فقه التكليف (٣)
فإن الله عزَّ وجلَّ جعل المخلوقات ثلاثة أقسام:
أحدها: ظلوم جهول وهو الآدمي.
الثاني: عالم عادل لا يتطرق إليه الجهل والظلم وهم الملائكة.
الثالث: من ليس بعالم ولا عادل، ولا من شأنه أن يكسب ذلك كالبهائم.
فالبهائم فانية بمراد نفسها عن مراد غيرها.
والملائكة فانية عن مراد نفسها باقية بمراد ربها منقادة مطيعة له.
والآدمي أودع الله فيه قوتين:
قوة ملكية.
وقوة بهيمية.
فتارة يفنى بمراد نفسه، وتارة يفنى بمراد ربه، وبين القوتين تجاذبًا وتزاحمًا، فالملكية تجذب إلى العلو، والبهيمية تجذب إلى السفل، وإذا برزت إحداهما كمنت الأخرى، وهذا سر التكليف.
والله عزَّ وجلَّ يمد هذه.
ويمد هذه.
حسب الطلب: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)} [الإسراء: ٢٠].
والإنسان مركب من جسد وروح، ولكل واحد منهما غذاء خاص، والذي يحاول أن يعطل طاقات الإنسان الجسدية الحيوانية، هو كالذي يحاول أن يعطل طاقاته الروحية، كلاهما يخرج على سواء فطرته، ويريد من نفسه ما لم يرده الخالق له.
وكلاهما يدمر نفسه بتدمير جزء من كيانها الأصيل، وهو محاسب على سوء تصرفه، واختياره ما لم يأذن به الله.
من أجل هذا أنكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على من أراد أن يخرج عن سواء فطرته.
عن أنس - رضي الله عنه - أن نفرًا من أصحاب النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - سَألُوا أزْوَاجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَا بَالُ أقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأنَامُ، وَأصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» متفق عليه (١).
وقد شاء الله تبارك وتعالى أن يخلق البشر باستعداد للهدى والضلال.
وأن يدع مشيئتهم حرة في اختيار أي الطريقين.
ومنحهم بعد ذلك العقل يرجحون به أحد الاتجاهين.
بعد ما بث في الكون من آيات الهدى ما يلمس العين والأذن.
والحس والقلب والعقل، حيثما اتجهت آناء الليل وأطراف النهار.
ثم شاء الرؤوف الرحيم بعد هذا كله.
أن لا يدعهم لهذا العقل وحده.
فوضع لهذا العقل ميزانًا ثابتًا في شرائعه التي جاءت بها رسله.
يثوب إليه العقل كلما غم عليه الأمر.
وهو ميزان ثابت لا تعصف به الأهواء.
ولم يجعل سبحانه الرسل جبارين يلوون أعناق الناس إلى الإيمان.
ولكن جعلهم مبلغين مبشرين ومنذرين، ليس عليهم إلا البلاغ.
يأمرون بعبادة الله وحده.
وينهون عن عبادة ما سواه.
من وثنية وهوى، وشهوة وسلطان: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)} [النحل: ٣٦].
ففريق أطاع الرسل، واستجاب للإيمان والهدى، وفريق عصى الرسل، وشرد في طريق الضلال: {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل: ٣٦].
وهذا الفريق.
وذلك الفريق.
كلاهما لم يخرج عن مشيئة الله.
وكلاهما لم يقسره الله قسرًا على هدى أو ضلال.
وإنما سلك طريقه بما وهبه الله من حرية في الاختيار.
بعدما زوده الله بمعالم الطريق في نفسه وفي الآفاق.
وبعدما أرسل إليه رسله.
وأنزل عليه كتبه.
والمؤمن يرى رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض، وفي ابتلائه في أثناء الخلافة، وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف.
ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله، فلا يتبرم بتكاليفه ولا يضيق بها صدرًا، لأنه يؤمن أن الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه.
وذلك يسكب في قلبه الطمأنينة والراحة والأنس، ويستنهض همة المؤمن وعزيمته للنهوض بتكاليفه، وهو يحس أنها داخلة في طوقه كما أخبر بذلك ربه بقوله سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: ٢٨٦].
وكل إنسان سيرجع إلى ربه بصحيفته الخاصة، وما قيد فيها له أو عليه، فلا يحيل على أحد، ولا ينتظر عون أحد.
ورجعة الناس كلهم إلى ربهم فرادى تجعل كل إنسان يقف مدافعًا عن حق الله فيه تجاه كل إغراء، وكل طغيان، وكل إضلال، وكل إفساد.
فهو مسؤول عن نفسه، وعن حق الله فيها، وحق الله فيها هو طاعته في كل ما أمر به، وفي كل ما نهى عنه، وعبوديته له وحده شعورًا وسلوكًا.
فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والإضلال، أو تحت القهر والطغيان إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فما أحد من العبيد بدافع عنه يوم القيامة، ولا شافع له، وما أحد من العبيد بحامل عنه وزره، ولا ناصر له من الله في اليوم الآخر.
ومن ثم يستأسد كل إنسان في الدفع عن نفسه، والدفاع عن حق الله فيها، ما دام هو الذي سيلقى جزاءه مفردًا وحيدًا.
والمسلم يقوم بالعمل، ودائرة الخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرفه، حين ينتابه الضعف البشري الذي لا حيلة فيه، وحينذاك يتوجه إلى ربه بطلب العفو والسماح: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: ٢٨٦].
ويسأل ربه جل وعلا أن يثبته على الدين، ويصرف عنه الشرك الذي يوقعه في الأصر، وذلك بعبادة الله وحده، وطاعته وحده، وتلقى الشريعة منه وحده.
فالشرك بالله هو الأصر الأكبر الذي أطلق الله عباده المؤمنين منه، فردهم إلى عبادته وحده لا شريك له: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: ٢٨٦].
وكذلك يسأل المؤمنون ربهم أن يرحم ضعفهم، فلا يكلفهم ما لا يطيقون، كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه، وإلا فهي الطاعة المطلقة، والتسليم التام.
إنه طمع الصغير في رحمة الكبير، وطمع الفقير العاجز في رحمة الغني القادر، والاعتراف بالضعف والتقصير لا يمحو آثاره إلا فضل الله العفو الغفور.
فالعبد مقصر مهما حاول الوفاء والكمال، ومن رحمة الله أن يعامله بالعفو والمغفرة والرحمة.
فهلاّ يتوجه المسلم إلى مولاه، ويتوكل عليه، وهو يعمل لإحقاق الحق الذي أمره الله به، والله مولاه ومعزه وناصره كما قال سبحانه: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)} [البقرة: ٢٨٦].
وما الأقوام.
وما العمران.
إن هي إلا حقول من الأناسي كحقول النبات، هذا يسقى بالماء، وذاك يسقى بالوحي، غرس منها يزكو، وغرس منها خبيث، غرس منها ينمو ويثمر، وغرس منها يجف ويموت غرس منها يقبل فيحيا، وغرس منها يرفض فيموت: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)} [الرعد: ٤].
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٥٠٦٣)، ومسلم برقم (١٤٠١) واللفظ له.
مختارات

