العلم بالله وأسمائه وصفاته (٢)
والطريق إلى العلم بأن الله لا إله إلا هو أمور:
أحدها: بل أعظمها تدبر أسماء الله وصفاته وأفعاله الدالة على كماله وعظمته، وجلاله وجماله، فإن معرفة ذلك يوجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد، وجلال وجمال.
الثاني: العلم بأن الله وحده المتفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المتفرد بالألوهية والعبودية.
الثالث: العلم بأن الله وحده هو المتفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به، ومحبته وعبادته وحده لا شريك له.
الرابع: العلم بنصره لأوليائه، وخذلان أعدائه، فإن ذلك يوجب التعلق به وطاعته، والحذر من معصيته، وإخلاص العبادة له.
الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله، واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك ولا يملك عابدوها نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة، ولا تجلب خيراً، ولا تدفع شراً.
فالعلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله، وتعلق القلب به، وبطلان ألوهية ما سواه.
وتدبر القرآن العظيم والتأمل في آياته هو الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد، ومعرفة الله بآياته ومخلوقاته، ومعرفة جلاله وجماله ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)} [محمد: ٢٤].
وكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الإقبال على الطاعات، والانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)} [فاطر: ٢٨].
والعلم بعظمة الله وكبريائه داع إلى خشيته، وأهل خشيته هم أهل كرامته كما قال سبحانه: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)} [البينة: ٨].
فأشرف العلوم وأزكاها، وأعلاها وأعظمها، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فلا بدَّ للعبد الضعيف العاجز.
الفقير المحتاج.
الظلوم الجهول.
الذي لا يستغني عن ربه طرفة عين أن يعرف ربه الذي يربيه بنعمه الظاهرة والباطنة، وأن يعرف إلهه ومعبوده الذي تكفل بكل ما يحتاجه العباد: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)} [البقرة: ١٨٦].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألُنِي فَأعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي، فَأغْفِرَ لَهُ» متفق عليه (١).
لا بدَّ لهذا العبد أن يعرف أن ربه هو القوي وحده؛ ليستعين به وحده.
ويعرف أن ربه هو الغني وحده؛ ليطلب منه وحده كل ما يحتاجه.
ويعرف أن ربه هو العفو وحده؛ فيطلب منه مسامحته.
ويعرف أن ربه هو الغفور وحده؛ ليطلب منه مغفرة ذنوبه.
ويعرف أن ربه هو الملك وحده؛ فيتوجه إليه بالطاعة والعبودية وحده.
ويعرف أن ربه هو الرحمن؛ ليطلب منه الرحمة.
ويعرف أن ربه هو اللطيف؛ ليسأله اللطف به.
ويعرف أن ربه هو الكريم؛ ليشكره على إحسانه وإنعامه.
ويعرف أن ربه هو العزيز؛ فيطلب منه أن يعزه في الدنيا والآخرة.
ويعرف أن ربه الكبير؛ ليكبره، وأنه العظيم؛ ليعظمه، وأنه الخالق؛ فيخصه بالعبادة وحده دون سواه.
ويعرف أن ربه العليم بكل شيء؛ فيسأله أن يعلمه، ويحذر من معصيته.
ويعرف أن ربه الحي القيوم؛ ليسأله أن يكلأه ويحفظه.
ويعرف أن ربه الرزاق؛ ليسأله أن يرزقه.
وهكذا في بقية الأسماء يتعلمها، ويحفظها، ويعبد الله بمقتضاها: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)} [الأعراف: ١٨٠].
وقد ذكرنا تفصيل العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله في الباب الأول من هذا الكتاب فليرجع إليه.
إن معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله هي الفقه الأكبر، وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وهي أساس دعوة الرسل، إذ لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سعادة ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها وفاطرها ومعبودها، وأن يكون أحب إليها مما سواه، وأن تسعى فيما يقربها إليه دون سائر خلقه.
والعقول محال أن تستقل بمعرفة ذلك فاقتضت رحمة الله أن بعث الرسل إلى خلقه مبشرين ومنذرين، وبه معرفين، وإليه داعين.
وجعل لب دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة الرب المعبود بألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان:
الأول: تعريف الناس بالطريق الموصل إليه، وهو شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.
الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه في الآخرة، من النعيم المقيم لمن أطاعه وآمن به، والعذاب الأليم لمن كفر به وعصاه.
والله عزَّ وجلَّ رؤوف بالعباد، جواد كريم، عفو غفور، وليس العجب من مملوك فقير عاجز يتذلل لله ويتعبد له، ولا يمل من خدمته مع حاجته وفقره إليه.
إنما العجب الذي يأخذ الألباب والعقول من مالك غني قادر يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه، ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه.
والله عزَّ وجلَّ محسن، والعبد مسيء أو مفرط أو مقصر، فطوبى لعبد إن آخذه ربه بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله.
وإن عمل حسنة رآها من منَّته، وإن عمل سيئة رآها من تخلِّيه عنه وخذلانه له.
فإن عذبه عليها فبعدله، وإن غفرها له فبمحض إحسانه وجوده.
ومن أعجب الأشياء:
أن تعرف الله بجلاله وجماله ثم لا تحبه ولا تطيع أمره.
وأن تسمع داعيه يدعوك إليه ثم لا تجيبه.
وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره وتعرض عنه.
وأن تعرف قدر حلمه وعفوه ومغفرته ثم لا تقف ببابه.
وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له بالمنكرات والمعاصي: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)} [الحج: ٤٦].
فسبحان الله ما أضعف بصائر العباد؟.
كيف يُخاف ويُرجى من لا حول له ولا قوة، ولا يملك مثقال ذرة؟.
بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان، ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه.
فإنه على قدر خوفك من غير الله، يسلطه الله عليك، وعلى قدر رجائك لغير الله يكون الحرمان.
وأساس كل خير أن يعلم العبد أن الله يراه ويسمعه، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن مقاليد الأمور كلها بيد الله وحده.
وحينئذ يتيقن العبد أن الحسنات من نعم الله فيشكره عليها.
ويتضرع إليه أن لا يقطعها عنه.
وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فيبتهل إليه أن يحول بينه وبينها، وأن لا يكله في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسه.
والعارف: هو من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدق الله في معاملته، ثم أخلص له في نيته ومقصوده وعمله.
ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة، وآفاته المشينة.
ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثم صبر على أحكام الله في نعمه وبلياته.
ثم دعا إليه على بصيرة بدينه وآياته، ثم جرد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله.
ومن علامات المعرفة بالله حصول الهيبة منه، وحصول السكينة، فمن ازدادت معرفته بربه، ازدادت هيبته وسكينته، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف.
ومن عرف الله تعالى بكماله وجلاله وجماله ضاقت عليه الدنيا بسعتها شوقاً إلى ربه، فالدنيا سجن المؤمن، واتسع عليه كل ضيق؛ لأطمئنانه بربه وثقته به.
ومن عرف الله عزَّ وجلَّ قرت عينه بالله، وقرت عينه بالموت، وقرت به كل عين، وصفا له العيش، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف كل مخلوق.
ومن عرف الله تبارك وتعالى لم يبق له رغبة فيما سواه، ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته به، وتلذذ بذكره وعبادته، وخافه ورجاه، وتوكل عليه وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجله وعظمه على قدر معرفته به.
والعارف لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب، ولا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له على أحد حقاً، ولا يأسف على فائت، ولا يفرح بآت.
ولا يكون العارف عارفاً حتى يكون كالأرض صبوراً يطؤها البر والفاجر، ونافعاً كالسحاب نافعاً يظل كل شيء، وكالمطر يسقي ما يحب وما لا يحب، وكالشمس ينور كل ما مر به.
والعارف ملازم لشيئين:
بكاء على نفسه.
وثناء على ربه.
وذلك لعلمه ومعرفته بنفسه وآفاتها وعيوبها، ومعرفته بربه وكماله وجلاله.
والعارف أنسه بربه، ووحشته ممن يقطعه عنه، أنس بالله فأوحشه من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه عنهم، وذلَّ لله فأعزه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغنى بالله فأحوجهم إليه.
والمعرفة حياة القلب مع الله والأنس به، وعبادته بما يرضيه.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١١٤٥)، واللفظ له، ومسلم برقم (٧٥٨).
مختارات

