فقه السنة النبوية (٢)
والله يأمرنا أن نستجيب له طائعين مختارين، وإن كان الله سبحانه قادراً على قهر الناس على الهدى لو أراد، فإنه وحده الذي يحول بين المرء وقلبه، ويصرفه كيف شاء، ويقلبه كما يريد، وصاحبه لا يملك منه شيئاً، وهو قلبه الذي بين جنبيه.
إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة، والحذر الدائم، لخلجات القلب، والحذر من كل هاجسة فيه؛ لئلا ينزلق فيما حرَّم الله.
والتعلق الدائم بالله سبحانه مخافة أن يقلب هذا القلب في غفلة من غفلاته.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - المعصوم يكثر من دعاء ربه بقوله: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» أخرجه أحمد والترمذي (١).
فكيف بنا ونحن غير مرسلين ولا معصومين؟.
فالقلوب كلها بيديه سبحانه، والناس محشورون إليه، فلا مفر لأحد.
ومع هذا الله يدعونا للاستجابة إليه استجابة الحر المأجور، لا استجابة العبد المقهور.
ولولا الله تبارك وتعالى ما زكى أحد أبداً، ولكن الله أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - للناس كافة، وبعثه إليهم بالهدى ودين الحق: ليطهر أرواحهم وقلوبهم من دنس الشرك ولوثة الجاهلية وخرافاتها.
ويطهرهم من لوثة الشهوات والنزوات التي تزري بهم إلى أقل من رتبة الأنعام.
ويطهر مجتمعهم من الربا والسحت، والغش والكذب، والسلب والنهب.
ويطهر حياتهم من الظلم والبغي والعدوان بنشر العدل والإحسان والرحمة.
ويطهرهم من كل ما لا يليق بكرامتهم، ويتنافى مع إنسانيتهم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)} [الجمعة: ٢].
وكمال الإنسان يتم بخمسة أمور:
الإيمان.
والعلم.
والعبادة.
والدعوة.
والتقوى.
وقد جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الأمة وهي خالية من هذه الصفات، فنقلها بتوفيق الله وعونه تدريجياً إلى هذه القمة السامقة:
من الكفر إلى الإيمان.
ومن الشرك إلى التوحيد.
ومن الجهل إلى العلم.
ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الله.
ومن الظلم إلى العدل.
ومن الضلال إلى الهدى.
ومن الإثم والعدوان إلى البر والتقوى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)} [آل عمران: ١٦٤].
وعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - هو عمل الأمة من بعده، كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
وكل حديث صحيح حجة على جميع الأمة، يجب العمل به والأخذ بمضمونه ما لم ينسخ، أو يخصص، كما يجب العمل بحكم كل آية في كتاب الله ما لم تنسخ أو تخصص، فالسنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول التشريع بعد القرآن الكريم.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو المبلغ عن ربه ما يوحى إليه، والذي أوحي إليه هو الكتاب والحكمة، والحكمة هي ثمرة هذا الكتاب، وهي مكملة للكتاب في بيان أحكام الدين.
والسنة في الجملة موافقة للقرآن الكريم تؤكد ما جاء فيه، وتفسر مبهمه، وتفصل مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتشرح أحكامه، وتزيد أحياناً على ما جاء فيه كما سبق.
والأحكام التي استقلت بها السنة لا تقل في المنزلة عن الأحكام التي جاء بها القرآن، فكلاهما وحي من عند الله كما قال سبحانه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)} [النجم: ٣، ٤].
والأحاديث النبوية هي مفتاح العلوم الشرعية، ومشكاة الأدلة السمعية، وكشاف المسائل العلمية والعملية، تتفجر منها ينابيع الحكم، وتدور عليها رحى الشرع بالأثر.
وهي ملاك كل أمر ونهي، ولولاها لقال من شاء ما شاء، وخبط الناس خبط عشواء، وركبوا فتناً عمياء.
وللسنة أن تنفرد في التشريع حين يسكت القرآن عن التصريح، ولها أن تقوم بوظيفة البيان حين يترك لها التفصيل والتوضيح، فالشرع الإسلامي قائم على أصلين هما الكتاب والسنة.
وقد فرض الله على الناس الإيمان به وبرسوله، واتباع وحيه وسنن رسوله، وطاعته وطاعة رسوله كما قال سبحانه: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)} [الأعراف: ١٥٨].
فالقرآن والسنة هما الإمام الذي يقتدى به، والنور الذي يهتدى به، والحبل الذي يعتصم به، والمنهل الذي يستشفى به.
فمن لم يرضع من درهما، ولم يغرف من بحورهما، ولم يقطف من أزهارهما، ولم يستضيء بنورهما، ولم يرتع في رياضهما، فقد حرم من موائد الإكرام من رب البرية، وباع الشريف بالخسيس، وكرع في حياض العفن والدناءة.
وكلام الله المنزل قسمان:
قسم قال الله لجبريل اقرأ على النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله وقرأه على محمد - صلى الله عليه وسلم - من غير تغيير في لفظه فهذا هو القرآن الكريم.
وقسم قال الله لجبريل قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إن الله يقول: افعل كذا وكذا وأمر بكذا، ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل بذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا هو السنة النبوية.
وجبريل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، وكل وحي نزل من عند الله فهو ذكر منزل، والوحي كله محفوظ بحفظ الله له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون أن لا يضيع منه شيء، ولا يحرَّف منه شيء كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)} [الحجر: ٩].
والوحي الذي أوحي إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أقسام:
الأول: وحي بمعنى الإلقاء والإلهام.
الثاني: وحي من وراء حجاب.
الثالث: وحي بواسطة الملك الكريم جبريل.
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)} [الشورى: ٥١].
والقرآن من قبيل القسم الثالث كما قال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)} [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
فالقرآن قسم واحد من الوحي، والقسمان الآخران كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتلقى أمور الدين وأحكامه عن طريقهما، فقد أنزل الله على رسوله الحكمة كما أنزل القرآن.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم الخلق توكلاً على ربه، وأحسنهم يقيناً عليه.
عَنْ جَابِرٍ، قال: أقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قال: كُنَّا إِذَا أتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أتَخَافُنِي؟ قال: «لا».
قال: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قال: «اللهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ».
قال فَتَهَدَّدَهُ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَأغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ.
متفق عليه (٢).
وهو - صلى الله عليه وسلم - أشفق الناس على أمته، يدلهم على كل ما ينفعهم، ويحذرهم مما يضرهم.
قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)} [التوبة: ١٢٨].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصَابَ أرْضاً، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أجَادِبُ أمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ» متفق عليه (٣).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَاراً، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيه» متفق عليه (٤).
وإذا علمنا ذلك من سيرته - صلى الله عليه وسلم - فعلينا أن نقتدي به في حسن خلقه، وحسن توكله، وكمال شفقته على الأمة وفي سائر أخلاقه وعباداته ومعاملاته ومعاشراته.
وكان - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس أخلاقاً، ما خير بن أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - َيْنَ أمْرَيْنِ إِلا أخَذَ أيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْماً، فَإِنْ كَانَ إِثْماً كَانَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله ِ - صلى الله عليه وسلم - لِنَفْسِهِ إِلا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا».
متفق عليه (٤).
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا».
متفق عليه (٥).
(١) صحيح: أخرجه أحمد برقم (١٢١٣١).
وأخرجه الترمذي برقم (٣٥٢٢)، صحيح سنن الترمذي برقم (٢٧٩٢).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٩١٣)، ومسلم برقم (٨٤٣)، واللفظ له.
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣٤٢٦)، ومسلم برقم (٢٢٨٤) واللفظ له.
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٩١٣)، ومسلم برقم (٨٤٣)، واللفظ له.
(٥) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣٥٦٠)، واللفظ له، ومسلم برقم (٢٣٢٧).
(٦) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣٥٦٢)، واللفظ له، ومسلم برقم (٢٣٢٠).
مختارات

