قصة أيوب عليه السلام (٢)
قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الأنبياء:﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥ - ٨٦] وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضًا في سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧] فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونًا مع هؤلاء السادة الأنبياء، أنه نبيٌّ عليه من ربِّه الصلاة والسلام، وهذا هو المشهور.
وقد زعمَ آخرون أنَّه لم يكن نبيًّا وإنما كان رجلًا صالحًا وحكمًا مُقْسطًا عادلًا.
وتوقَّفَ ابنُ جرير في ذلك، فاللّه أعلم.
وروى ابن جُريج ) وابن أبي نَجيح: عن مجاهد: أنه لم يكن نبيًّا وإنما كان رجلًا صالحًا، وكان قد تكفَّلَ لبني قومه أن يكفيَه أمرَهم ويقضي بينهم بالعدل، فسُمِّي ذا الكفل ).
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم: من طريق داود بن أبي هند: أنه قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفتُ رجلًا على النَّاس يعملُ عليهم في حياتي، حتى أنظرَ كيف يعملُ، فجمعَ النَّاسَ، فقال: منْ يتقبَّلْ لي بثلاث أستخلفْه؟ يصومُ النهارَ، ويقومُ اللَّيلَ، ولا يغضب.
قال: فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا.
فقال: أنتَ تصومُ النَّهارَ، وتقومُ الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم.
قال: فردَّهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكتَ النَّاس، وقام ذلك الرجل، فقال: أنا.
فاستخلفَه.
قال: فجعلَ إبليسُ يقولُ للشياطين: عليكم بفلان.
فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإيَّاه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينامُ اللَّيلَ والنَّهارَ إلا تلك النومة، فدقَّ البابَ، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم.
قال: فقامَ ففتحَ البابَ، فجعلَ يقصُّ عليه.
فقال: إن بيني وبين قومي خصومةً، وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا، حتى حضرَ الرَّواح وذهبتِ القائلة، وقال: إذا رحتُ فأتني آخذ لك بحقِّك، فانطلقَ وراح، فكان في مجلسه فجعلَ ينظرُ هل يرى الشيخِ فلم يره، فقامَ يتبعُه فلما كان الغد جعلَ يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه.
فلما رجعَ إلى القائلة فأخذ مضجعَه، أتاه فدقَّ البابَ، فقال: من هذا؟ فقال:الشيخ الكبير المظلوم.
ففتحَ له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدتُ فأتني؟ فقال: إنهم أخبثُ قوم، إذا عرفوا أنَّك قاعدٌ قالوا:نحن نُعطيك حقكَ، وإذا نمتَ جَحدوني.
قال: فانطلقْ، فإذا رحت فأْتني.
قال: ففاتته القائلةُ فراحَ، فجعلَ ينتظر فلا يراه، وشقَّ عليه النُّعاسُ، فقال لبعض أهله: لا تدعُنَّ أحدًا يقربُ هذا الباب حتى أنام، فإني قد شقَّ علي النوم.
فلما كان تلك الساعة جاء، فقال له الرجل: وراءَك وراءَك.
قال: إني قد أتيتُه أمس فذكرتُ له أمري.
فقال: لا والله لقد أمرنا ألا ندعَ أحدًا يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوَّةً في البيت، فتسوَّر منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدقُّ البابَ من داخل.
قال: فاستيقظَ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك؟ قال:أما من قبلي والله فلم تُؤْت فانظرْ من أين أُتيت.
قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقَه، وإذا الرجل معه في البيت فعرَفه، فقال: أعدوَّ الله؟ قال: نعم، أعييتني في كلِّ شيءٍ، ففعلتُ ما ترى لأغضبنَّك، فسمَّاه الله ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفَّى به ).
وقد روى ابن أبي حاتم ) أيضًا عن ابن عبَّاس قريبًا من هذا السياق.
وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث، ومحمد بن قيس، وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحوُ هذا.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو الجماهر، أنبأنا سعيد بن بشير، حدَّثنا قتادة، سمعت الأشعري -يعني أبا موسى ﵁ وهو على هذا المنبر- يقول: ما كان ذو الكفل نبيًا، ولكن كان رجلًا صالحًا، يُصلّي كلَّ يوم مئة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده، يُصلَّي كلَّ يوم مئة صلاة فسُمِّي ذا الكفل
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو موسى الأشعري: فذكره منقطعًا.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد ): حدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال: سمعتُ من رسول الله ﷺحديثًا لو لم أسمعْه إلا مرَّةً أو مرتين، حتى عدَّ سبع مرار،ولكن قد سمعتهُ أكثرَ من ذلك قال: "كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورَّع من ذنب عملَه، فأتته امرأةٌ فأعطاها ستينَ دينارًا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعدَ الرجل من امرأته أرعدتْ وبكت، فقال لها: ما يُبكيك أكرهتُك؟قالت: لا، ولكن هذا عملٌ لم أعملْه قطُّ، وإنما حملتني عليه الحاجةُ.
قال: فتفعلينَ هذا ولم تفعليه قطّ.
ثم نزل،فقال: اذهبي بالدنانير لكِ.
ثم قال: والله لا يَعصي الله الكِفْلُ أبدًا، فمات من ليلته فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل" ).
ورواه الترمذي ) من حديث الأعمش به وقال حسن، وذَكَرَ أن بعضَهم رواه فوقفه على ابن عمر، فهو حديثٌ غريب جدًا.
وفي إسناده نظر، فإن سعدًا هذا قال أبو حاتم:لا أعرفه إلا بحديث واحد، ووثَّقه ابنُ حبَّان، ولم يروه عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا، واللّه أعلم.
[وإن كان محفوظًا فليس هو ذا الكفل، وإنما لفظ الحديث:الكفل، من غير إضافة، فهو رجلٌ آخر غير المذكور في القرآن، فالله أعلم].
* * *
باب ذكر أممٍ أُهلكوا بعامّة
وذلك قبل نزول التوارة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣] الآية.
كما رواه ابن جرير ) وابن أبي حاتم والبزار: من حديث عوف الأَعْرابي، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: ما أهلكَ الله قومًا بَعذابٍ من السَّماء أو من الأرضِ بعدما أُنزلت التوراة على وجه الأرض، غير القرية التي مُسِخوا قردةً، ألم ترَ أنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣].
ورفعه البزار في رواية له، والأشبه والله أعلم وقفه، فدلَّ على أن كل أمة أُهلكت بعامة قبل موسى ﵇، فمنهم:
أصحاب الرس:
قال الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨ - ٣٩].
وقال تعالى في سورة ق: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢)وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٢ - ١٤] وهذا السياق والذي قبلَه يدلُّ على أنهم أُهلكوا ودُمِّروا وتُبِّرُوا، وهو الهلاك.
وهذا يردُّ اختيارَ ابن جرير ) من أنهم أصحاب الأخدود الذين ذُكروا في سورة البروج، لأنَّ أولئك عند ابن إسحاق وجماعة كانوا بعدَ المسيح ﵇، وفيه نظر أيضًا.
وروى ابن جريج قال: قال ابن عباس: أصحابُ الرَّسِّ أهلُ قريةٍ من قُرى ثمود ).
وقد ذكرَ الحافظُ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق، عن تاريخ أبي القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة وغيره؛ أنَّ أصحابَ الرَّسِّ كانوا بحَضُور )، فبعثَ الله إليهم نبيًا يُقال له:حنظلة بن صفوان، فكذبوه وقتلوه، فسارَ عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح بولده من الرسِّ، فنزلَ الأحقاف، وأهلكَ الله أصحابَ الرَّسِّ، وانتشروا إلى اليمن كلها، وفشوا مع ذلك في الأرض كلها، حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح دمشق، وبنى مدينتها وسمَّاها جيرون، وهي إرم ذات العماد، وليس أعمدة الحجارة في موضعٍ أكثر منها بدمشق، فبعثَ الله هودَ بن عبد الله بن رَباح بن خالد بن الخلود بن عاد إلى عاد، يعني أولاد عاد بالأحقاف، فكذبوه، وأهلكهم الله ﷿، فهذا يقتضي أنَّ أصحابَ الرسِّ قبلَ عادٍ بدهور متطاولة، فالله أعلم.
وروى ابن أبي حاتم: عن أبي بكر بن أبي عاصم، عن أبيه، عن شَبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:الرَّسُّ بئر بأذربيجان.
وقال الثوري: عن أبي بكر، عن عكرمة، قال: الرَّسُّ بئر رسُّوا فيها نبيّهم، أي: دفنوه فيها.
وقال ابن جُرَيْج: قال عكرمة: أصحابُ الرَّسِّ بفَلَج، وهم أصحاب يس.
وقال قتادة: فَلج: من قرى اليمامة.
قلت: فإن كانوا أصحاب يس كما زعمَه عكرمة، فقد أُهلكوا بعامَّة، قال الله تعالى في قصتهم: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] وستأتي قصَّتُهم بعد هؤلاء، وإن كانوا غيرَهم -وهو الظاهر- فقد أُهلكوا أيضًا وتُبِّروا.
وعلى كل تقديرٍ فيُنافي ما ذكرَه ابن جرير.
وقد ذكرَ أبو بكر محمد بن الحسن النَّقَّاش: أنَّ أصحابَ الرَّسِّ كانت لهم بئر ترويهم، وتكفي أرضَهم جميعها، وكان لهم مَلِكٌ عادلٌ حَسَنُ السِّيرة، فلما ماتَ وجدوا عليه وَجْدًا عظيمًا، فلما كان بعد أيام تصوَّر لهم الشيطان في صورته،وقال: إني لم أمتْ، ولكنْ تغيَّبتُ عنكم حتى أرى صنيعَكم، ففرحوا أشدَّ الفَرح، وأمر بضربِ حجابٍ بينهم وبينَه، وأخبرَهم أنَّه لا يموتُ أبدًا، فصدَّق به أكثرُهم، وافتتنوا به وعبدوه، فبعثَ الله فيهم نبيًّا وأخبرَهم أنَّ هذا شيطانٌ يُخاطبهم من وراء الحجاب، ونهاهم عن عبادِته وأمرهم بعبادة الله وحدَه لا شريك له.
قال السهيلي: وكان يُوحى إليه في النوم، وكان اسمه حنظلة بن صفوان، فعدوا عليه فقتلُوه وألقَوه في البئر، فغارَ ماؤُها، وعطشو ا بعد ريِّهم، ويَبِسَتْ أشجارُهم، وانقطعتْ ثمارُهم، وخربت ديارُهم، وتبدّلوا بعد الأنس بالوحشة، وبعد الاجتماع بالفرقة، وهلكوا عن آخرهم وسكنَ في مساكنهم الجنُّ والوحوش، فلا يُسمع ببقاعهم إلا عزيف الجن وزئير الأسود، وصوتُ الضِّباع.
فأما ما رواه -أعني ابن جرير- عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، قال:قال رسول الله ﷺ: "إنَّ أوَّل الناس يدخل الجنَّة يوم القيامة العبدُ الأسود".
وذلكَ أنَّ الله تعالى بعثَ نبيًا إلى أهل قرية، فلم يؤمنْ به من أهلها إلا ذلك الأسود.
ثم إنَّ أهلَ القرية عَدَوْا على النبيِّ فحفروا له بئرًا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر أصمّ.
قال: فكان ذلك العبدُ يذهبُ فيحتطبُ على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعامًا وشرابًا، ثم يأتي به إلى ذلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويُعينه الله عليها، ويُدلِّي إليه طعامه وشرابه، ثم يردُّها كما كانت.
قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون.
ثم إنه ذهبَ يومًا يحتطبُ كما كان يصنعُ، فجمعَ حطبَه، وحزمَ حِزْمته، وفرغَ منها، فلما أراد أن يحملها وجد سنةً، فاضطجعَ ينامُ، فضربَ الله على أذنه سبعَ سنين نائمًا، ثمّ إنَّه هبَّ فتمطَّى، وتحوَّل لشقِّه الآخر، فاضطجعَ فضربَ الله على أذنه سبعَ سنين أخرى، ثم إنَّه هبَّ واحتملَ حزمته ولا يحسبُ أنه نام إلا ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباعَ حزمته، ثم اشترى طعامًا وشرابًا كما كان يصنع.
ثم إنه ذهبَ
إلى الحفرة، إلى موضعها الذي كانت فيه، فالتمسَه فلم يجدْه، وقد كان بدا لقومه فيه بِدَاءً، فاستخرجُوه وآمنوا به وصدَّقوه.
قال: فكان نبيُّهم يسألُهم عن ذلك الأسود ما فعل؟فيقولون له: ما ندري حتّى قبضَ الله النبيَّ ﵇، وأهبَّ الأسودُ من نومه بعد ذلك.
فقال رسول الله ﷺ: "إنَّ ذلك الأسود لأوَّل من يدخل الجنَّة" )، فإنَّه حديثٌ مرسلٌ، ومثله فيه نظر.
ولعل بَسْطَ قِصَّته من كلام محمد بن كعب القرظي، والله أعلم.
ثم قد ردَّه ابن جرير ) نفسه، وقال: لا يجوز أن يُحملَ هؤلاء على أنهم أصحابُ الرسِّ المذكورون في القرآن.
قال:لأن الله أخبرَ عن أصحاب الرَّسِّ أنه أهلكهم، وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيِّهم، اللَّهُمَّ إلا أن يكونَ حدثت لهم أحداثٌ آمنوا بالنبيِّ بعد هلاك آبائهم، والله أعلم.
ثم اختارَ أنَّهم أصحابُ الأخدود وهو ضعيفٌ لما تقدم، ولما ذُكرَ في قصَّة أصحاب الأخدود حيث تُوعِّدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا، ولم يذكرْ هلاكَهم، وقد صرَّح بهلاك أصحاب الرَّسِّ، والله أعلم.
* * *
ومنهم أصحابُ القرية أصحاب يس
قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ١٣ - ٢٩].
اشتُهر عن كثير من السلف والخلف؛ أنَّ هذه القرية "أنطاكية" رواه ابن إسحاق )، فيما بلغَه عن ابن عبَّاس، وكعب الأحبار، وَوَهْبِ بن مُنَبِّه، وكذا رُوي عن بُريدة بن الحصيب، وعكرمة، وقتادة، والزُّهْري وغيرهم، قال ابن إسحاق، فيما بلغه عن ابن عبَّاس وكعب ووهْب أنهم قالوا:وكان لها مَلِكٌ اسمُه "أنطيخس" ) بن أنطيخس، وكان يعبدُ الأصنامَ، فبعثَ الله إليه ثلاثًا من الرسل، وهم: صادق، وصدوق، وشلوم، فكذَّبهم.
وهذا ظاهرٌ أنهم رسلٌ من الله ﷿، وزعمَ قتادة ) أنهم كانوا رسلًا من المسيح.
وكذا قال ابن جرير ): عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجُبَّائي: كان اسم المرسلين الأوَّليين: شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولص، والقرية أنطاكية.
وهذا القول ضعيفٌ جدًا؛ لأن أهل "أنطاكية" لما بعثَ إليهم المسيحُ ثلاثةً من الحواريينَ كانوا أوَّلَ مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها بتاركةُ النَّصارى وهن: أنطاكية، والقدس، وإسكندرية، ورومية.
ثم بعدها إلى القسطنطينية، ولم يهلكوا، وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أُهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] لكنْ إن كانت الرسلُ الثلاثة المذكورون في القرآن بُعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذَّبوهم وأهلكهم الله، ثم عمُرتْ بعد ذلك؛ فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا، والله أعلم.
فأما القولُ بأن هذه القصَّة المذكورة في القرآن هي قصَّةُ أصحاب المسيح، فضعيف لما تقدَّم، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله.
قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ يعني لقومك يا محمد ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ ويعني المدينة ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: أيدناهما بثالث في الرسالة ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فردّوا عليهم بأنَّهم بشرٌ مثلُهم كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم يستبعدونَ أنْ يبعثَ الله نبيًّا بشريًّا، فأجابوهم بأن الله يعلمُ أنَّا رسلُه إليكم، ولو كنَّا كذَّبنا عليه لعاقبَنا وانتقم منَّا أشدَّ الانتقام ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: إنما علينا أن نُبلِّغكم ما أرسلنا به إليكم، والله هو الذي يَهدي منْ يشاءُ ويُضلُّ منْ يشاء ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: تشاءمنا بما جئتمونا به ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال، ويُؤيِّد الأوَّلَ قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فوعدُوهم بالقتل والإهانة.
﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: مردودٌ عليكم ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: بسبب أنَّا ذكَّرناكم بالهدى، ودعوناكم إليه تَوعَّدْتُمونا بالقتل والإهانة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي: لا تقبلون الحق ولا تريدونه.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ يعني لنصرة الرُّسل وإظهار الإيمان بهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي: يدعونكم إلى الحقِّ المَحْضِ بلا أجرة ولا جُعالة، ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفعُ شيئًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن تركتُ عبادة الله وعبدتُ معه ما سواه.
ثم قال مخاطبًا للرسل: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قيل: فاسمعوا مَقالتي واشهدوا لي بها عندَ ربكم.
وقيل: معناه: فاسمعوا يا قومي إيماني برسُل الله جهرةً.
فعند ذلك قتلوه، قيل: رجمًا، وقيل: عضًّا.
وقيل: وثبوا إليه وثبةَ رجُل واحدٍ فقتلُوه.
وحكى ابن إسحاق: عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود، قال: وَطِئوه بأرجلهم حتَّى أخرجوا قُصْبَه.
وقد روى الثوري ): عن عاصم الأحول، عن أبي مَجْلز، كان اسمُ هذا الرجل حبيب بن مُرِّي.
ثم قيل: كان نجَّارًا.
وقيل: حبَّالًا.
وقيل: إسكافًا.
وقيل: قصَّارًا.
وقيل: كان يتعبَّدُ في غار هناك، فالله أعلم.
وعن ابن عبَّاس ): نكان حبيبُّ النَّجَّارُ قد أسرعَ فيه الجُذام، وكان كثيرَ الصَّدقة، قتلَه قومه.
ولهذا قال تعالى:﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ يعني لما قتله قومُه أدخلَه الله الجنَّة، فلما رأى فيها من النُّضْرة والسرور ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني ليؤمنوا بما آمنتُ به، فيحصل لهم ماحصلَ لي.
قال ابن عباس: نصحَ قومه في حياته ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ رواه ابن أبي حاتم ).
وكذلك قال قتادة (٥): لا يُلقى المؤمنُ إلا ناصحًا، لا يُلقى غاشَّا لما عاين من كرامة الله.
﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ تمنَّى والله أن يعلمَ قومه بما عاينَ من كرامة الله، وما هو عليه.
قال قتادة: فلا والله ما عاتبَ الله قومَه بعد قتله ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي: ما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جُنْدٍ من السماء عليهم، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق ): عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود.
وقال مجاهد وقتادة: وما أنزلَ عليهم جُنْدًا، أي: رسالةً أخرى.
قال ابن جرير ): والأوَّلُ أولى.
قلت: وأقوى.
ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي: وما كنا نحتاجُ في الانتقام إلى هذا حين كذَّبوا رسلنا، وقتلوا وَليَّنا ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
قال المفسرون: بعثَ الله إليهم جبريلَ ﵇، فأخذَ بعضادتي الباب الذي لبلدهم، ثم صاحَ بهم صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون، أي: قد أُخمدتْ أصواتُهم، وسكنتْ حركاتُهم، ولم يبق منهم عينٌ تَطْرُفُ.
وهذا كلُّه مما يدلُّ على أن هذه القرية ليست أنطاكية، لأن هؤلاء أُهلكوا بتكذيبهم رسلَ الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتَّبعوا رسلَ المسيح من الحواريِّين إليهم، فلهذا قيل:إن أنطاكية أوَّلُ مدينة آمنتْ بالمسيح.
فأما الحديث الذي رواه الطبراني: من حديث حسين الأشقر، عن سُفيان بن عُيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مُجاهد، عن ابن عبَّاس، عن النبي ﷺ قال: "السَّبْقُ ثلاثة: فالسابق إلى موسى يُوشع بن نون، والسابقُ إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد عليُّ بن أبي طالب" ) فإنه حديث لا يثبتُ، لأن حُسينًا هذا متروك وشيعيٌّ من الغلاة، وتفرده بهذا مما يدلُّ على ضعفه بالكليَّة، والله أعلم.
مختارات

