قصة موسى عليه السلام (٢)
وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي: لا نقدر على وِرد الماء إلَّا بعد صدور الرَّعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعْية ضعف أبينا وكبره.
قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾.
قال المفسرون ): وذلك أن الرِّعاء كانوا إذا فرغوا من وِردهم وضعوا على فم البئر صخرةً عظيمةً، فتجيء هاتان المرأتان، فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس.
فلما كان ذلك اليوم، جاء موسى، فرفع تلك الصخرة وحدَه، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم ردَّ الحجر كما كان.
قال أمير المؤمنين عمر ): وكان لا يرفعه إلا عشرة، وإنما استقى ذَنُوبًا (١) واحدًا فكفاهما.
ثمّ تولى إلى الظلِّ، قالوا:وكان ظل شجرة من السَّمُرِ (٢).
روى ابن جرير )، عن ابن مسعود؛ أنه رآها خضراء ترفّ (٣) ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
قال ابن عبَّاس: سار من مصر إلى مَدْيَن لم يأكل إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا فسقطت نعلا قدميه ) من الحفاء، وجلس في الظِّل، وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإنّ خُضْرَةَ البقل لتُرى من داخل جوفه، وإنّه لمحتاج إلى شقِّ تمرة.
قال عطاء بن السَّائب: لما قال ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أسمع المرأة ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾ [القصص: ٢٥ - ٢٨].
لَمَّا جلس موسى ﵇ في الظل، وقال ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ سمعته
المرأتان ) -فيما قيل- فذهبتا إلى أبيهما، فيقال: إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه ما كان من أمر موسى ﵇، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، أي: مَشْيَ الحرائِرِ، قالت:﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرَّحت له بهذا لئلّا يوهم كلامُها ريبةً.
وهذا من تمام حيائها وصيانتها.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ وأخبره خبره،وما كان من أمره في خروجه من بلاد مِصْرَ فرارًا من فرعونها ﴿قالَ لَهُ﴾ ذلك الشيخ: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: خرجت من سلطاتهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل: هو شعيبٌ ﵇، وهذا هو المشهور عند كثيرين ).
وممَّن نصّ عليه: الحسن البصري، ومالك بن أنس.
وجاء مصرحًا به في حديث )، ولكن في إسناده نظر.
وصرّح طائفةٌ بأن شعيبًا ﵇ عاش عمرًا طويلًا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى ﵇ وتزوَّج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الحسن البصري، أن صاحب موسى ﵇ هذا اسمه شعيب، وكان سيّد الماء، ولكن ليس بالنَّبي صاحب مَدْيَن.
وقيل: إنّه ابن أخي شعيب.
وقيل: ابن عمه.
وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب.
وقيل: رجل اسمه يثرون، هكذا هو في كتب أهل الكتاب:يثرون كاهن مَدْين؛ أي: كبيرها وعالمها.
قال ابن عبَّاس وأبو عُبَيْدة بن عبد الله: اسمه بترون ).
زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب.
زاد ابن عبَّاس: صاحب مَدين
والمقصود أنّه لما أضافه، وأكرم مثواه، وقصَّ عليه ما كان من أمره، بشَّره بأنّه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، أي: لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قويٌّ أمينٌ.
قال عَمْرو ) وابن عبَّاس، وشريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: لمّا قالت ذلك قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟ فقالت: إنّه رفع صخرةً لا يطيق رفعها إلا عسْرة.
وإنه لما جئت معه تقدمتُ أمامه، فقال:كوني من ورائي، فإذا اختلفت الطريق فاحذفي ) لي بحصاةٍ أعلم بها كيف الطريق.
قال ابن مسعود: أفرسُ النَّاس ثلاثة: صاحب يُوسف حين قال لامرأته ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١].
وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب.
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾.
استدلّ بهذا جماعةٌ من أصحاب أبي حنيفة ﵀ على صحّة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين، ونحو ذلك أنّه يصحُّ لقوله: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾.
وفي هذا نظر؛ لأنّ هذه مُراوضةٌ لا معاقدةٌ.
والله أعلم.
واستدلّ أصحابُ أحمد على صحّة الإيجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة، واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجه في "سننه" مترجمًا عليه كتابه ): باب استئجار الأجير على طعام بطنه.
حدثنا محمد بن مصفّى ) الحمصي، حدثنا بقيَّة بن الوليد، عن مَسْلَمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن عُلَي بن رباح قال: سمعت عتبة بن النُذَّر )يقول: كُنَّا عند
رسول الله ﷺ فقرأ ﴿طس﴾ حتى إذا بلغ قصة موسى قال:"إنَّ موسى ﵇ أجَرَ نفسه ثماني سنين أو عشرة ) على عِفَّةِ فَرْجهِ وطعام بطنهِ ".
وهذا من هذا الوجه لا يصح؛ لأن مَسْلَمة بن عُلي الخشني ) الدمشقي البلاطي ضعيف عند الأئمّةِ لا يُحتج بتفرّد ) ولكن قد روي من وجهٍ آخر.
وقال ابن أبي حاتم:
حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، حدّثني ابن لَهِيعة.
(ح) )، وحدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا صفوان، حدّثنا الوليد، حدّثنا عبد الله بن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عُلَي بن رَباح اللَّخمي، قال:سمعت عتبة بن النُّدَّر السّلمي صاحب رسول الله ﷺيحدِّث أن رسول الله قال: "إنَّ مُوسَى ﵇ أجرَ نَفْسَه لِعِفةِ فَرْجِهِ وَطعْمَةِ بَطْنِهِ" ).
ثم قال تعالى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨].
يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيّهما قضيت ) فلا عدوان عليّ، والله على مقالتنا سامع، ومشاهد، ووكيل عَليَّ وعليك، ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكملَ الأجلين وأتمّهما، وهو العشر سنين كوامل تامّة.
قال البخاري: حدَّثنا محمد بن عبد الرَّحيم، حدثنا سعيد بن سُليمان، حدّثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفْطس، عن سعيد بن جُبير، قال: سألني يَهودي من أهل الحِيْرةِ: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حَبرِ العرب فأسأله، فقدمتُ، فسألت ابنَ عبَّاس، فقال: قَضَى أكثرَهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل ).
تفرّد به البخاري من هذا الوجه.
وقد رواه النسائي في حديث الفتون -كما سيأتي- من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير ) عن أحمد ) بن محمد الطُّوسي، وابن أبي حاتم عن أبيه، كلاهما عن الحُميدي، عن سفيان بن عُيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: أن رسول الله ﷺ قال: "سألتُ جِبْرِيْلَ: أيَّ الأَجَلَيْن قَضَى مُوْسَى؟ قَالَ:أَتَمَّهُمَا وَأَكْمَلَهُما" ).
وإبراهيم هذا غير معروف إلَّا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عُيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحاكم بن أَبَان، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس، عن النَّبيِّ ﷺ ) فذكره.
وقد رواه سُنيد، عن حجّاج، عن ابن جُريج، عن مُجاهدٍ مرسلًا، أن رسول الله سأل عن ذلك جبريلَ، فسأل جبريلُ إسرافيلَ، فسأل إسرافيلُ الربَّ ﷿ فقال: "أبرّهما وأوفاهما".
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مُرسلًا.
ورواه ابن جرير ) من طريق محمد بن كعب أن رسول الله ﷺ سُئِل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أوفاهما وأتمّهما.
وقد رواه البزّار وابن أبي حاتم من حديث عُوْبَد ) بن أبي عمران الجَوْني، وهو ضعيف عن أبيه، عن عبد الله بن الصَّامت، عن أبي ذَرٍّ، أن رسول الله ﷺ سُئِل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما
وأبرّهما".
قال: وإن سُئِلتَ: أيَّ المرأتين تزوّج؟ فقل:الصغرى منهما ).
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم، من طريق عبد الله بن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عُلَيّ بن رَباح، عن عُتبة بن النُّدَّر، أن رسول الله قال: "إِنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَه بِعِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعامِ بَطْنِهِ" فلمَّا وفّى الأجل، قيل: يا رسول الله أيَّ الأجلين؟ قال: "أبرَّهما وأوفاهما".
فلما أراد فراق شعيب سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون من وُلْدِ ذلك العام، وكانت غنمه سودًا حسانًا، فانطلق موسى ﵇ إلى عصا قسمها من طرفها، ثُمَّ وضعها في أدنى الحوض، ثُمَّ أوردها فسقاها، ووقف موسى ﵇ بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاةٌ إلا ضرِب جنبها شاةً شاةً، فال فأتأمت وألبنت ووضعت كلّها قوالب ألوان، إلا شاةً أو شاتين، ليس فيها فَشُوش ولا ضَبُوب ولا عَزُوز ولا ثَعُول، ولا كَمْشَة تفوت الكف، قال النبي ﷺ: لو اقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السّامرية.
قال ابن لَهيعة: الفَشُوش: واسعة الشَّخْب، والضَّبوب:طويلة الضَّرع تجرُّه.
والعَزُوز: ضيِّقة الشخب ).
والثَّعُول: الصغيرة الضَّرع كالحلمتين ).
والكَمْشة: التي لا يحكم الكفُّ على ضرعها لصغره ).
وفي صحَّة رفع هذا الحديث نظر.
وقد يكون موقوفًا كما قال ابن جرير؛ حدثنا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا مُعاذ بن هشام، حَدَّثَنَا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: لما دعا نبيُّ الله موسى صاحبَه
إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبُه: كلّ شاةٍ ولدت على غير لونها فلك ولدها، فعمد فوضع خيالًا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدت كلهن بلقًا إلا شاةً واحدةً، فذهب بأولادهن ذلك العام.
وهذا إسناد رجاله ثقات.
واللّه أعلم.
وقد تقدّم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب ﵇ حين فارق خاله لابان أنّه أطلق له ما يولد من غنمه بُلقًا، ففعلَ نحو ما ذكر عن موسى ﵇.
فالله أعلم.
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٢٩ - ٣٢].
تقدم أنّ موسى قضى أَتَمَّ الأجلين وأكملهما، وقد يؤخذ هذا من قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾.
وعن مجاهد أنّه أكمل عشرًا وعشرًا بعدها.
وقوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي: من عند صهره ذاهبًا، فيما ذكره غير واحد من المفسّرين وغيرهم، أنّه اشتاق إلى أهله، فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختفٍ، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها في مدَّة مقامه، قالوا:واتّفق ذلك في ليلةٍ مظلمةٍ باردةٍ، وتاهوا في طريقهم، فلم يهتد إلى السّلوك في الدَّرب المألوف، وجعل يوري (٤) زناده فلا يوري شيئًا، واشتدّ الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بُعدٍ نارًا تأجّج في جانب (٥) الطّور، وهو الجبل الغربيّ منه عن يمينه، فقال لأهله: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾، وكأنَّه -واللّه أعلم- رآها دونهم، لأنّ هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا تصلح رؤيتها لكلِّ أحدٍ، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، أي: لعلّي أستعلم من عندها عن الطريق، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ فدلّ على أنّهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلةٍ باردةٍ ومظلمةٍ؛ لقوله في الآية الأخرى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ٩ - ١٠]، فدلّ على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق.
وجمع الكلّ في قوله في النمل: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ
(١) الذنوب: الدلو.
(٢) السمر، بفتح السين وضم الميم: ضرب في شجر الطلح، واحدته: سَمُرة.
(٣) يقال: رفّ لونه يرفُّ، بالكسر، رفًّا ورفيفًا، بَرَقَ وتلألأ، اللسان (رفف).
(٤) يوري: يقدح.
(٥) جبل الطور: جبل بالقرب من مصر عند موضع يسمى مدين، وعليه كان الخطاب الثاني لموسى ﵇ عند خروجه من مصر ببني إسرائيل.
مختارات

