فقه التوحيد (٨)
ولماذا يتخذ العبد ولياً من دون الله؟ولماذا يعرض نفسه للشرك الذي نهى الله عنه؟
ولماذا يخالف الإسلام الذي أمره الله به؟
إن كان ذلك كله رجاء جلب نفع أو دفع ضر في هذه الحياة الدنيا، فهذا كله بيد الله، وله القدرة المطلقة في عالم الأسباب، وله القهر على العباد، وبيده وحده النفع والضر، والعطاء والمنع: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)} [الأنعام: ١٧].
وهل يكون الإنسان مسلماً لله في عبادته، بينما هو يتلقى من غير الله في شئون الحياة، وبينما هو يخضع لغير الله، ويستنصر بغير الله، ويتولى غير الله؟
والمحبة الصادقة لله تقتضي توحيد المحبوب في كل شيء، وأن لا يشرك بينه وبين غيره في محبته، التي تستلزم كمال التعظيم لله، مع كمال الذل له، وكل محبة لغير الله فهي عذاب ووبال على صاحبها.
ومن أعرض عن محبة الله، وذكره، والشوق إلى لقائه، ابتلاه بمحبة غيره، وعذبه بها في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة.
فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان، أو بمحبة الصلبان، أو بمحبة المردان.
أو بمحبة النسوان.
أو بمحبة الدينار.
أو بمحبة الغناء والفحش.
وغيرها مما هو في غاية الحقارة والهوان.
والإنسان عبد محبوبه كائناً ما كان: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: ١٦٥].
والله سبحانه رب السموات والأرض وما فيهن، وهو الخالق وحده، القاهر وحده، الذي له الأمر كله، وما سواه مخلوق مربوب مقهور مأمور، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)} [الرعد: ١٦].
والله سبحانه هو الواحد القهار.
المدبر للكون والحياة، العليم بالظواهر والبواطن، والحق والباطل، والباقي والزائل.
فمن آمن به ووحده واستجاب لأمره فله الجنة، ومن أشرك به ولم يستجب لأمره فله النار {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)} [الرعد: ١٨].
وهو سبحانه القائم على كل نفس بما كسبت، وهو الرقيب المسيطر عليها في كل حال، فكيف يجعل له البشر شريكاً الله خالقه ومالكه، وهو رقيب عليه: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)} [الرعد: ٣٣].
إن هؤلاء ستروا نفوسهم عن دلائل الهدى.
فحقت عليهم سنة الله.
ومن اقتضت سنة الله ضلاله.
لأنه سار في طريق الضلال فلن يهديه أحد.
لأن سنة الله لا تتوقف إذا حقت بأسبابها على العباد.
والكفار إن أصابتهم قارعة في الدنيا فهو عذاب، وإن حلت قريباً من دارهم فهو الرعب والقلق وتوقع الشر، وإلا فجفاف القلب من بشاشة الإيمان عذاب، وحيرة القلب بلا طمأنينة الإيمان عذاب.
ومواجهة كل حادث وكل مصيبة بلا إدراك الحكمة عذاب، ثم عذاب الآخرة بعد ذلك أدوم وأشق: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)} [الرعد: ٣١].
إن المؤمن حقاً هو الذي يعلم أن إلهه هو الذي يستحق أن يكون رباً لا رب سواه، ولا حاكم سواه، ولا مشرع سواه، ولا متصرف سواه، ولا معبود سواه، ولا مالك سواه.
ومن ثم فهو يعبد الله وحده، ويدين له وحده، لا في أوقات الصلاة فحسب، بل في كل شأن من شئون الحياة.
إن عبادة الأصنام والأوثان والأحجار وسائر الأوثان التي كان يزاولها أهل الجاهلية لا تستغرق كل صور الشرك بالله، ولا تستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله، وإنما هي صورة من صور الشرك بالله التي يجب تغييرها، وصرف العبادة لله وحده لا شريك له.
والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصور يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها في ميادين الحياة في كل زمان ومكان.
إن التوحيد هو الدينونة لله في كل شيء، والشرك بالله يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة خالصة لله وحده في كل شأن من شئون الحياة، فالرب واحد، والمعبود واحد، والمطاع واحد، والآمر واحد لا شريك له: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)} [البينة: ٥].
إن العبد الذي يتوجه إلى الله بالاعتقاد في ألوهيته وحده.
ثم يدين لله في الوضوء والصلاة، والصوم والحج، وسائر الشعائر.
بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاجتماعية والاقتصادية لشرائع من غير الله.
ويدين في قيمه وأخلاقه وأزيائه لأرباب من البشر.
تفرض عليه هذه الأخلاق والمعاملات والأزياء مخالفة لشرع الله وأمره.
فتارة ينفذ أوامر الله.
وتارة ينفذ أوامر البشر.
يدين لربه في حال.
ويدين لغيره في حال.
إن هذا العبد يزاول الشرك في أخص حقيقته، ويخالف شهادة أن (لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) في أخص حقيقتها.
فأي إيمان؟.
وأي توحيد؟.
وأي اقتداء مع هذا الخلط العجيب؟.
{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)} [البقرة: ٨٥].
إن الإسلام هو الدين الحق الذي جاء لتحطيم الأصنام الحجرية والخشبية التي تعبد من دون الله، وتوجيه الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
كما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطريق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن من شئون الحياة، وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة، وفي كل شأن من شئون الحياة.
فلا بدَّ من عرض الهيئات والصور والحركات على الشرع الإلهي، وتتبعها عند كل فرد، لتضبط وتعرف ويقرر ما إذا كانت توحيداً أم شركاً؟
موافقة لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم مخالفة له؟
يدين بها العبد لله وحده، أم لشتى الطواغيت؟
إن دين الله عزَّ وجلَّ منهج كامل شامل لجزيئات الحياة اليومية.
والدينونة لله في كل جزئية من جزئيات الحياة، فضلاً عن أصولها وكلياتها، هي دين الله، وهو الإسلام الذي رضيه الله لنا إلى يوم القيامة، فلا يقبل من أحد ديناً سواه.
والشرك لا يتمثل فحسب في الاعتقاد بألوهية غير الله معه، ولكنه كذلك يتمثل ابتداء في تحكيم أرباب غيره معه.
فلينظر الناس لمن المقام الأعلى في حياتهم؟
ولمن الدينونة الكاملة؟.
ولمن الطاعة الكاملة؟
ولمن الاتباع والامتثال؟
فإن كان هذا كله لله فهم في دين الله.
وإن كان لغير الله معه أو من دونه فهم في دين الطواغيت: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
مختارات

