حديث «ما يمنعك أن تزورنا..» ، «لا تصاحب إلا مؤمنًا..»
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
ففي باب "زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم" أورد المصنف -رحمه الله-:
حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- قال: قال النبي ﷺ لجبريل : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟، فنزلت: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ [مريم:64][1].
الشاهد في هذا الحديث مما يتصل بهذا الباب أن النبي ﷺ قال لجبريل : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزرونا؟، فطلب زيارة أهل الفضل شيء مطلوب، والنبي ﷺ قد طلب ذلك من جبريل ، ونزلت هذه الآية: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ المعنى: إلا بإذنه، ويحتمل وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ أي: ننزل بما يأمر به إلى النبي ﷺ، أي: بالحلال والحرام والأحكام، وما شابه ذلك، والمعنى الأول أقرب، والله تعالى أعلم.
لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ أي: ما أمامنا وخلفنا من الأزمنة والأمكنة، فلا ننتقل من شيء إلى شيء إلا بأمره ومشيئته -تبارك وتعالى، فنحن عبيده واقفون عند حدوده، وما يأمر به، ولا ننزل من عند أنفسنا، والله تعالى أعلم.
والمقصود أن المؤمن يحرص على أهل الفضل والخير أن يزوروه، وأن يعاشرهم وأن يخالطهم، وأن يكون هؤلاء هم أهل صحبته ومجالسته، ويدل على ذلك أيضاً الحديث الآخر وهو:
لا تصاحب إلا مؤمنًاحديث أبي سعيد الخدري : أن النبي ﷺ قال: لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكلْ طعامَك إلا تقيٌّ[2].
قوله: لا تصاحب، أي: لا تتخذه صاحباً؛ لأن الصاحب ساحب كما قيل، والإنسان يتأثر بمن يخالطه ولا محالة، ولو قال: أنا واثق من نفسي، وأنا أعرف أنني لا أتأثر، لا، لابد أن الإنسان يتأثر بالخلطاء شاء أم أبى، قال: ولا يأكلْ طعامَك إلا تقيٌّ، والمقصود بهذا ليس الطعام الذي يعطى على سبيل الصدقة أو دفع الحاجة فإن هذا مطلوب، والنبي ﷺ يقول: في كل كبد رطبة أجر[3]، فالإنسان يؤجر على ما يبذله للتقي وغير التقي، ولكن المقصود هنا لا يأكل طعامك أي: لا تعاشر وتدعُ، يعني طعام الدعوة، لا تدعُ، يعني: أن الإنسان إنما يدعو عادة من يقربهم ويدنيهم، ويحب أن يكون هؤلاء هم الذين يجالسونه، ويخالطهم على الطعام ونحو ذلك، فهو يقول: لا يكن هؤلاء من جلسائك وأهل خلطتك، والذين تجلس معهم على طعام واحد، وتكون معاشرتك معهم متحدة، لا، كن مع الأتقياء الأنقياء من الصالحين والأخيار، هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.
مختارات

