فقه السعادة والشقاوة (٣)
وعلامات الشقاوة:
أنه كلما زيد في علمه زاد في كبره وتيهه.
وكلما زيد في عمله زاد في فخره واحتقاره للناس، وحسن الظن بنفسه.
وكلما زيد في عمره زاد في حرصه.
وكلما زيد في ماله زاد في بخله وإمساكه.
وكلما زيد في قدره وجاهه زاد في كبره وتيهه.
والله عزَّ وجلَّ كلف هذه الأمة بأمرين:
الأول: إظهار الدين في حياة الإنسان في جميع الأحوال.
الثاني: أن ينقل هذا الدين بالجهد إلى العالم كله.
وجعل سبحانه سعادة القلوب بـ (لا إله إلا الله)، فكل قلب يخلو منها فهو أشعث مضطرب.
وجعل سعادة الأبدان بـ (محمد رسول الله)، فكل بدن يخلو من السنن والأحكام والآداب والمعاشرات والأخلاق التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو في شقاء وضلال: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)} [النساء: ١١٥].
وأصل سعادة العبد وفلاحه بثلاثة أشياء:
العبادة.
والاستعانة.
الهداية.
قال الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)} [الفاتحة: ٥، ٦].
فأسعد الخلق أهل العبادة، وأهل الاستعانة، وأهل الهداية.
وأشقاهم من عدم ذلك.
والهداية: معرفة الحق والعمل به، فمن لم يجعله الله عالماً بالحق عاملاً به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء.
فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها، وهي جعل العبد مريداً للهدى، محباً له مؤثراً له، عاملاً به.
فهذه الهداية بيد الله وحده، لا يملكها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما.
وطلب هذه الهداية لا يكون إلا ممن هو قادر عليها وهي بيده، وهو الله سبحانه، إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها لكونه ليس لها بأهل، ولا تليق به، وكل ذلك يجري وفق العلم والحكمة.
وكل إنسان خلق الله فيه قوتين:
قوة علمية.
وقوة عملية.
وسعادته موقوفة على استكمال هاتين القوتين.
واستكمال القوة العلمية يتم بخمسة أمور:
الأول: معرفة الرب تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: معرفة الطريق الموصل إليه، وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه، واستعانته با لله على عبادته.
الثالث: أن يعلم أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، ولا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما لا سبيل له إلى عبادته إلا بمعونته.
الرابع: معرفة طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وهما انحراف إلى الضلال الذي سببه فساد العلم والاعتقاد، وانحراف إلى الغضب والمعاصي الذي سببه فساد القصد والعمل.
أما استكمال القوة العملية فلا تتم إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على عباده، والقيام بها إخلاصاً وصدقاً على أكمل الوجوه، مع شهود تقصيره في أداء حقه سبحانه.
فهو مستحٍ من مواجهة ربه الملك الجبار بتلك الخدمة، لعلمه أنها دون ما يستحقه سبحانه، لا سبيل إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعرفته سبحانه.
وقد تضمنت ذلك كله سورة الفاتحة كما قال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)} [الفاتحة: ٢ - ٧].
فأول السورة رحمة.
وأوسطها هداية.
وآخرها نعمة.
وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه من الهداية على قدر حظه من الرحمة، فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته سبحانه.
وهو سبحانه رب العالمين، فلا يليق به أن يترك عباده سدى وهملاً، لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، فهذا هضم للربوبية، ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به.
والله عزَّ وجلَّ هو المألوه المعبود، ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله، وهو سبحانه الرحمن الرحيم، ورحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم.
واسم الرحمن الرحيم متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات النبات.
فأسعد الناس المؤمن بربه، المطيع له، العابد له، وبسبب إيمانه وإخلاصه الله يحفظه من السوء والشرور، ويدفع عنه ما يضره، ويجلب له ما يسره ويسعده، ويغفر ذنوبه كما قال سبحانه: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)} [يوسف: ٢٤].
وقد أجرى الله على عباده في الدنيا أحكامه الشرعية.
فمنه من آمن وهم السعداء.
ومنهم من كفر وهم الأشقياء.
فأهل الإيمان والتقوى لهم المثوبة والسعادة في الدنيا والآخرة.
وأهل الكفر والعناد لهم العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية.
مختارات

