فقه كون الحمد كله لله (١)
قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)} [الأنعام: ١].
وقال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)} [الكهف: ١].
وقال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)} [الفاتحة: ٢ - ٤].
الله تبارك وتعالى أنعم على عباده بنعم لا تعد ولا تحصى كما قال سبحانه: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)} [إبراهيم: ٣٤].
وهذه النعم نوعان:
نعم مادية.
ونعم روحية.
فالنعم المادية هي كل ما خلقه الله في هذا الكون من أجل الإنسان كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)} [لقمان: ٢٠].
والنعم الروحية هي الدين الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، لإسعاد العباد في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣].
وله سبحانه الحمد على جميع نعمه المادية والروحية حمداً كثيراً طيباً مباركاً، فيه ملء السماء وملء الأرض وملء ما شاء الله من شيء بعد.
له الحمد سبحانه على نعمة الصحة والعافية.
وله الحمد على نعمة الأمن والرخاء.
وله الحمد على نعمة الطعام والشراب.
وله الحمد على نعمة السكن واللباس، وله الحمد على نعمة المراكب في البر والبحر والجو.
وله الحمد على خلق الليل والنهار، وله الحمد على خلق الزروع والثمار.
وله الحمد على خلق ما يؤكل وما يركب من الحيوان.
وله الحمد على نعمة الإسلام.
وعلى نعمة الهداية.
وعلى نعمة الاستقامة، وعلى نعمة الطاعة والعبادة.
والله عزَّ وجلَّ رب العالمين، يربيهم بنعمه المادية والروحية.
والمربون قسمان:
منهم من يربي شيئاً ليربح عليه المربِّي.
ومنهم من يربي ليربح المربَّى.
وتربية الخلق كلهم على القسم الأول، لأنهم يربون ليربحوا إما ثواباً أو ثناءً.
والقسم الثاني: تربية الحق سبحانه، فهو يربينا بنعمه المادية والروحية، لنربح نحن، فهو يربي ويحسن من أجل الإنسان، بخلاف سائر المربين وسائر المحسنين، فهم يربون لمصالحهم.
والله سبحنه يربينا ولا تنقص خزائنه، وغيره تنقص خزائنه.
والله سبحانه وصل إحسانه إلى جميع الخلق، وغيره لعجزه إحسانه لقوم دون قوم، وفي وقت دون وقت، وفي حال دون حال.
والله لا ينقطع إحسانه البتة عن الخلق، وغيره ينقطع بسبب الفقر أو الغضب، أو الحسد، أو الموت.
ومن العجيب أن الله يربيك، كأنه ليس له عبد سواك، وأنت تخدمه كأن لك رباً غيره، ويفتح لك أبواب خزائنه، وأنت واقف بباب أضعف خلقه.
فما أعظم وما أحسن هذه التربية من الرب لعباده.
أليس الله يرزقك ويطعمك ويسقيك كل يوم من غير عوض؟.
أليس مولاك يمدك كل يوم بالصحة والعافية، والنور والهواء من غير عوض؟.
أليس الله يحفظك في النهار من الآفات من غير عوض؟.
أليس الله يحفظك بالليل من المخافات من غير عوض؟.
أليس الله والذي هداك إلى الصراط المستقيم وأعانك على سلوكه من غير عوض؟.
والعبد لجهله وظلمه قد زج نفسه بالليل والنهار في أنواع المحظورات، وأقسام المحرمات والمنكرات، والله يوالي عليه نعمه وإحسانه.
فما أعظم إحسان الله إلى عباده.
وما أحسن تربيته لهم.
وما أحبه لرحمتهم وإكرامهم.
وما أشد عنايته بهم:
{قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)} [الأنبياء: ٤٢].
إنه الملك القدوس السلام.
العزيز الجبار.
القوي القهار.
الحليم الكريم.
الرحمن الرحيم.
العليم الحكيم:
{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)} [الجاثية: ٣٦، ٣٧].
إن أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من يجاوز ذلك.
فإذا كان عمرا لإنسان سبعين عاماً.
نصفها نهار.
ونصفها ليل.
فهو في النوم خمس وثلاثون سنة.
وفي اليقظة خمس وثلاثون سنة.
فإذا أخذنا منها خمس عشرة سنة قبل البلوغ.
فبقي عشرون سنة.
وفي هذه العشرين سنة أعذار وأحوال مختلفة:
لعب ولهو.
وسفر ومرض.
وغفلة وسهو.
إلخ.
فيبقى عشر سنوات هي عمر الإنسان الديني.
وهذه العشر سنوات لا تعدل يوماً واحداً في الجنة.
وكان العدل أن يبقى في الجنة بقدر ما عمل، ولكنه فضل الله وكرمه ورحمته التي وسعت كل شيء، فله الخلود أبداً، والنعيم أبداً: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)} [الكهف: ١٠٧، ١٠٨].
فمن قيد نفسه بأومر الله في هذه الحياة لساعات قصيرة في الدنيا، فالعدل أن يأخذ ثواب هذه الساعات مثلاً بمثل يوم القيامة.
ولكن الكريم المنان أعطاه حياة أبدية.
وسعادة أبدية.
وطيبات أبدية.
ولذات أبدية.
وخدمة أبدية.
وقصوراً أبدية.
وفوق ذلك كله رضاه سبحانه ورؤيته: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)} [السجدة: ١٧].
فسبحان العزيز الغني الكريم، صاحب الجود والفضل والإنعام والإحسان وله الحمد والشكر على ما أنعم به علينا من نعمه الظاهر ة والباطنة في الدنيا وله الحمد والثناء والشكر على ما أعد لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم يوم القيامة: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)} [التوبة: ٧٢].
والله تبارك وتعالى في هذه الحياة يعطي المؤمنين والكافرين من نعمه.
مختارات

