فقه السعادة والشقاوة (٤)
ويوم القيامة تجري على العباد أحكام الله الجزائية على ما عملوا من خير أو شر، وذلك يوم عظيم مشهود، يوم تجمع فيه الخلائق كلها لتستوفي أجر أعمالها في الدنيا، يشهده الله والملائكة وجميع المخلوقين: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)} [هود: ١٠٥].
فالأشقياء: هم الذين كفروا بالله، وكذبوا رسله، وعصوا أمره.
والسعداء: هم اللذين آمنوا بالله، وصدقوا رسله، وأطاعوا أمره.
فأما جزاء الأشقياء فهو الخلود في النار كما قال سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)} [هود: ١٠٦، ١٠٧].
وأما جزاء السعداء فهو الخلود في الجنة كما قال سبحانه: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)} [هود: ١٠٨].
وسعادة البشرية في الدنيا والآخرة مبنية على استقامتها على أوامر الله وتوحيده والإيمان به، وطاعته وطاعة رسوله، والسير على هديه في كل حال.
وإذا تركت الأمة ذلك أو بعضه فقد أحلت بنفسها عذاب الله وعقابه، والله قادر على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء، وكيف شاء، إذا عصوه وتركوا عبادته، فيستأصلهم ويدمرهم فوراً.
والله سبحانه قادر على أن يعذبهم بعذاب بطيء طويل، لا ينهي أمرهم كله في لحظة، ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار، فيلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض، وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد، الذي يذوقونه بأيديهم، ويجرعونه لأنفسهم، إذ يجعلهم شيعاً وأحزاباً متداخلة لا يتميز بعضها من بعض، ولا يفاصل بعضها بعضاً.
فهي أبداً في جدال وصراع وفي خصومة ونزاع، وفي بلاء يصيب هذا الفريق أو ذاك، والله على كل شيء قدير، وهو بالناس رؤوف رحيم، وما ربك بظلام للعبيد: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)} [الأنعام: ٦٥].
وقد عرفت البشرية في فترات كثيرة ذلك اللون من العذاب كلما انحرفت عن منهج الله، وتركت لأهواء البشر وشهواتهم ونزواتهم تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالات.
وقد جاء ذلك صريحاً في القرآن في قصص الأنبياء، فنزلت بالأمم السابقة عقوبات متنوعة على جرائم مختلفة، كلما انحرف الناس عن منهج الله.
والعالم اليوم يعيش في هذا العذاب البطيء المديد، بسبب إعراض أكثر المسلمين عن منهج الله، وكلما تخبط الناس وهم يصنعون أنظمة للحياة، وقوانين من عند أنفسهم يستعبد بها الناس بعضهم بعضاً، ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وقوانينه البعض الآخر.
والبعض الآخر يأبى ويعارض، وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض، فيتصارعون فيما بينهم، ويذوق بعضهم بأس بعض، ويحقد بعضهم على بعض، وينكر بعضهم بعضاً، لآنهم لا يفيئون إلى منهج واحد، وضعه لهم المعبود الذي يعنو له كل العبيد.
حيث لا يجد الإنسان في نفسه استكباراً عن الخضوع له، ولا يحس في نفسه صغاراً حين يخضع له لأنه حكم رب البشر: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)} [المائدة: ٥٠].
وستظل الأمة شيعاً يذيق بعضها بأس بعض كما هو الواقع فما هو الحل؟.
الحل الذي يرفع الشقاء والعناء عن الأمة، ويأتي بالسعادة للبشرية في الدنيا والآخرة.
أن تتميز العصبة المؤمنة بما أكرمها الله به من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق العالية.
وإقامة الشعائر والشرائع في حياتها.
وتستقيم على هذا متيقنة أن الله معها يؤيدها وينصرها.
وتتميز بذلك عن الجاهلية المحيطة بها.
والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها، وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها.
باعتبار نفسها أمة متميزة عن غيرها من الذين يؤثرون البقاء على الجاهلية.
ولا نجاة للعصبة المؤمنة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب، لا نجاةله إلا بأن تنفصل بإيمانها، ومنهج حياتها عن أهل الجاهلية، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعوراً كاملاً بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخل فيما دخلت فيه جاهلية وأهل جاهلية، وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج.
وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق، وهو خير الفاتحين: {اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)} [الأعراف: ٨٩].
فإنه لم تفعل هذا حق عليها وعيدالله هذا.
وهو أن تظل مع غيرها شيعة من الشيع في المجتمع.
لا تتبين نفسها.
ولا يتبينها الناس مما حولها، وعند ذلك يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد.
وهذا التميز، وهذه المفاصلة.
قد يكلف العصبة المسلمة تضحيات ومشقات، غير أن ذلك لن يكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزها، ونتيجة اندماغها وتميعها في قومها.
والمجتمع الجاهلي من حولها.
ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله في القرآن على أيدي جميع الرسل والأنبياء، يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره، وتحقيق وعد الله بغلبة رسله والذين آمنوا معهم، لم يقع مرة واحدة، قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتها لقومها، على العقيدة، وعلى منهج الحياة، وانفصالها بعقيدتها ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها.
وطريق هذه الدعوة واحد، ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل الله جميعاً الذين اختارهم الله ورباهم وأرسلهم.
فمتى تفقه الأمة كلام ربها، وتستجيب له، وتستقيم عليه؟.
{انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)} [الأنعام: ٦٥].
إن هذا الدين كامل وشامل، له حكم في كل مناسبة.
ليس مجرد عقيدة تستكن في القلب فحسب.
وليس مجرد شعائر تؤدى في أوقاتها.
إنما هو الاتباع الكامل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه.
وفيما يشرعه ويسنه.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر الناس بالإيمان بالله ورسوله فحسب.
ولم يأمرهم بالشعائر التعبدية فحسب.
ولكنه أبلغهم شريعة الله في قوله وفعله، ولا رجاء أن يهتدي الناس إلا إذا اتبعوه في هذا كله: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)} [الأعراف: ١٥٨].
والتمسك بالكتاب في جد وقوة.
وأداء شعائر العبادة.
هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة وسعادة البشرية.
فتحكيم هذا الكتاب في حياة الناس، لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة، لإصلاح قلوب الناس، هما طرفا المنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)} [الأعراف: ١٧٠].
وما تفسد الحياة إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني، ترك الاستمساك الجاد بالكتاب، وتحكيمه في حياة الناس، وترك العبادة التي تصلح القلوب، فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص كالذي يصنعه أهل الكتاب حين تفتر القلوب عن العبادة، فتفتر عن تقوى الله كما حصل لأهل السبت حين احتالوا لأخذ الحيتان فقلبهم الله قردة خاسئين.
إن الإسلام منهج متكامل يقيم الحكم على أساس الكتاب، ويقيم القلب على أساس العبادة لله، ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب فتصلح القلوب، وتصلح الحياة.
إنه منهج الله، لا يعدل عنه، ولا يستبدل به منهجاً آخر إلا الذين كتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب.
إن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه، لا في البر ولا في البحر، والبشر وجميع المخلوقات كلهم في قبضة الله في كل لحظة، وفي كل بقعة.
إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، كما هم في قبضته في الجو.
فكيف يأمنون أن يخسف الله بهم إذا عصوه جانب البر، بزلزال أو بركان أو بغيرهما من الأسباب التي يأمرها الله فتفعل ما يشاء؟.
أو يرسل عليهم عاصفة بركانية، تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلاً يحميهم ويدفع عنهم؟.
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وبطشه، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة، ثم ينسونه بعد النجاة: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)} [الإسراء: ٦٧ - ٦٩].
فإن أعرض الناس عن ربهم في الشدة والرخاء، فتلك الطامة الكبرى، والتي بعدها تتنزل العقوبة فوراً كما قال سبحانه: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)} [الجن: ١٧].
إن السعادة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا بالتوحيد والإيمان.
واتباع السنة.
وطاعة الله ورسوله.
والله سبحانه لم يجعل السعادة في الملك والمال، وإلا لكان فرعون وقارون من أسعد الناس.
وإنما جعل السعادة في أمرين، يسعد بهما الناس جميعاً الأمراء والعامة، والأغنياء والفقراء، والرجال والنساء وهما:
الأول: (لا إله إلا الله) لإسعاد الروح.
الثاني: (محمد رسول الله) لإسعاد البدن.
فالروح لا يسعد إلا بالتوحيد والإيمان بالله.
فنعظم الله ونكبره.
ونحمده ونشكره.
ونحبه ونتوكل عليه.
ونخافه ونرجوه.
ونعبده ونستعين به وحده لا شريك له.
وبذلك غذاؤه وشفاؤه.
والبدن لا يسعد إلا بالأحكام والسنن والآداب الشرعية.
فنصلي ونصوم، ونأكل ونشرب، ونلبس ونتزوج، ونبيع ونشتري.
وهكذا على طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكل عمل وحال له سنة.
فمن استقام على هذا فهو السعيد حقاً في الدنيا والآخرة، وبذلك ينال محبة الله ورسوله والملائكة وأهل الأرض والسماء، لأنه حقق مراد الله عزَّ وجلَّ منه بالإيمان والطاعة والعبادة.
وكلما أكمل الإنسان السنن في حياته، جاءت السعادة والطمأنينة، وزاد نور القلب، وكلما فقدت سنة، جاء الشقاء والكدر، وأظلم القلب.
اللهم: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)} [الفاتحة: ٦، ٧].
مختارات

