فقه النعم والمصائب (٢)
وقد أنعم الله على عباده بنوعين من الرزق:
أحدهما: رزق الأبدان من الطعام والشراب وسائر الأموال.
الثاني: رزق القلوب من الإيمان والتوحيد والأعمال الصالحة.
وفاوت سبحانه بين عباده في قسمة هذين الرزقين بحسب علمه وحكمته، ومعرفته بأحوال عباده، ومن يصلح لهذا، ومن يصلح لهذا، ومن يصلح لهم معاً.
فمنهم من وفر حظه من الرزقين، ووسع عليه فيهما.
ومنهم من قتر عليه في الرزقين.
ومنهم من وسع عليه رزق القلب، وقتر عليه رزق البدن.
ومنهم من وسع عليه رزق البدن، وقتر عليه رزق القلب.
وهذا الرزق بنوعيه إنما يتم ويبقى ويزيد بالشكر، وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد.
والنعم كلها من الله وحده:
نعم الطاعات.
ونعم اللذات.
فعلى العبد أن يرغب إلى الله أن يلهمه ذكرها، ويوزعه شكرها كما قال سبحانه: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)} [الأحقاف: ١٥].
وكما أن النعم منه سبحانه ومن مجرد فضله، فذكرها وشكرها لا ينال إلا بتوفيقه وعونه، والذنوب من خذلانه وتخليه عن عبده.
وقد أنعم الله عزَّ وجلَّ على كل عبد بنعم لا تعد ولا تحصى، وهي نوعان:
نعم خاصة.
ونعم عامة.
فالخاصة: ما أنعم الله به على المسلم من الإيمان في القلب، والطاعة في الجوارح، وحسن الخلق.
أما العامة: فهي قسمان:
متصلة: كالسمع والبصر، والعقل واللسان، وسائر الجوارح والمنافع.
ومنفصلة: وهي الأموال والأشياء.
فالأولى: خاصة بالمسلمين.
والثانية عامة للمسلمين وغيرهم.
وأرزاق الدنيا تكفل الله بها لجميع خلقه كما قال سبحانه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)} [هود: ٦].
وأرزاق الآخرة لا بد لها من العمل كما قال سبحانه: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)} [الطلاق: ١١].
والرزق يطلب الإنسان في الدنيا عمل أو لم يعمل كما يطلبه أجله مهما هرب، وسيأخذ رزقه المقدر له، فإن كان يقينه على الله أخذه بعزة، وإن كان يقينه على المخلوق أخذه بذلة.
فسبحان من قدر الأرزاق والآجال، والأحوال والأنفاس.
والله تبارك وتعالى هو الرزاق وحده، ينعم على المؤمن والكافر، وعلى المطيع والعاصي، وعلى كل ما في الكون، لأنه وحده خالق الأرزاق ورازقها.
فالنعمة للمؤمنين تكون برضى الله تعالى، والنعمة للعصاة والكفار تكون من غضب الله تعالى وكذلك المصائب تكون على المؤمنين والمطيعين برضا الله تعالى ابتلاءً وامتحاناً، وتكفيراً للسيئات، ورفعة في الدرجات.
والمصائب على الكفار تكون من غضب الله تعالى وبعدها الهلاك، وهي لازمة لهم، لا تنفك عنهم حتى يأتي وعد الله كما قال سبحانه: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)} [الرعد: ٣١].
والنعمة لأهل الإيمان والطاعات كالطعام الذي يوضع في قفص البلابل.
والنعمة لأهل الكفر والمعاصي كالطعام في قفص الفئران، ليست بسبب الرضا، بل للبطش والهلاك كما قال سبحانه: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)} [الأنعام: ٤٤].
فالنعمة الأولى تقدم بالفرح والسرور، ثواباً وإكراماً لأهل الإيمان والطاعة كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)} [الكهف: ١٠٧].
والنعمة الثانية تقدم بالغضب والبطش كما قال سبحانه: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)} [التوبة: ٥٥].
والمصيبة على الكفار والعصاة كالسكين بيد الغضبان، والمصيبة على أهل الإيمان والطاعات كالسكين للعملية الجراحية.
فالسكين بالغضب يكون بها الموت، والسكين بالرضا يكون بعدها الشفاء.
ومثال سكين الغضب: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)} [الأنعام: ٤٤].
ومثال سكين الرضا: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)} [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
ونعم الله على عباده على ثلاث درجات:
الأولى: نعمة الإيجاد: فالله وحده هو الذي أوجد المخلوقات كلها.
الثانية: نعمة الإمداد: فبعد إيجادهم أمدهم الله بأرزاقهم فرداً فرداً، وجيلاً بعد جيل.
الثالثة: نعمة الهداية للإسلام، وهذه خاصة بالإنس والجن.
فأرسل الله إليهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ليسعدوا في الدنيا والآخرة.
فمن قبل النعمة نجا وسعد في الدنيا والآخرة.
ومن ردها هلك وشقي في الدنيا والآخرة:
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)} [البقرة: ٣٨، ٣٩].
والمنَّة تكدر النعمة، وهذه منّة المخلوق على المخلوق، وإنما قبحت منّة المخلوق، لأنها منّة بما ليس منه، وهي منّة يتأذى بها الممنون عليه، وهي مذمومة مبطلة للثواب كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: ٢٦٤].
أما منَّة الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها كما قال سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)} [آل عمران: ١٦٤].
وهل المنَّة كل المنَّة إلا لله المانّ بفضله، والذي جميع الخلائق من مننه وفي مننه، وما طاب العيش إلا بمنَّته سبحانه.
وكل نعمة في الدنيا والآخرة فهي منَّة يمنّ بها الله على من أنعم عليه، ودخول الجنة برحمة الله وفضله، وذلك محض منَّته على أهل طاعته.
فهو سبحانه المانّ بإرسال رسله.
وإنزال كتبه.
والتوفيق لطاعته.
والإعانة عليها.
والمانّ بالجزاء عليها.
فلا يدخل أحد الجنة بعمله.
وإنما برحمة الله وفضله.
ولكن الأعمال سبب.
وهو المانّ سبحانه برفعة الدرجات.
ومضاعفة الحسنات.
وتكفير السيئات.
وهو المانّ بكل نعمة.
وبكل رحمة.
وبكل إحسان.
وبكل هداية.
ولا منَّة لأحد على الله.
بل لله المنَّة على خلقه بنعمه التي لا تعد ولا تحصى كما قال سبحانه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)} [الحجرات: ١٧].
مختارات

