحمدوه ويسألوه.
وإخبار الناس بما أعد الله من الكرامة لمن أطاعه.
وما أعد من العذاب لمن عصاه.
وكيف يقضي الإنسان حياته على طريقة الأنبياء والمرسلين، لا على طريقة البهائم والشياطين.
وتعريف الناس بالطريق الموصل إلى الله.
وما لهم بعد القدوم على الله يوم القيامة.
وأُمر الناس بتكميل محبوبات رب العالمين في الدنيا من الإيمان، والطاعات والعبادات، والمعاملات، وحسن المعاشرة، وحسن الأخلاق، حتى يكمل الله لهم في الآخرة ما يحبون من المطاعم والمشارب والمساكن والملابس والأزواج والحور.
فمسؤولية كل فرد من المسلمين عظيمة، ووظيفته كبيرة، وعمله مستمر دائم ما دام حياً كما قال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)} [يوسف: ١٠٨].
ومكانة المسلم عند الله عظيمة، وحياته عند الله غالية؛ لأنه مؤمن بالله، ويقيم أمر الله، ويعبد الله، ويدعو إلى الله، ولذا توعد الله من قتل مؤمناً بغير حق متعمداً بأشد العقوبات كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)}
[النساء: ٩٣].
وبحسب المكانة تكون المسؤولية، ويكون المقام عند الله، فمكانة المسلم عظيمة، ومسؤوليته كذلك عظيمة.
ولا أحب عند الله من المسلم الذي يدعو الناس إلى ربهم، ويحببهم إليه، ويردهم إليه كما قال سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)} [فصلت: ٣٣].
فأعظم الواجبات بعد الإيمان والتقوى الدعوة إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
لذا فواجبنا جميعاً رجالاً ونساءً.
كباراً صغاراً.
العامة والخاصة.
الأغنياء والفقراء.
والسادة والعبيد.
والعرب والعجم.
أن نقوم بالدين، ونستقيم عليه، ونقيم الدين وندعو إليه في العالم حتى يكون الدين كله لله، وينعم الناس بهذا الدين الكامل الذي رضيه الله لهم، وأرسل به رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
والدعوة إلى الله.
ونشر الدين.
وهداية البشرية إلى ما يسعدها في الدنيا والآخرة عمل عظيم وكبير.
يحتاج إلى فكر مستمر.
وعمل دائب.
وهم مذيب.
وسير الأقدام.
وإيلام الأبدان.
وبذل الأموال.
والتضحية بالأنفس والأوقات والشهوات.
والصبر على المشاق.
وتحمل الأذى.
وذلك كله من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه في الأرض، وإزالة الباطل.
وهذا العمل العظيم جزاؤه عند الله عظيم كما قال سبحانه: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)} [التوبة: ٨٨،٨٩].
وبداية الفكر والعمل:
أن نجتهد أولاً على أنفسنا حتى تكون حياتنا مطابقة لحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - في سره وسيرته، وعباداته ومعاملاته، ومعاشراته وأخلاقه، وسائر أحواله كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
فالمقصود صفات الرسول لا ذات الرسول، وأعمال الرسول لا ذات الرسول، والناس يتأثرون من الصفات والأخلاق، لا من الأبدان والذوات.
فكل إنسان له ذات، لكن ليس مع كل إنسان الصفات والأخلاق العالية، وإنما فضل الله المسلم على غيره بالإيمان والأعمال الصالحة والصفات العالية، لا بالذات أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الجاه، كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)} [الحجرات: ١٣].
والصفات التي يحبها الله، والأعمال التي يحبها الله، والأقوال التي يحبها الله، أظهرها الله في الأنبياء، وأكملها في حياة سيد الأنبياء والمرسلين، فعلينا التخلق بها، ودعوة الناس إليها.
فإذا جاءت فينا الصفات والأعمال التي يحبها الله كان الله معنا، وإذا كان الله معنا فما نحتاج لأحد سواه، فلا نرجو إلا إياه، ولا نخاف إلا منه، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نستعين إلا به، ولا نسأل إلا إياه، وهو مولانا وناصرنا: {فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)} [الحج: ٧٨].
ثم ننظر ونتفكر في العالم البشري.
وفي العالم الإسلامي.
وفي العالم الجاهلي.
لنعرف حجم العمل.
وحجم التقصير.
ونعلم مساحة الكفر.
ومساحة الإسلام.
ومقدار العدل.
ومقدار الظلم.
وحجم الصلاح.
وحجم الفساد في الأرض، ونضع العالم بين أيدينا وأمام أعيننا، ونجعل ذلك همّ قلوبنا، وشغل أبداننا، فنحن مسؤولون عن إبلاغهم الدين ومأمورون به كما قال سبحانه: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أوْعَى لَهُ مِنْهُ» متفق عليه (١).
وقد بعث الله النبي - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، وهذا الدين رحمة للعالمين، وهو حق لكل إنسان في العالم، لا بدَّ من أدائه إليه وإيصاله له، واسماعه إياه، ودعوته إليه.
إن حجم المسؤولية كبير واسع، طويل الأمد، فلا بدَّ من الفكر والعلم والعمل، وتصور أحوال الأمم في الأرض:
فكم قارة في العالم؟.
وكم بلد في العالم؟.
وكم مدينة في العالم؟.
وكم قرية في العالم؟.
وكم بيت في العالم؟ وكم إنسان في العالم؟.
وكم كافر في العالم؟.
وكم مسلم في العالم؟.
وكم جاهل في العالم؟.
وكم غافل في العالم؟.
وكم ضال في العالم؟.
وكم تائه في العالم؟.
وكم محتار في العالم؟.
وكم مشرك في العالم؟.
وكم مبتدع في العالم؟.
وكم مطيع لله في العالم؟.
وكم عاص لله في العالم؟.
وكم ظالمٍ في العالم؟.
وكم من مظلوم في العالم؟.
وكم من فاسق في العالم؟.
وكم داعٍ إلى الحق في العالم؟.
وكم داعٍ إلى الباطل في العالم؟.
إن هذه الأمم والشعوب والأفراد، والقارات والمدن والقرى، كلها تحتاج إلى رسالتين:
الأولى: (لا إله إلا الله) لإصلاح قلوبها بالإيمان واليقين والتوحيد.
الثانية: (محمد رسول الله) لإصلاح أبدانها وعباداتها ومعاملاتها ومعاشراتها وأخلاقها، فلا بدَّ من الحركة والقيام والجهد والتضحية والسير في الأرض لنعرف حجم المرض الكبير الذي تفشى في البشرية، وهو الشرك والكفر والمعاصي والفواحش، والإثم والبغي والظلم والفساد.
ثم نقوم فوراً بعلاج هذا الداء الذي عمَّ وطمَّ، بالدعوة إلى الله، ليعود الناس إلى ربهم، ويتوبوا إليه، ويؤمنوا به وحده لا شريك له.
فقد جاء الباطل في حياة الأمة لأنهم تركوا الدعوة إلى الله، فجاءهم من يدعوهم إلى الباطل، ويقول لهم إن السعادة والنفع والضر في المخلوقات والأشياء، وأن المخلوق يفعل ما يريد، وله أن يقضي حياته كالبهائم كيف شاء، وهذه دعوة الباطل، وهي توجب غضب الرب، وتمنع نزول النصر، وتسبب الشقاء، وتحول بين المرء والسعادة.
أما دعوة الحق فهي أن نعلم أن الله هو الخالق وحده، وهو الفعّال لما يشاء، وهو الذي بيده كل شيء، وما سواه مهما كان ليس بيده شيء، فله سبحانه الخلق والأمر وحده، لكن الله عزَّ وجلَّ يفعل من وراء الأسباب.
فذاته وقدرته سبحانه مغيبة وراء الأسباب ابتلاء وامتحاناً، وبسبب ضعف الدعوة ضعف الإيمان فجاء اليقين على المخلوقات والأسباب، وصار تعامل الناس معها بدون اللجوء إلى الله سبحانه، فأصابهم بسبب ذلك التعب والشقاء.
فكل من لم يرض بالتوجه إلى رب الأسباب وكله الله إلى الأسباب وأذله بها، ثم عاقبه على ذلك كما قال سبحانه: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)} [الأنعام: ٤٤].
فالله عزَّ وجلّ هو الفعال وحده لا شريك له، ولكنه أخفى قدرته وراء الأسباب امتحاناً وابتلاءً للعباد.
فالله عزَّ وجلَّ بحكمته وعلمه يفعل ما يشاء، ويظهر ما يشاء، ويخفي ما يشاء، وقد أظهر سبحانه أربعاً، وأخفى أربعاً:
أظهر المخلوقات وأخفى نفسه.
وأظهر الدنيا وأخفى الآخرة.
وأظهر قيمة الأشياء.
وأخفى قيمة الأعمال.
وأظهر الأبدان والأجساد وأخفى الأرواح والعقول.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٦٧)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٦٧٩).
مختارات

