فقه التوحيد (٣)
ومعرفة الله نوعان:
الأولى: معرفة إقرار: وهي التي اشترك فيه جميع الناس، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمطيع والعاصي: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)} [الروم: ٣٠]والثانية: معرفة توجب الحياء من الله، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إليه، والأنس به، ومحبته، والإنابة إليه، والفرار من الخلق إليه.
وهذه أعلى المعارف وأعظمها، وتفاوت الخلق فيها لا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه، وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم.
وكل يعبد الله ويطيعه ويتلذذ بذلك بحسب تلك المعرفة، وما كشف له منها، وقد قال أعرف الخلق به: «لا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» أخرجه مسلم (١).
وأشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور في القلوب، وتفاوت أهلها في ذلك النور لا يحصيه إلا الله عزَّ وجلَّ.
فمن الناس من نور (لا إله إلا الله) في قلبه كالشمس.
ومنهم من نورها في قلبه كالقمر.
ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري.
ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم.
ومنهم من نورها في قلبه كالسراج المضيء.
وآخر كالسراج الضعيف.
وهكذا.
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوب المؤمنين من نور هذه الكلمة.
وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معه شبهة، ولا شهوة، ولا ذنباً إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئاً.
فأي شبهة، أو شهوة أو ذنب أو معصية دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حرست من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا عند غفلته، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه، أو حصل أضعاف مكسبه.
فهو هكذا مع لصوص الجن والإنس، ليس كمن فتح لهم خزائنه، وولى الباب ظهره، وتركهم يسرقون ويفسدون.
وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه فقط.
بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها.
ولا يحصل هذا بمجرد قول اللسان فقط، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بدَّ من قول القلب وقول اللسان.
ومعرفة الله لها بابان واسعان:
الباب الأول: النظر والتفكر في آيات الله المتلوة، والنظر والتفكر في آيات الله المشهودة.
وتأمل حكمته فيها وقدرته، ولطفه وإحسانه وعدله، ويتم ذلك بمعرفة أسماء الله وصفاته، وجلالها وكمالها، وتفرده بذلك، وتعلقها بالخلق والأمر.
فيكون العبد فقيهاً في أسماء الله وصفاته.
فقيهاً في أوامره ونواهيه.
فقيهاً في قضائه وقدره.
فقيهاً في الحكم الديني الشرعي.
فقيهاً في الحكم الكوني القدري.
{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)} [الحديد: ٢١].
والله سبحانه المالك لهذا الكون، يدبره بحكمته، ويتصرف فيه بما يشاء، وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله، وفي قضائه وقدره، وفي أمره ونهيه، وفي ثوابه وعقابه.
خبره كله صدق.
وقضاءه كل عدل.
وأمره كله مصلحة.
وما نهى عنه كله مفسدة.
وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته.
وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله وحكمته.
وحكم الله في عباده نوعان:
حكمه الديني الشرعي.
وحكمه الكوني القدري.
والنوعان نافذان في العبد، ماضيان فيه، شاء أم أبى، لكن الحكم الكوني القدري لا يمكنه مخالفته، وأما الديني الشرعي فقد يخالفه.
والقضاء هو الإتمام والإكمال، وإنما يكون بعد مضيه ونفوذه، فالحكم الذي نفذه الله في عبده عدل منه فيه، وذلك يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه: من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وعفو كما قال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)} [الشورى: ٣٠].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ» أخرجه أحمد (٢).
فجعل المضاء للحكم، والعدل للقضاء.
وأما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه، وقد يشاء تنفيذه، وقد لا ينفذه، فإن كان حكماً دينياً فهو ماضٍ في العبد، وإن كان كونياً، فإن نفذه سبحانه مضى فيه، وإن لم ينفذه اندفع عنه.
فهو سبحانه على كل شيء قدير، يمضي ما يقضي به، وغيره قد يقضي بقضاء، ويقدر أمراً، ولا يستطيع تنفيذه، وهو سبحانه يقضي ويمضي ما شاء في أي وقت شاء، وفي أي مكان شاء.
وصلاح الحياة واستقامتها إنما تتم إذا كان الآمر في المملكة واحداً، فإن تعدد الآمرون بالحركات تعارضت حركات البشر بعضهم مع بعض وتعاندت، ثم فسدت الحياة والأحياء.
فالوحدانية أساس استقامة حركة الحياة.
فكما نوحده سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، كذلك نوحده بعبادته وطاعته وحده لا شريك له.
فنطيع أمره وحده، ونجتنب نهيه وحده، ونؤمن به وحده.
ونتوكل عليه وحده، ونعبده وحده، ونستعين به وحده.
فلكي لا تتعاند الأقوال والأفعال، والأوامر والحركات، لا بدَّ أن يكون الهدف واحداً، والآمر واحداً، فإن اختلفت الأهداف، وتعدد الآمرون كان الفساد والفوضى.
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
والعابد حقاً من يأتمر بأوامر الله في جميع الأحوال، والشعائر كالصلاة والأذكار تعينك وتعطيك القوة ليزيد إيمانك، فيسهل عليك امتثال أوامر الله في كل حال.
والتوحيد هو الأصل العام الذي يرتبط بجميع الأعمال، وهو القاعدة التي ترجع إليها جميع التكاليف والفرائض، وتستمد منها الحقوق والواجبات.
فيجب قبل الدخول في الأوامر والنواهي.
وقبل الدخول في التكاليف والفرائض.
وقبل الدخول في الشرائع والأحكام.
أن يعترف الناس بربوبية الله وحده لهم في حياتهم.
كما يعترفون بألوهيته وحده لهم في عقيدتهم.
لا يشركون معه أحداً في ألوهيته.
ولا يشركون معه أحداً في ربوبيته.
فالشرك بكل أقسامه وصوره هو المحرم الأول، لأنه يجر إلى كل محرم، وهو المنكر الأول الذي يجر إلى كل منكر.
فيجب فوراً حشد الإنكار كله له، حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا الله.
ولا رب لهم إلا الله.
ولا حاكم لهم إلا الله.
ولا مشرع لهم إلا الله.
فمعرفة التوحيد أول واجب، وأعظم واجب على كل إنسان كما قال سبحانه:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)} [محمد: ١٩].
(١) أخرجه مسلم برقم (٤٨٦).
(٢) صحيح: أخرجه أحمد برقم (٤٣١٨)، انظر السلسلة الصحيحة رقم (١٩٩).
مختارات

