فقه السنة النبوية (٣)
وحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - تشتمل على ثلاثة أمور:
فرائض حياة.
وطريقة حياة.
ومقصد حياة.
فالله تبارك وتعالى فرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته فرائض، وهي العبادات التي بين العبد وربه كالصلوات وصيام رمضان والحج ونحوها، والمعاملات التي بين العبد والخلق كأداء الزكاة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والعدل في المعاملات، والصدق وحسن الخلق، واجتناب الكذب والغش والأخلاق السيئة، وأداء الحقوق.
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ».
قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قال: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» أخرجه مسلم (١).
وأما طريقة الحياة فالله بعث رسوله - صلى الله عليه وسلم - داعياً إلى التوحيد والإيمان، والأعمال الصالحة، والآداب الحسنة، والأخلاق الطيبة، فالإنسان ليس كالبهائم يأكل ما شاء، وينام كيف شاء، وينكح ما شاء، ويقضي حياته كيف شاء.
بل الله تبارك وتعالى أكرم الإنسان، ومنَّ عليه بالإيمان، وأكرمه بالدين الذي فيه تبيان كل شيء، وأكرمه بالعقل والعلم الذي يعرف به ما ينفعه وما يضره، ومن يستحق أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
فخلق الله سبحانه الإنسان وأنزل له الدين الذي ينظم طريقة حياته من حين يولد إلى أن يموت كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣].
فبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا يأكل المسلم.
وكيف يأكل.
وماذا يقول عند الأكل.
وماذا يقول بعد الأكل؟.
وبيَّن ما يشرب المسلم.
وكيف يشرب.
وماذا يقول عند الشرب.
وماذا يقول بعد الشرب؟.
وبين ما يلبس المسلم.
وكيف يلبس.
وماذا يقول عند اللبس؟.
وبين ما يركب المسلم.
وكيف يركب.
وماذا يقول عند الركوب؟.
وبين متى ينام المسلم.
وكيف ينام.
وماذا يقول عند النوم.
وماذا يفعل عند النوم.
وماذا يقول بعد النوم؟.
وبين متى يسافر المسلم.
ومتى يغزو المسلم.
وماذا يقول عند السفر.
وماذا يقول بعد الوصول من السفر.
وبين ماذا يسمع المسلم.
وماذا يرى المسلم.
وبماذا يتكلم المسلم.
وماذا يفعل عند المرض.
وماذا يفعل عند الخوف.
وماذا يقرأ المسلم.
وماذا يفعل عند النكاح.
وماذا يفعل عند الوضوء.
وماذا يفعل عند الأذان.
وماذا يفعل عند الصلاة؟.
وبين - صلى الله عليه وسلم - ماذا يفعل المسلم عند الحرب.
وماذا يفعل عند لقاء العدو.
وماذا يفعل به عند موته ودفنه؟
وبين ماذا يفعل بماله.
وكيف يكسب المال.
وكيف ينفقه.
وكيف يزكيه.
وكيف ينميه؟.
وبين - صلى الله عليه وسلم - كيف يعامل الرجل زوجه.
وكيف يعامل أولاده.
وكيف يعامل والديه.
وكيف يعامل صديقه.
وكيف يعامل عدوه.
وكيف يعامل البهائم؟.
وبين - صلى الله عليه وسلم - بم يعامل المحسن.
وبم يعامل الظالم.
وبم يعامل الصائل.
وبماذا يعاقب الزاني أو السارق أو القاتل؟
وبين جميع أحكام الحلال والحرام.
وأحكام البيع والشراء.
وأحكام السلم والحرب.
وأحكام الأمن والخوف.
تلقى - صلى الله عليه وسلم - كتاب ربه، وأحل حلاله وحرم حرامه، وتخلق بأخلاقه.
وتأدب بآدابه، فكان أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً، وكان خلقه القرآن الذي فيه كل خير، وفيه تبيان كل شيء، وتفصيل كل شيء، فكانت حياته - صلى الله عليه وسلم - تفسيراً لهذا القرآن العظيم، فعلى الأمة كافة أن تقتدي به.
قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)} [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
وأما مقصد الحياة فهي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)} [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
والله عزَّ وجلَّ أرسل رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالدين الكامل، وللحصول على النعيم الكامل لا بدَّ لكل مسلم من القيام بالدين الكامل: تعلم الدين.
والعمل بالدين.
وتعليم الدين.
والدعوة إلى الدين: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)} [آل عمران: ٣٢].
وليس للناس من يقتدون به إلا من اختارهم الله واصطفاهم من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ورباهم وأرسلهم بالدين الحق، خاصة سيدهم وأفضلهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وأرسله للناس أجمعين.
فمن آمن به وأطاعه واقتدى به فله الجنة، ومن عصاه شقي في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)} [التوبة: ٧١].
وماذا أعد الله لهؤلاء من النعيم المقيم والرضوان من الكريم: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)} [آل عمران: ٧٤].
وقد وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - كل من أطاعه بدخول الجنة، وأوعد من عصاه بدخول النار كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ أمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أبَى».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى» أخرجه البخاري (٢).
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
(١) أخرجه مسلم برقم (٢١٦٢).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٧٢٨٠).
مختارات

