فقه التوحيد (٩)
وتوحيد الله عزَّ وجلَّ، وإخلاص الدين له، ليس كلمة تقال باللسان فقط، إنما هو منهاج حياة كامل يصبغ الحياة كلها بلونه.
يبدأ من اعتقاد بوحدانية الله.
وينتهي بنظام يشمل حياة الفرد والجماعة في جميع الأحوال والأماكن والأزمان.
وقد أنزل الله الكتاب بالحق على رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
الحق الواحد الذي يصرف السموات والأرض.
ويصرف أهل السموات والأرض.
وهو المنهج الذي يسير عليه البشر في أنحاء الأرض بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وقيام الحياة كلها على أساس هذا التوحيد.
والقلب الذي يوحد الله، يدين لله، وحده لا شريك له، ولا يحني هامته لأحد سواه، ولا يطلب شيئاً من غيره.
والقلب الذي يوحد الله، يؤمن بوحدة الناموس الإلهي الذي يصرف الوجود كله، ويؤمن بأن الدين الذي اختاره الله للبشر لا تصلح حياة البشر إلا به، ولا تستقيم مع الكون الذي يعيشون فيه إلا باتباعه، ومن ثم لا يختار غير ما اختاره الله من النظم والسنن والأحكام، ولا يتبع إلا شريعة الله المتسقة مع نظام الوجود كله، ونظام الحياة الشامل.
وكذلك تبدو آثار التوحيد في التصورات والمشاعر، كما تبدو في السلوك والتصرفات، وترسم للحياة كلها منهاجاً كاملاً واضحاً متميزاً وفق أمر الله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)} [الزمر: ٢].
إن التوحيد والشرك متقابلان، لا يجتمعان أبداً، فكما لا يجتمع النور مع الظلام، فكذلك لا يجتمع التوحيد والشرك في قلب واحد، وفي آن واحد.
وقد ضرب الله مثلاً للعبد الموحد والعبد المشرك بعبد يملكه شركاء، يخاصم بعضهم بعضاً فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج، ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتعارضة.
وعبد آخر يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلب منه، فهو مستريح مستقر على منهج واحد من مصدر واحد كما قال سبحانه: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)} [الزمر: ٢٩].
فهما لا يستويان، فالذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين، ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق.
والذي يخضع لسادة متشاكسين معذب لا يستقر على حال، ولا يرضي واحداً منهم فضلاً عن أن يرضي الجميع.
وهكذا حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك في جميع الأحوال.
فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو الذي يسير في هذه الحياة على هدى، لأن قلبه وبصره معلقان بإله واحد، يستمد منه الهدى والتوجيه، ويعتصم بحبله، لا يزوغ عنه بصره، ولا يتجه إلى غير فكره.
ويخدم سيداً كريماً غنياً قوياً واحداً، يعرف ماذا يرضيه فيفعله، ويعرف ماذا يغضبه فيجتنبه.
وبذلك تجتمع الطمأنينة وتتوحد، فالحمد لله الذي اختار لعباده طريق الأمن والإيمان، والراحة والطمأنينة، وطريق الاستقامة والاستقرار.
فهل يليق بالناس مع هذه النعمة الكبرى أن ينحرفوا عنه، ويقفوا بباب غيره؟.
ويعرضوا عن باب الغني، ويقفوا بباب الفقير؟.
وماذا يملك الفقير؟ وماذا يعطي؟.
وماذا يملك العاجز للعاجز؟.
وهل يقضي الحاجات إلا الملك العزيز الجبار، الغني الكريم؟ الملك الذي كل شيء ملكه.
الغني الذي كل شيء في خزائنه.
العزيز الذي كل شيء تحت قهره.
الكريم الذي كل شيء من فضله.
العفو الغفور الذي يغفر الذنوب جميعاً.
الرحمن الذي يرحم الخلائق كلها.
التواب الذي يتوب على من أناب إليه.
الودود الذي يتحنن إلى عباده بنعمه.
الخلاق الذي خلق الكون وما فيه.
هو الأول الذي ليس قبله شيء.
الآخر الذي ليس بعده شيء.
الظاهر الذي ليس فوقه شيء.
الباطن الذي ليس دونه شيء.
العليم الذي لا يخفى عليه شيء: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)} [الأنعام: ١٠١ - ١٠٣].
إذا طلعت الشمس ميز الإنسان بين الذهب والحجر.
وإذا جاء نور الإيمان والتوحيد في القلب ميز العبد بين الكبير والصغير، والقوي والضعيف، ومن يستحق العبادة ممن لا يستحقها، وميز بين الدنيا والآخرة، ورأى كل شيء على حقيقته، ورأى الحق حقاً، ورأى الباطل باطلاً.
والتوحيد والإيمان حق الله على العباد، فينبغي تذكيرهم دائماً بهذا الحق.
وقيمة الإنسان عند الله بإيمانه وتوحيده وصفاته لا بذاته، ففي المخلوقات من هو أكبر منه، وأقوى منه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأعْمَالِكُمْ» أخرجه مسلم (١).
وشريعة الله للبشر إنما هي جزء من تشريعه وتصريفه للكون، فالأوامر الكونية والشرعية للمخلوقات كلها بيد الله وحده، ومخالفة الأوامر الشرعية زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا.
وللعبد رب واحد هو ملاقيه، وبيت هو قادم إليه، فينبغي له أن يسترضي ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله إليه.
وإن من المؤسف حقاً أننا نقف ضد مرتكب الجريمة في حق المخلوق وهذا حق، ولا نقف ضد مرتكب جريمة الكفر والشرك في شأن أحكم الحاكمين، وهذا حق أكبر من ذلك وأوجب: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)} [الأنفال: ٣٩].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إلا بِحَقِّ الإسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله» متفق عليه (٢).
والمؤمن حقاً من جمع في كل وقت بين توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية:
فيشهد قيومية الرب تعالى فوق عرشه.
يدبر أمر عباده وحده.
يخلق ويرزق.
ويعطي ويمنع.
ويعز ويذل.
ويحيي ويميت.
ويدبر جميع الأمور في العالم العلوي والسفلي.
وما شاء الله كان.
وما لم يشأ لم يكن.
لا تتحرك ذرة إلا بإذنه.
ولا يجري حادث إلا بمشيئته.
ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.
ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاه علمه.
وأحاطت به قدرته.
ونفذت به مشيئته.
واقتضته حكمته.
يفعل ما يشاء.
ويحكم ما يريد.
فهذا جمع توحيد الربوبية وشهوده.
وأما جمع توحيد الإلهية فهو أن يجمع قلبه وهمه وعزمه على الله.
ويجمع إرادته وحركاته على أداء حقه تعالى.
والقيام بعبوديته سبحانه.
فتجتمع شئون إرادته على مراد الله الديني الشرعي.
وهذان الجمعان هما حقيقة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)} [الفاتحة: ٥].
فإن العبد يشهد من قوله {إِيَّاكَ} الذات الجامعة لجميع صفات الكمال والجلال والجمال.
ثم يشهد من قوله: {نَعْبُدُ} جميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة التي أمر الله بها خلقه، والتي تؤديها جميع الكائنات في ملكه.
ثم يشهد من قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)} جميع أنواع الاستعانة والتوكل والتفويض والتسليم لله.
ثم يشهد من قوله {اهْدِنَا} هداية الله له للعلم والإيمان.
وأن يقدره عليه.
ويجعله مريداً له، وأن يجعله فاعلاً له.
وإلا فهو غير قادر بنفسه.
وأن يثبته على ذلك.
وأن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له.
وأن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة.
وأن يشهده المقصود في الطريق فيكون مطالعاً له في سيره.
وأن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة.
وأن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريقها، وهما طريق أهل الغضب، الذين عدلوا عن اتباع الحق قصداً وعناداً بعد معرفته وهم اليهود، وطريق أهل الضلال الذين عدلوا عنها جهلاً وضلالاً بعد معرفتها وهم النصارى.
ثم يشهد جمع {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)} في طريق واحد، عليه جميع أنبياء الله ورسله وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين.
فهذا هو الجمع الذي عليه رسل الله وأتباعهم، فمن حصل له هذا الجمع فقد هدي إلى الصراط المستقيم: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)} [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وأول ما يتعلق القلب بتوحيد الربوبية.
ثم يرتقي منه إلى توحيد الإلهية.
والله عزَّ وجلَّ يدعو عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر.
ويحتج عليهم به.
ويقررهم به.
ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية كما قال سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)} [الزخرف: ٨٧].
فأين يُصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله، وعن عبادته وحده، وهم يشهدون أنه لا رب غيره، ولا خالق سواه.
فجميع الخلق مقهورون تحت قبضة الله، وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، فالقلوب كلها بيده، وكلها مملوكة له، مكشوفة كغيرها له.
من يهده الله فلا مضل له.
ومن يضلل فلا هادي له.
يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته، هذا فضله وعطاؤه.
وهذا عدله وقضاؤه.
فإذا ثبت قدم العبد في توحيد الربوبية رقى منه صاعداً إلى توحيد الإلهية، فإنه إذا تيقن أن الخلق والأمر، والضر والنفع، والعطاء والمنع والهدى والضلال، والسعادة والشقاء، وكل شيء بيد الله لا بيد غيره، وأنه الذي يقلب القلوب ويصرفها وحده، وأنه لا موفق إلا من وفقه الله وأعانه، ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى عنه، وأن أصح القلوب وأسلمها من اتخذه وحده إلهاً ومعبوداً، فكان أحب إليه من كل ما سواه، وأرجى له من كل ما سواه، وأخوف عنده من كل ما سواه، فهذا علامة توحيد الإلهية في قلب العبد.
والله تبارك وتعالى يريد منا تحقيق التوحيد في حياتنا، وحياة البشرية كلها، كما حققه الله في الكون كله، وفطر كل مخلوق على التسبيح بحمده.
فخلق الله القلوب للتوحيد والإيمان واليقين.
وخلق اللسان لذكره وتكبيره.
وحمده والثناء عليه.
والدعوة إليه.
وتعليم دينه.
وخلق الجوارح لعبادته وطاعته وتنفيذ أوامره.
وكما يحرك الله الكون كله وما فيه بالسنن الكونية، كذلك هو يحب سبحانه من البشر أن يتحركوا بالسنن الشرعية التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، لأن له الخلق والأمر في الكون كله.
فلا سعادة للبشرية في الدنيا والآخرة، ولا طمأنينة لها إلا بالإيمان والتوحيد.
فيطمئن كل قلب، وتحصل له السكينة بالإيمان بالله وتوحيده وذكره.
ويتحقق التوحيد في اللسان بالإقرار بالشهادتين، وذكر الله وتكبيره، وحمده والثناء عليه في كل حين.
ويتحقق التوحيد في الجوارح بطاعة الله ورسوله، وتطبيق مقتضيات الإيمان على كل عضو من أعضاء الإنسان.
فللبدن سنن.
وللقلب سنن.
وللسمع سنن.
وللبصر سنن.
ولليد سنن.
وللرجل سنن.
وللعقل سنن.
وللأكل سنن.
وللنكاح سنن.
وللوضوء سنن.
وللصلاة سنن.
وللباس سنن.
وللسفر سنن.
وللكسب سنن.
وللعبادات سنن.
وللمعاملات سنن.
وهكذا.
فالكون له سنن.
والإنسان له سنن، والكون كله عابد لربه مطيع، فالإنسان كذلك لا بدَّ أن يكون عابداً مطيعاً لربه ليفوز بالجنة والسعادة، فإن عصى تحمل تبعة معصيته بالعقوبة في الدنيا والآخرة.
فهذه السنن والآداب والأحكام من لوازم التوحيد والإيمان، وهي مظهره وثمرته، لكنها لا تنفع ولا تقبل إلا مع الإيمان والتوحيد، كما أن التوحيد والإيمان لا ينفع بدونها: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} [الكهف: ١١٠].
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٦٤).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٥)، واللفظ له، ومسلم برقم (٢٢).
مختارات

