فقه كون الحمد كله لله (٣)
والرب سبحانه محمود على الأمرين:
فإن اتصل بالذنب الآثار المحمودة للرب سبحانه، من التوبة والإنابة فهو عين مصلحة العبد، وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره، وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الزكية الطاهرة في الملأ الأعلى.
والنفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل، ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها، ومساكنة من تليق مساكنته، ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل.
فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك، فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له، ولا يليق بها سواه.
والرب سبحانه محمود على ذلك أيضاً، كما هو محمود على إنعامه وإحسانه إلى أهل الإحسان والإنعام القابلين له، فما كل أحد قابلاً لنعمته تعالى.
وحكمته وحمده تقتضي ألا يودع نعمه وإحسانه في محل غير قابل لها.
والحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته، قد تقوم أن خلق الأضداد والمتقابلات، وترتب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته، وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم لجانب الربوبية.
وأيضاً فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن، فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب على الإنكار والجهاد من مصالح نفسه وبدنه، ومصالح دنياه وآخرته، ما لم يكن ينال بدون ذلك.
والمقصود الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته، فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة، وكان في تمكين الكفار والفساق والعصاة من ذلك إيصال إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم، والإنكار عليهم، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، وبذل نفوسهم وأموالهم له.
وتمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، والمحبة الصادقة علامتها أن يبذل المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة، في مرضاة محبوبه، والتقرب إليه، فإن بذل روحه كان هذا أعلى درجات المحبة الصادقة.
ومن لوازم ذلك التي لا يحصل إلا بها، أن يخلق ذواتاً وأسباباً، وأعمالاً، وأخلاقاً وطبائع، تقتضي معاداة من يحبه، ويؤثر مرضاته لها، وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها.
وكل أحد يحب الإحسان والراحة، والدعة واللذة، ويحب من يوصل إليه ذلك.
ولكن الشأن كل الشأن في محبته سبحانه، ومحبة ما يحبه، مما هو أكره شيء إلى النفوس، وأشق شيء عليها مما لا يلائمها.
فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته، ويحب ما يحب، ممن يحبه لأجل نعمه ومخلوقاته، فإن أعطي منها رضي، وإن منعها سخط وعتب على ربه، وربما شكاه، وربما ترك عبادته: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)} [الحج: ١١].
فلولا خلق الأضداد، وتسليط أعدائه، وامتحان أوليائه، لم يستخرج خاص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه،
والمعاداة فيه، والحب فيه، والبغض فيه، والعطاء له، والمنع له، ولا عبودية ذل الأحوال والأرواح والقوى في جهاد أعدائه، ولا عبودية مفارقة الأهل والناس مع حاجته إليهم من أجل مرضاته سبحانه.
ولا يتحيز إليهم، وهو يرى محاب نفسه وملاذها بأيديهم، فيرضى بمفارقتهم وموالاة الحق عليهم.
فلولا الأسباب والأضداد التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار النافعة.
وكذلك لولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد، لم تحصل له فضيلة الصبر، وجهاد النفس، ومنها من حظوظها وشهواتها محبةً لله، وإيثاراً لمرضاته، وطلباً للزلفى لديه، والقرب منه.
وأيضاً فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية إنسانية، بل كانت ملكية، فإن الله خلق خلقه أطواراً:
فخلق الملائكة عقولاً لا شهوات لها وجبلها على طاعته.
وخلق الحيوانات شهوات لا عقول لها.
وخلق الثقلين الجن والإنس.
وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة.
وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء.
وهم المعرضون للثواب والعقاب.
فخلق سبحانه الملائكة وطبعهم على الخير، وخلق الشياطين وطبعهم على الشر، وخلق الثقلين وجعلهما محل الابتلاء.
ولو شاء الله عزَّ وجلَّ لجعل خلقه على طبيعة واحدة، وخلق واحد، ولم يفاوت بينهم، ولكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة، ولو كان الخلق كله على طبيعة واحدة ونمط واحد لقيل هذا مقتضى الطبيعة، ولقيل كذلك لو كان الله فاعلاً بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته، ولفعل الشيء وضده، والشيء وخلافه.
فتنوع أفعاله سبحانه ومفعولاته، من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه وقدرته.
مختارات

