(خلق الإنسان من عجل)
قال سعيد بن جبير والسدي وقتادة واختاره الطبري
أي من عجل في خلقته وبنيته واختار ابن عطية أن معناه لشدة عجلة الإنسان كأنه خلق من العجلة والمعنى متقارب.
أي أنه في طبعه وجبلته الاستعجال.
والناس يعرفون هذه الصفة من أنفسهم ومن أبناء جنسهم ويرون سرعة ضجرهم ومللهم وتوقهم إلى التغيير وتشوفهم إلى ما ينتظرون.
وربما ظن الإنسان لأول وهلة أن هذه الصفة التي ذكرت في سياق الذم لها تقتصر على اختيارات الإنسان أو بعض أفعاله أو ع غضبه أو انفعالاته
والحقيقة أنه هذه الصفة إن لم يجاهدها غالبة على كل أحواله مفسدة لحياته متغصة لملذاته
فهو مهما أسرعت به الحياة بتوق للإسراع أكثر
وفي زماننا قصة مؤلمة من آثار هذه الجبلة النزقة
وهو التسريع المنهك لإيقاع الحياة فلا يكاد الإنسان يستطيع التقاط أنفاسه أو التلذذ بنعمة حتى يتطلع للانتقال عتها فلا يهنأ بمكان ولا بلدة ولا مجلس ولا مركب ولا ملبس ولا مطعم ولا صاحب حتى ينزع إلى مفارقته والانتقال عنه والقيام لغيره
وهو كائن ضعيف لا يقوى على دوام الإسراع وأعباء التبديل وعذابات الرحلة
فيرهق منه الجسد والروح معا
فلا جسده خلق لهذا الترحال ولا روحه مطيقة لكل هذا التنقل
وهو مسرع لاهث الإنفاس لا يكاد يتراد نفسه ليذوق لذة
وذم عجلة الإنسان في القرآن في أكثر من موضع يتطلب من المؤمن أن يجاهد نفسه في تبطئة إيقاع حياته ومقاومة جنون التغيير الذي يختطفه على الدوام
وأن يكبح رغبته العارمة في مطلق التنقل
وأن يتداوى من إدمان الشخوص الدائم نحو الجديد
فلا يهنأ بجديد حتى يكون قديما بمجرد الوصول إليه.
ومن عحائب الإنسان أنه يطلب الهدوء والسكينة بالحركة والانتقال والتبديل ويصنع لنفسه الوهم أنه إذا وصل هذه المحطة ارتاح وهدأت نفسه فلا يزال في المسير يطلب المحطة النهائية في اضطراب مستمر وانزعاج لا يتوقف والمحطة المنشودة سراب.
والشيطان يعرف ضعف ابن آدم ونزقه الجبلي فيغريه بالملاذ الغائبة والديار البعيدة فيقوض خيمة سكونه ويشد رحله وينبعث في المفاوز لا يلوي على شيء.
يا صاح.
أوقف الأصوات التي تستنهضك إلى البحث عن ملاذ جديدة بينما لم تهنأ بعد بما أنت فيه.
لأنك إن لم توقفها هنا لن تترك في الموضع الذي تتطلع للذهاب إليه حتى تستثيرك للقيام فلا تلقى عصا التسيار حتى تنقطع الإنفاس وتذوي الحياة
انزل من هذا القطار المندفع
فلم تخلق لتكون عربة فيه.
مختارات

