١- العلم بالله وأسمائه وصفاته (١)
قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)} [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)} [المائدة: ٩٨].
العلم بالله ما قام عليه الدليل، وهو تركة الأنبياء التي يرثها العلماء عنهم، وهو حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين.
وهو الميزان الذي توزن به الأقوال والأعمال والأحوال.
وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين، والغي والرشاد.
وبه يُعرف الله ويُعبد، ويُذكر ويحمد، وبه تُعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام.
وهو حجة الله في أرضه، ونوره بين عباده، وقائدهم ودليلهم إلى ربهم وإلى جنته، ولا دليل إلى الله والجنة إلا الكتاب والسنة.
وأفضل ما اكتسبته النفوس، وحصَّلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان كما قال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)} [المجادلة: ١١].
وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه، والمؤهلون للمراتب العالية في الدنيا والآخرة.
وأكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان، اللَّذَين بهما السعادة والرفعة، وأكثرهم ليس معهم إيمان ينجي، ولا علم يرفع، بل قد سدوا على أنفسهم طرق العلم والإيمان اللَّذين جاء بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا إليهما الأمة.
وكل طائفة اعتقدت أن العلم معها وفرحت به: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)} [المؤمنون: ٥٣].
وأعلى الهمم في طلب العلم طلب علم الكتاب والسنة، والفهم عن الله ورسوله نفس المراد، وعلم حدود المنزل.
وأخس الهمم في طلب العلم من قصر همته على تتبع شواذ المسائل وما لم ينزل، ولا هو واقع، وشغل الأوقات والناس بذلك، وكانت همته معرفة الاختلاف، وتتبع أقوال الناس، وضرب بعضها ببعض، وشحن أذهان الناس بذلك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)} [المائدة: ١٠١].
وأعلى الهمم في باب الإرادة والعمل، أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله، والوقوف مع مراده الديني الأمري.
وأسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله لا غير، فهو إنما يعبد الله لمراده منه، لا لمراد الله منه.
فالأول: يريد الله، ويريد مراده من الله، والثاني يريد من الله وهو فارغ عن إرادته.
ولذة العلم أعظم اللذات، واللذة التي يجد الإنسان طعمها في الحياة، والتي تبقى بعد الموت، وتنفع في الآخرة، هي لذة العلم بالله وأسمائه وصفاته، ولذة مناجاته وعبادته، وهي لذة الإيمان والأعمال الصالحة.
فأطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه سبحانه.
وفضيلة الشيء وشرفه يظهر تارة من عموم منفعته.
وتارة من شدة الحاجة إليه.
وتارة من ظهور النقص والشر بفقده.
وتارة من حصول اللذة والسرور والبهجة بوجوده.
وتارة من كمال الثمرة المترتبة عليه وإفضائه إلى أجلّ المطالب.
وهذه الجهات بأسرها حاصلة للعلم، فإنه أعم شيء نفعاً، وأكثره وأدومه، والحاجة إليه فوق الحاجة إلى الغذاء، بل فوق الحاجة إلى التنفس.
والعلم ملائم للنفوس غاية الملاءمة، والجهل مرض ونقص، وهو في غاية الإيذاء والإيلام للنفس.
والعلوم غذاء للقلوب.
والأطعمة غذاء للأبدان.
والعلوم متفاوتة أعظم التفاوت وأبينه كالأطعمة.
فليس علم النفوس بفاطرها وبارئها ومبدعها، ومحبته والتقرب إليه، كعلمها بالطبيعة وأحوالها.
وشرف العلم تابع لشرف المعلوم، ولا ريب أن أجلّ معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين.
فأجل العلوم وأفضلها وأشرفها هو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، بل هو أصلها كلها.
فإن العلم الإنساني لا يساوي ذرة بالنسبة للعلم الإلهي، وما يعلمه الإنسان من العلوم لا يساوي ذرة بالنسبة لما لا يعلمه، والعلم بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه.
فهو في ذاته سبحانه رب كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف ربه عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، والأنعام السائمة خير منه.
ولا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم للقلب من معرفة ربه، ومحبة فاطره وباريه، ودوام ذكره، والسعي في مرضاته، وهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه.
وله خلق الخلق.
ولأجله نزل الوحي.
وأرسلت الرسل.
وقامت السموات والأرض.
وخلقت الجنة والنار.
ولأجله شرعت الشرائع، وقام سوق الجهاد، وضربت أعناق من أباه، وآثر غيره عليه.
ولا سبيل إلى الدخول إلى ذلك والمنافسة فيه إلا من باب العلم، فإن محبة الشيء فرع عن الشعور به.
وأعرف الخلق بالله أشدهم حباً له وخضوعاً له وتعظيماً له، والعلم يفتح الباب العظيم الذي هو سر الخلق والأمر.
ومن أحب شيئاً كانت لذته عند حصوله على قدر حبه إياه، والحب تابع للعلم بالمحبوب، ومعرفة جماله الظاهر والباطن.
فلذة النظر إلى الله بعد لقائه بحسب قوة حبه وإرادته، وذلك بحسب العلم به وبصفات كماله.
فالعلم أقرب الطرق إلى أعظم اللذات، وكل ما سوى الله مفتقر إلى العلم، فالخلق والأمر مصدرهما علم الرب وحكمته، وما قامت السموات والأرض إلا بالعلم، وما بعثت الرسل إلا بالعلم، وما أنزلت الكتب إلا بالعلم، ولا عُبد الله وحده وحُمد وأُثني عليه ومُجد إلا بالعلم، ولا عُرف الحلال من الحرام إلا بالعلم، ولا عُرف فضل الإسلام على غيره إلا بالعلم.
ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومحبته وطاعته، والتقرب إليه، وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته، والله يستحقه لذاته.
وهو سبحانه المحبوب لذاته، الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتأله إلا له، فهو يستحق ذلك؛ لأنه أهل أن يُعبد، ولو لم يخلق جنة ولا ناراً، ولو لم يضع ثواباً ولا عقاباً.
فهو سبحانه يستحق غاية الحب والطاعة والثناء والمجد والتعظيم لذاته، ولما له من أوصاف الكمال والجلال والجمال.
وحبه عزَّ وجلَّ والرضا به وعنه، والذلة والخضوع له والتعبد هو غاية سعادة النفس وكمالها، والنفس إذا فقدت ذلك، كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه.
مختارات

