أهل التكليف (١)
قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)} [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقال الله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)} [الأنعام: ١٣٠].
وقال الله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)} [الأحقاف: ٢٩].
الجن والإنس هم الثقلان، وهم مكلفون مأمورون منهيون، داخلون تحت شرائع الأنبياء، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الجن كما بعث إلى الإنس.
والجن والإنس كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد - صلى الله عليه وسلم -، واختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبعثة إلى الثقلين هو اختصاص بالبعثة إلى جميعهم لا إلى بعضهم.
ومن قبله من الأنبياء كان يبعث إلى طائفة مخصوصة من الجن والإنس.
والجن والإنس كما هم مأمورون منهيون، فهم كذلك مثابون معاقبون، محسنهم في الجنة، ومسيئهم في النار.
فالجن منهم المسلم والكافر.
والبر والفاجر.
والمطيع والعاصي كالإنس كما قال الله عنهم: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)} [الجن: ١٤، ١٥].
وقال سبحانه: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)} [الجن: ١١].
فالجن ثلاث طبقات:
الصالحون.
ودون الصالحين.
والكفار.
والإنس ثلاث طبقات:
أبرار.
ومقتصدون.
وكفار.
ولما كان الإنس أكمل من الجن، وأتم عقولاً منهم زادوا عليهم بثلاثة أصناف أخرين، ليس منها شيء في الجن وهم:
الرسل.
والأنبياء.
والمقربون.
فليس في الجن صنف من هؤلاء بل جبلتهم الصلاح.
فكفار الجن ككفار الإنس في النار كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)} [الأعراف: ١٧٩].
وقال الله سبحانه: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)} [السجدة: ١٣].
والمؤمنون من الجن كالمؤمنين من الإنس في الجنة، كما قال سبحانه للجن والإنس: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)} [الأنعام: ١٣٢].
وقال الله سبحانه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)} [الرحمن: ٤٦، ٤٧].
والنبي - صلى الله عليه وسلم - رسول رب العالمين، إلى جميع الثقلين الجن والإنس.
والجن مكلفون كتكليف الإنس:
المؤمنون منهم في الجنة.
والكفار منهم في النار.
ففي الجن المؤمنون، والكفار، والمشركون، والفساق، والعصاة.
وفيهم من يعبد الله بعلم، وفيهم من يعبد الله مع الجهل كالإنس.
وكل نوع من الجن يميل إلى نظيره من الإنس:
فاليهود مع اليهود.
والنصارى مع النصارى.
والمشركون مع المشركين.
والمسلمون مع المسلمين.
والمنافقون مع المنافقين.
والفساق مع الفساق.
وأهل البدع مع أهل البدع.
واستخدام الإنس للجن، مثل استخدام الإنس للإنس في شيء.
فمن الإنس من يستخدم الجن في المحرمات من الفواحش والظلم والشرك، والقول على الله بلا علم، وهذا محرمن وهو من أفعال الشياطين.
ومنهم من يستخدمهم في أمور مباحة لجلب ما ينفعه أو لدفع ما يضره، أو إحضار ماله، أو دلالة على مال ليس له مالك معصوم، ونحو ذلك، فهذا مباح كاستعانة الإنس بعضهم ببعض في ذلك.
ومنهم من يستعملهم في طاعة الله ورسوله، كما يستعمل الإنس في ذلك، فيأمرهم بما أمره الله ورسوله به، وينهاهم عما نهاهم لله ورسوله عنه، كما يأمر الإنس وينهاهم.
وهذه حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحال من اتبعه واقتدى به من أمته، وهم أفضل الخلق لقيامهم بالدعوة إلى الله لعموم الثقلين.
والذين يستخدمون الجن في المباحات، يشيه استخدام سليمان - صلى الله عليه وسلم - لهم.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستخدم الجن أصلاً، لكن دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم الرسالة، وهذا أفضل شيء، وأعظم شيء.
وسليمان - صلى الله عليه وسلم - أعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وسخرت له الإنس والجن، والريح والطير، وهذا لم يحصل لغيره.
والإنسان من حيث هو إنسان عار عن كل خير من الإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح:
فهو ضعيف كما قال الله عنه: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)} [النساء: ٢٨].
وهو ظلوم كفار كما قال الله عنه: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)} [إبراهيم: ٣٤].
وهو ظلوم جهول كما قال الله عنه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)} [الأحزاب: ٧٢].
وهو عجول في أموره كما قال الله عنه: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)} [الإسراء: ١١].
وهو قتور عند الإنفاق كما قال الله عنه: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)} [الإسراء: ١٠٠].
وهو مجادل معاند مع ظهور الحق له كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)} [الكهف: ٥٤].
فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بالإيمان والعلم، والتقوى والعدل، ولا خروج له عن الأخلاق الرديئة إلا بتزكية الله له كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)} [النساء: ٤٩].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ! آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا» أخرجه مسلم (١).
والله جل جلاله هو الخلاق العليم، وهو على كل شيء قدير، خلق الدنيا والآخرة، وخلق الجنة لأهل طاعته، وخلق النار لأهل معصيته.
وخلق سبحانه المخلوقات الظاهرة والباطنة على أربع مراتب:
الأولى: مخلوقات عاقلة، ظاهرة وباطنة، يصدر منها الخير والشر، وهم المكلفون من الإنس والجن.
الثانية: مخلوقات ظاهرة، خلقها الله وخلق آثارها كالشمس التي خلقها الله، وخلق فيها الأثر وهو النور، وخلق النبات والأشجار، وخلق فيها الأثر وهو الثمار، وخلق اللسان، وخلق فيه الأثر وهو الكلام.
الثالثة: مخلوقات عاقلة باطنة، ترى آثارها وهي لا ترى، ويصدر منهم كل خير، وهم الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم الذين يدبرون هذا الكون بأمر الله سبحانه.
الرابعة: مخلوقات باطنة، ترى آثارها وهي لا ترى، ويصدر منهم كل شر، وهم إبليس وذريته من الشياطين.
وخالق هذا الكون، وخالق هذه الأرض، وخالق الناس، هو الذي مكن لهذا الجنس البشري في الأرض، وهو الذي أودع الأرض هذه الخصائص والموافقات، التي تسمح بحياة هذا الجنس البشري على ظهر هذه الأرض من ماء ونبات، ونور وهواء، وتقوته وتعوله، وتكنه بما جعل الله فيها من أسباب الرزق والمعايش كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)} [الأعراف: ١٠].
فالله تبارك وتعالى هو الحكيم العليم، الذي جعل هذه الأرض مقرًا صالحًا لنشأة الإنسان، بجوها وتركيبها وحجمها، وبما أودع فيها من الأرزاق والأقوات، ومن القوى والطاقات، ما يسمح بنشأة هذا الجنس وحياته.
وهو سبحانه الذي جعل هذا الجنس البشري سيد مخلوقات هذه الأرض، وجعله قادرًا بما أودعه الله من معرفة وطاقات، على تطويعها واستخدامها وتسخيرها في حاجته، وأكرمه الله بما لم يكرم أحدًا سواه كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)} [الإسراء: ٧٠].
والإنسان ابن هذه الأرض، فقد أنشأه الله من تراب هذه الأرض، ومكنه فيها، وجعله سيد أهلها، وجعل له فيها أرزاقًا ومعايش، ويسر له المعرفة التي تسلمه مفاتيحها، ليستعين بذلك على عبادة ربه الذي خلقه واستخلفه، ويشكره على نعمه.
ولكن الناس قليلاً ما يشكرون.
لأنهم لا يعلمون قدر المنعم وعظمته وإحسانه.
ولا يعلمون قدر نعمه وكثرتها.
وحتى الذين يعلمون لا يملكون أن يوفوا نعمة الله حقها من الشكر.
وأنى لهم الوفاء لولا أن الله يقبل منهم ما يطيقون.
ويعفو عن كثير، ويضاعف الحسنات ويغفر السيئات: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)} [الشورى: ٢٣].
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٢٢).
مختارات

