فقه خلق الخير والشر (١)
قال الله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)} [يونس: ١٠٧].
وقال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)} [الأنبياء: ٣٥].
الله تبارك وتعالى له ملك السموات والأرض، وكل ما يكون في الوجود هو بقضاء الله وقدره حلوه ومره، وخيره وشره.
وعلى العبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره:
إن أصابته نعمة علم أنها من الله فشكره عليها، وإن أصابته مصيبة صبر عليها ليثاب عليها.
وعليه إذا أذنب أن يستغفر الله ويتوب إليه، ولا يحتج بالقدر.
بل يعلم أنه هو المذنب العاصي الفاعل للذنب، وإن كان ذلك كله بقضاء الله وقدره ومشيئته.
إذ لا يكون شيء إلا بمشيئة الله وخلقه، فهو خالق كل شيء، لكن العبد هو الذي أكل الحرام، وظلم نفسه، وفعل الفاحشة، كما أنه هو الذي صلى وصام، وحج وجاهد.
فهو الموصوف بهذه الأفعال، وهو المتحرك بهذه الحركات، وهو الكاسب لها، له ما كسب، وعليه ما اكتسب.
والله خالق كل ذلك بقدرته ومشيئته، والعبد له مشيئة للخير والشر، وله قدرة على هذا وعلى هذا، وهو العامل لهذا وهذا، والله خالق ذلك كله.
فلله مشيئة، وللعبد مشيئة، لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب كما قال سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)} [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
والذنوب للأرواح كالسموم للأبدان، والذنوب مثل أكل السم، فالإنسان إذا أكل السم مرض او مات، فهو الذي يمرض ويتألم، ويتعذب ويموت، والله خالق ذلك كله.
وإنما مرض بسبب أكله، وهو الذي ظلم نفسه بأكل السم، فإن شرب الدواء النافع عافاه الله.
فالذنوب كأكل السم، والدواء النافع كالتوبة النافعة.
والمؤمن يصبر على المصائب، ويستغفر من الذنوب والمعائب.
والمنافق بالعكس لا يستغفر من ذنبه، ولا يصبر على ما أصابه، فلهذا يكون شقياً في الدنيا والآخرة.
وأساس كل خير أن يعلم العبد أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
فيتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فيشكر الله عليها، ويتضرع إليه ألا يقطعها عنه، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فيبتهل إلى الله أن يحول بينه وبينها، ولا يكله في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسه.
فكل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر فأصله من خذلانه لعبده.
والتوفيق بيد الله ومفتاحه الدعاء والافتقار، وصدق اللجوء إلى الله.
فمن أعطاه الله هذا المفتاح فتح له، ومن أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجاً عليه.
وجماع الخير الذكر والطاعات.
وجماع الشر الغفلة والشهوات.
فالغفلة عن الله والدار الآخرة تسد باب الخير الذي هو الذكر والطاعات، والشهوات تفتح باب الشر والسهو والخوف.
فيبقى القلب مغموراً فيما يهواه، غافلاً عن ربه، ساهياً عن ذكره، قد انفرط أمره، وران حب الدنيا على قلبه.
والإيمان بالقدر خيره وشره من أركان الإيمان.
والخير: ما يلائم العبد من الطاعات والأحوال الطيبة، من غنى وصحة ونحوهما.
والشر: ما لا يلائم العبد من المعاصي والأحوال المكروهة، من فقر ومرض ونحوهما.
والخير ينسب إلى الله، والشر لا ينسب إليه سبحانه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» أخرجه مسلم (١).
فالشر لا ينسب إلى الله لا فعلاً ولا تقديراً، ولا حكماً ولا إرادة، بل الشر في مفعولاته سبحانه لا في فعله.
ففعله كله خير، فالابن حين يشتكي المرض ويحتاج إلى كي، فإن أباه يكويه بالنار، فالمفعول الذي هو الكي شر، لكن الفعل خير، لأنه يعقبه الشفاء بإذن الله.
ثم إن ما يقدره لا يكون شراً محضاً، بل في محله وزمانه فقط، فإذا أخذ الله الظالم أخذ عزيز مقتدر صار ذلك شراً بالنسبة إليه، أما لغيره ممن يتعظ به فيكون خيراً.
وقطع يد السارق لا شك أنه شر عليه، لكنه بالتأمل خير بالنسبة له وبالنسبة لغيره.
أما بالنسبة له، فإن قطعها يسقط عنه العقوبة في الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وهو أيضاً خير بالنسبة لغير السارق، لأن فيه ردعاً لمن أراد أن يسرق، وفيه أيضاً حفظ الأموال.
والحق والخير ينتشران بالتعاون.
والشر والباطل ينتشران بالتعصب، لذلك أعمال الدين تقوم على الشورى، فكل محتاج إلى الآخر في إقامة الدين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» متفق عليه (٢).
والله تبارك وتعالى أصلح الأرض بما خلق فيها، وما خلق على ظهرها، من الأشياء والأسباب التي تلائم الإنسان.
وأصلحها ببعثة الرسل، وإنزال الكتب، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله وتوحيده والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له.
إن فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك بالله، ومخالفة أمره كما قال سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)} [الروم: ٤١].
وقد نهانا الله عزَّ وجلَّ عن الفساد في الأرض بقوله سبحانه: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)} [الأعراف: ٨٥].
ولا صلاح للأرض وأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، ورسوله هو المتبوع، وشرعه هو الذي يحكم حياة الناس.
ومن تأمل أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته، وطاعته وطاعة رسوله.
وكل شر في العالم من فتنة وبلاء، وقحط وتسليط عدو فسببه الكفر بالله ومخالفة أمر الله ورسوله، والدعوة إلى ما يغضب الله ويسخطه.
(١) أخرجه مسلم برقم (٧٧١).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٤٤٦)، ومسلم برقم (٢٥٨٥).
مختارات

