فقه الإيمان بالرسل (٣)
إن مصائر البشرية كلها في الدنيا والآخرة منوطة بالرسل.
وبأتباعهم من بعدهم.
فعلى أساس تبليغهم ما أمرهم الله به للبشر تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم.
ويترتب عليه ثوابهم أو عقابهم في الدنيا والآخرة.
ولهذا أكد الله على رسله إبلاغ جميع ما أرسلوا به للناس، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)} [المائدة: ٦٧].
إن أمر الرسالة وإبلاغ أوامر الله لعباده أمر هائل عظيم كبير، ومن ثم كان الرسل يحسون بجسامة ما كلفوا به، وكان الله يبصرهم بحقيقة العبء الذي ينوطه بهم، ويعلمهم كيف يتهيأون له، ويستعدون للقيام به، كما قال الله لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)} [المزمل: ١ - ٥].
فالأنبياء ليس لهم عمل إلا عبادة الله وحده لا شريك له، وامتثال أوامره، ودعوة الناس إلى دينه، وتعليمهم أحكامه: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)} [المدثر: ١ - ٣].
والنبي - صلى الله عليه وسلم - خير من عبد ربه.
فكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه.
وهو خير من دعا إلى ربه.
فقد بلغ البلاغ المبين.
ودعا إلى ربه حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً.
وهو خير من علم أحكام الشرع.
فقد ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيع عنها إلا هالك.
حقاً، إنه أمر هائل عظيم، أمر رقاب الناس، أمر حياتهم ومماتهم، أمر سعادتهم وشقاوتهم، أمر ثوابهم وعقابهم.
فالبشرية في أنحاء الأرض قاطبة:
إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة.
وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها يوم القيامة لأنها لم تبلغ ولم تعلم، وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها، وعذابها في الآخرة، معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ؟.
والله يقول لكل مسلم: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
فأما رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فقد بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، وجاهدوا في الله حق جهاده.
بلغوا الرسالة دعوةً باللسان.
وقدوة حسنة للعباد.
وجهاداً مضنياً بالليل والنهار.
ودعوة ودعاء يملأ الأوقات، والألسنة، والقلوب.
وجهاداً في سبيل الله متواصلاً لإزالة العقبات والعوائق: سواء كانت هذه العقبات شبهات تحاك، وضلالات تزين، أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة، وتفتن الناس عن دينهم.
ثم مضى هؤلاء الأنبياء والرسل إلى ربهم مبلغين لدين ربهم، خالصين من هذا الالتزام الثقيل، من أول الرسل نوح - صلى الله عليه وسلم - إلى خاتمهم وسيدهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وبقي هذا الواجب الثقيل على من بعده من المؤمنين برسالته.
فهناك أجيال وأجيال جاءت وستجيء من بعده - صلى الله عليه وسلم -، ودعوة هؤلاء إلى الإسلام وتبليغهم الدين منوط بعده بأتباعه.
ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة، تبعة إقامة حجة الله على الناس، وتبعة استنقاذ البشرية من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا إلا بالتبليغ والأداء، على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدى: جهد وتضحية.
وحكمة ورحمة.
وحلم وصبر.
وبذل وإحسان.
ودعوة ودعاء.
فالرسالة هي الرسالة، والناس هم الناس، والوظيفة هي الوظيفة.
وهناك في كل زمان وفي كل مكان:
ضلالات وأهواء.
وشبهات وشهوات.
وقوى طاغية في البر والبحر والجو.
تقوم دون الناس.
ودون الدعوة.
وتفتنهم عن دينهم بالتضليل.
وبالقوة والقهر.
وبالسخرية والاستهزاء.
وبالقتل والتشريد: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)} [البروج: ٨].
وأمام هذا ليس هناك إلا حل واحد، ومركب واحد ينقذ البشرية والإنسانية مما هي فيه من الجاهلية والضلال، والفتن والظلام، ألا وهو أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
لا بد من استقامة على الدين.
ولا بد من إبلاغ للدين الحق.
بلاغ للبشرية بالبيان.
وبلاغ بالعمل حتى يكون المبلغون ترجمة حية للدين والأخلاق.
وبلاغ بإزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة.
وتفتن الناس بالباطل وبالقوة، وإلا فلا بلاغ ولا أداء.
ومن العقوبة والخسران أنه الأمر الواجب على المؤمنين الذي لا حيلة في النكوص عن حمله، وإلا فهي التبعة الثقيلة المؤلمة:
تبعة ضلال البشرية كلها، وحرمانها من حقها، وشقوتها في الدنيا والآخرة.
وتبعة عدم قيام حجة الله عليها في الآخرة.
وحمل التبعة في هذا كله.
وحرمانها من الجنة، وعدم النجاة من النار.
ألا ما أخطر الأمر؟.
وما أعظم نقض العهد.
وعدم أداء حق البشرية.
من ذا الذي يستهين بهذه التبعة العظيمة، التي تقصم الظهر، وتهز المفاصل، وترعد لها الفرائص؟.
إن المسلم إما إن يستقيم كما أمر الله، ويبلغ ويؤدي هكذا، وإلا فلا نجاة له في دنيا ولا أخرى.
وحين يقول المرء أنه مسلم ثم لا يبلغ الدين، ولا يؤديه إلى الآخرين إنما هذا يؤدي شهادة ضد الإسلام الذي يدعيه، بدلاً من أداء شهادة له تحقق فيه قوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: ١٤٣].
فهذه الأمة عدل خيار وسط، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر.
فجعل الله هذه الأمة وسطاً في كل أمور الدين:
وسطاً في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك.
ووسطاً في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.
وفي باب الطهارة والمطاعم لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم طيبات أحلت لهم عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئاً، ولا يحرمون شيئاً، بل أباحوا كل شيء.
ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل وا لإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم.
فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أحسنها، ومن الأعمال أفضلها، ولهذا كانوا وسطاً كاملين، ليكونوا شهداء على الناس، بسبب عدالتهم، وحكمهم بالقسط.
وتبدأ شهادة المسلم للإسلام بأن يكون هو بذاته، ثم بيته وعائلته، ثم أسرته وعشيرته صورة واقعية حية من الإسلام الذي يدعو إليه.
وتخطو شهادته الخطوة الثانية بدعوة الأمة إلى الله، لتحقق الإسلام في حياتها كلها، حسب أمر الله ورسوله.
وتنتهي شهادته بالجهاد في سبيل الله لإزالة العوائق التي تضل الناس وتفتنهم عن دينهم، من أي لون كانت هذه العوائق.
فإذا استشهد في هذا فهو إذاً شهيد.
أدى شهادته لدينه.
ومضى إلى ربه.
وهذا وحده هو الشهيد.
بل هو أعلى الشهداء.
وهذا عمل الأنبياء، بل عمل سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه.
مختارات

