تدبــــر - المجموعة الثانية والعشرين
A
القرآن غيرني (39): كنت واقعة في ذنب يشق علي تركه، وفي كل مرة ارتكبه يتملكني شعور بالضيق الشديد، وفي أحد الأيام فتحت المذياع؛ فإذا بقول الله عز وجل: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم} يرتله أحد القراء بصوت مؤثر جدا؛ فاقشعر جسمي، وكان ذلك اليوم الحد الفاصل بين المعصية والإنابة إلى الله.
كان الحسين بن الفضل معروفا بإخراج أمثال العرب والعجم من القرآن، فقيل له: هل تجد في كتاب الله " خير الأمور أوساطها " ؟ قال: نعم، في أربعة مواضع: - {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك}. - {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}. - {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط}. - {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}
{ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } قوله: {للذكر} قيل في معناه أقوال، وأقربها للصواب: الادكار والاتعاظ، أي: أن من قرأه ليتذكر به ويتعظ به؛ سهل عليه ذلك واتعظ وانتفع، ومما يرجح هذا: قوله بعد ذلك: {فهل من مدكر} يعني: هل أحد يدكر؟ مع أن الله سهل القرآن للذكر، أفلا يليق بنا وقد سهله الله للذكر أن نتعظ ونتذكر؟ بلى! [ابن عثيمين]
إذا تدبرت كتاب الله؛ تبين أنه يفصل النزاع بين من يحسن الرد إليه، وأن من لم يهتد إلى ذلك؛ فهو: إما لعدم استطاعته فيعذر، أو لتفريطه فيلام ". [ابن تيمية]
القرآن غيرني (40): كنت يوما أقرأ: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا..} فاستوقفتني {أوذوا في سبيلي} وسألت نفسي: هل أوذيت في سبيل الله؟ فحزنت، وخشيت ألا أنال حظا من الآية. وعزمت أن أتحرك وأبذل لديني، وأتحمل التبعات حتى أنال الجزاء الوارد في ختام الآية.
قلب فكرك: {فالق الحب والنوى}، {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا} قال الزجاج: وإذا تأملت الخلق، بان لك أن أكثره عن انفلاق، كالأرض بالنبات، والسحاب بالمطر
" من معجزات القرآن الكريم: أنه يدخر في الألفاظ المعروفة في كل زمن، حقائق غير معروفة لكل زمن؛ فيجليها لوقتها ". [مصطفى الرافعي]
القرآن غيرني (41): هذه الآية غيرتني {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} فعندما تأملتها قلت لنفسي: أنا لن أدخل الجنة حتى أنفق مما أحبه، كنت أحب النوم فصرت أترك منه جزءا كبيرا وأقوم الليل، ولمّا أضعف أتذكر الآية!
عندما تتصف المرأة بخصال تشينها خلقا ودينا؛ فإنها تجتهد في توريط بنات جنسها بذلك؛ مستغلة مكانتها وطيبة كثير من النساء، فتوردهن –بمكرها- المهالك، قف وتأمل قصة امرأة العزيز مع نسوة المدينة، فبعد استنكار الباطل، أصبحن للشر أعوانا! [أ.د.ناصر العمر]
من أصلح ما بينه وبين الله، حفظه الله في: - حياته: {وهو يتولى الصالحين}. - وفي منامه: تأمل حفظ الله لأصحاب الكهف، وكيف أصاب الكلب بركة حفظهم. - وبعد مماته: {وكان أبوهما صالحا}. فاللهم أصلحنا وأصلح بنا ولنا. [د.عمر المقبل]
رأيت في سيول جدة هنا نعمة عظيمة، هي من المنح التي تخبئها المحن، إنها تكاتف المسلمين وحرصهم على بعضهم، رغم انشغال كل واحد منهم بنفسه، فهذا يحمل طفلة، وذا يسند شيخا، وذاك يؤوي عاجزا في بيته، هنا رأيت {إنما المؤمنون إخوة} واقعا معاشا لا تخطئه العين. [من متدبر].
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُون}.قال: " بنورهم " ولم يقل: " بنارهم " ؛ لأن النار فيها الإحراق والإشراق، فذهب بما فيه الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيه الأذى والإحراق، وكذلك حال المنافقين! ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم. [ابن القيم]
القرآن غيرني (42): كنت أعاني من هم وضيق، فسمعت شرحا لقصة موسى ورأيت كيف أنه لمّا أحسن للفتاتين وسقى لهما ودعا ربه أتاه الفرج، وكانت عندنا مستخدمة بالمدرسة فقيرة؛ فأحسنت إليها، وطلبت من الله الإحسان؛ ففرج الله همي وشرح صدري، وصدق الله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}.
قال تعالى عن آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} قال ابن سيرين: كان أبو هريرة يأتينا بعد صلاة العصر فيقول: عرجت ملائكة، وهبطت ملائكة، وعرض آل فرعون على النار! فلا يسمعه أحد إلا يتعوذ بالله من النار.
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} خفة الطاعة من آثار محبة المطاع وإجلاله، فإن قرة عين المحب في طاعة المحبوب، ففي الحديث: " وجعلت قرة عيني في الصلاة " لما فيها من المؤانسة، ولذة القرب وأنس المناجاة. [العز بن عبدالسلام]
في كارثة جدة تذكرت ببعض ما سيكون يوم المعاد!
لقد رأى الناس أثر تهدم بعض السدود فيما وقع من فواجع!
فإذا كان هذا أثرا لاجتماع سيل عارض من ماء، فكيف سيكون الحال إذا جاء زمان: {وإذا البحار فجرت}؟
هي مواقف نحياها، فالموفق يعتبر، ومن لم يعتبر فليبحث عن قلب، فإن برودة الحس في أمثال هذه الأحداث علامة على قسوة القلب. [أ.د.ابتسام الجابري]
لا عذر لامرأة مسلمة أن تبرر تقصيرها وعدم استقامتها بفساد أهل بيتها، أو بيئتها، وما تواجهه من ضغوط؛ فهذه امرأة فرعون بلغت الكمال لثباتها -مع ما بلغه فرعون وملأه من إسراف وظلم عظيم- فتدبر قصتها في سورة التحريم؛ تجد تلك الحقيقة المذهلة. [أ.د.ناصر العمر]
{أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} فالكتاب كاف عن كل آية لمن تدبره، وتعقله، وعرف معانيه، وانتفع بأخباره، واتعظ بقصصه؛ فإنه يغني عن كل شيء من الآيات، لكن الذي يجعلنا لا نحس بهذه الآيات العظيمة: أننا لا نقرأ القرآن على وجه نتدبره، ونتعظ بما فيه؛ فأكثر المسلمين يتلونه لمجرد التبرك! [ابن عثيمين]
الحكم بغير ما أنزل الله من أعظم أسباب تغيير الدول، كما جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا. ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره؛ فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله يقول في كتابه: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز* الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}. [ابن تيمية]
القرآن غيرني (43): كنت لا أعرف طريق المسجد، والحياة عندي عبث في عبث، فسمعت يوما قارئا يقرأ قوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} فتأملت في حالي فأحسست حقا أن كل ما كنت فيه من لهو وعبث وضلال، ليس إلا لهثا وراء سعادة زائفة! ومعيشة ضنكا؛ فأطفأت السيجارة، وأشعلت أنوار الإيمان.. أسأل الله الثبات
{أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون}كم في هذه القصة من درر! 1 - حاجة الصغير إلى اللعب المباح. 2 - ألا يرسله أبوه إلا مع من يحفظه ويصونه. 3 - مجرد كون من يذهب معهم من أقاربه ليس كافيا في ائتمانهم عليه، إن لم تقم أدلة أخرى على صلاحهم والثقة بهم، ولا يعني هذا سوء الظن بالناس؛ ولكن الأخذ بالحذر والاحتياط أولى في هذا الزمن.
حتى يرق قلبك! {ورتل القرآن ترتيلا} أي: تمهل وفرق بين الحروف لتبين، والمقصد أن يجد الفكر فسحة للنظر، وفهم المعاني، وبذلك يرق القلب، ويفيض عليه النور والرحمة. [ابن عطية]
افتراضي الحكم بغير ما أنزل الله من أعظم أسباب تغيير الدول، كما جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا. ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره؛ فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله يقول في كتابه: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز* الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}. [ابن تيمية] ج.تدبر القرآن غيرني (43): كنت لا أعرف طريق المسجد، والحياة عندي عبث في عبث، فسمعت يوما قارئا يقرأ قوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} فتأملت في حالي فأحسست حقا أن كل ما كنت فيه من لهو وعبث وضلال، ليس إلا لهثا وراء سعادة زائفة! ومعيشة ضنكا؛ فأطفأت السيجارة، وأشعلت أنوار الإيمان.. أسأل الله الثبات. ج.تدبر {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون}كم في هذه القصة من درر! 1 - حاجة الصغير إلى اللعب المباح. 2 - ألا يرسله أبوه إلا مع من يحفظه ويصونه. 3 - مجرد كون من يذهب معهم من أقاربه ليس كافيا في ائتمانهم عليه، إن لم تقم أدلة أخرى على صلاحهم والثقة بهم، ولا يعني هذا سوء الظن بالناس؛ ولكن الأخذ بالحذر والاحتياط أولى في هذا الزمن.
ج.تدبر حتى يرق قلبك! {ورتل القرآن ترتيلا} أي: تمهل وفرق بين الحروف لتبين، والمقصد أن يجد الفكر فسحة للنظر، وفهم المعاني، وبذلك يرق القلب، ويفيض عليه النور والرحمة. [ابن عطية] ج.تدبر يا من تتقلب في النعم، انتبه! {لتسألن يومئذ عن النعيم} " هذا السؤال يعم الكافر والمؤمن، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة؛ وسؤال الكافر تقريع أن قابل نعم الدنيا بالكفر والمعصية ". [الماوردي]
{وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن... } الآية، ثم قال بعدها: {تبارك الذي جعل في السماء بروجا...} الآيات، ومناسبة هذا: أنه " لما تجاهل المشركون الرحمن، واستكبروا عن السجود له، عرفهم القرآن بالرحمن: بخلقه، وتدبيره وإنعامه، ثم عرفهم بعباده الذين عرفوه بذلك، فآمنوا به، وخضعوا له، بما اشتملت عليه هذه الآيات من صفاتهم، وفي ذلك تشريف كبير لهم، وتبكيت لأولئك المتجاهلين المتكبرين ". [ابن باديس]
قال تعالى في سورة البقرة: {رب اجعل هذا (بلدا) آمنا}، وقال في إبراهيم: {هذا (البلد) آمنا} فحاول أن تتأمل في سر مجيء آية البقرة بدون تعريف، وآية إبراهيم معرفة، ومما يعينك على فهم السر، تأمل سياق الآيات. الجواب: لأن آية (البقرة) دعا به الخليل عليه السلام قبل أن يكون بلدا، بل قاله عند ترك هاجر وإسماعيل به وهو واد، فدعا بأن يصير بلدا، أما آية (إبراهيم) فإنه دعا به بعد عودته، وسكنى جرهم به، وبعد أن صار بلدا، فدعا بأمنه. [الإتقان]
من أهم أسباب الأحداث الجارية في الدول العربية: سوء توزيع الثروات (وليس شحها)، وهذا ناشئ من عدم توافر أهلية المسئولين عن ذلك، وإلا فيوسف -عليه السلام- استطاع أن يجتاز بمصر أحلك الأزمات الاقتصادية بأمان؛ لتوافر شروط الكفاءة فيه. تدبر: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}. [أ.د.ناصر العمر]
يقول ابن تيمية: من فسر من العلماء (الاختيان) الوارد في قوله تعالى: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما} بأنه ظلم النفس بأي ذنب كان سرا أو علانية، ففي قوله نظر؛ لأن الاختيان إنما يستعمل في الذنوب التي تفعل سرا فحسب، كقوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم}.
القرآن غيرني (45): {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} هذه الآية كانت درسا لي، عندما قرأتها شعرت كأني المخاطبة. أريد الجنة، وأريد رؤية الله سبحانه! لكن أين العمل؟! ومن لحظتها قررت الاجتهاد في العمل الصالح.
قف متدبرا: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} ثم تأمل ما جرى من أحداث في ضوء هذه الآيات وغيرها، تجد مصداق ذلك، وكأنها أنزلت اليوم!
{أفرأيت إن متعناهم سنين* ثم جاءهم ما كانوا يوعدون* ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} ثم تخلى عنهم القريب والبعيد
{فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}. فما أتعس من لم يزن الأحداث بميزان القرآن! {فبأي حديث بعده يؤمنون}! [أ.د.ناصر العمر]
الأحداث الجارية والمتغيرة تحتاج منا عكوفا على كتاب الله تعالى؛ لاستلهام المنهج الرباني في الحكم والتعامل، وجرب أن تقرأ القرآن قراءة خاصة لهذا الغرض؛ فستجد القرآن وكأنه يتنزل على الأحداث، ويكشف لك سنن الله في الأمم والمجتمعات. [د.محمد الربيعة]
قال تعالى عن الملائكة: {يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} وفيها فائدتان: 1- أن الله لم يذكر عن الملائكة استغفارا؛ لعدم حاجتهم له، بل هم يسبحون. 2 - أنهم قدموا بين يدي استغفارهم للمؤمنين تسبيحا وتحميدا، وهكذا ينبغي للداعي أن يكون. [أ.د.محمد أبو موسى]
ختمت قصة نوح في (الصافات) بـ: {إنا كذلك نجزي المحسنين} فكل من أحسن فالله يجزيه كما جزى نوحا عليه السلام، والذي جزاه الله بأمرين: بما ترك عليه في الآخرين، وبما سلمه في العالمين. وكذلك من كان مؤمنا بالله، محسنا في عبادته، وإلى عباده، فالله يجزيه كما جزى نوحاً: ينجيه من الهلاك، ويسلم عرضه من الذكر السيئ، ويلقي محبته وثناء الناس على ألسنة الخلق. [ابن عثيمين]
القرآن غيرني (46): من أعظم الأشياء التي كانت تصدني عن التوبة: تلبيس الشيطان علي في القنوط من رحمة الله، وأني صاحب ذنب لا يغتفر؛ حتى قرأت: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} إلى: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} فإذا كان الله فتح باب التوبة لمن نسب له الصاحبة والولد فكيف بمن دونه!
في سورة البقرة في الآية (187) قال تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها} وقال بعد ذلك (آية 229): {تلك حدود فلا تعتدوها} حاول أن تتدبر سياق الآيات؛ لتعرف سر الفرق بين الآيتين. الجواب: الآية الأولى قيل فيها: {فلا تقربوها} لأنها وردت بعد عدة نواهي؛ فناسب النهي عن قربانها، أما الآية الثانية فقد جاءت بعد أوامر؛ فناسب النهي عن تعديها وتجاوزها، بأن يوقف عندها. [الإتقان]
المتأمل لما يسمع من تحليلات وتوقعات حول أحداث الأمة؛ يلحظ اضطرابا وغبشا في الرؤية، والسر في ذلك: عدم الانطلاق من منهج القرآن في تقويم الأحداث، فأصبحوا كمن يسير في ظلمات متراكمة، تدبر آية النور: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج} إلى آخر الآية: {ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور}. [أ.د.ناصر العمر].
{إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} من أعظم أنواع الفرقان الذي يؤتاه المتقي لربه: البصيرة زمن الفتن. قال الحسن البصري: " إذا أقبلت الفتنة عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها الناس كلهم "، وقد وصف أيوب السختياني الحسن البصري بقوله: " كان يبصر من الفتنة إذا أقبلت ما نبصر منها إذا أدبرت ".
قال ابن تيمية: " إن الفتن إنما يعرف الناس ما فيها من الشر إذا أدبرت "
{وهم ينهون عنه وينأون عنه} عرف الكفار عظيم تأثير هذا القرآن؛ فلم يكتفوا بإعراضهم عنه، بل اجتهدوا في صد الناس عنه بكل وسيلة، فصار نشر القرآن -حفظا، وتدبرا، وتعليما- من أعظم درجات الجهاد: {وجاهدهم به جهادا كبيرا}. [د.عمر المقبل]
ذكر الله في آخر البقرة أحكام الأموال، وهي ثلاثة أصناف: عدل، وفضل، وظلم؛ فالعدل: البيع. والظلم: الربا. والفضل: الصدقة. فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم، وذم المرابين وبين عقابهم، وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى. [ابن تيمية]
القرآن غيرني (47): {يوم تبلى السرائر} كل إنسان ستظهر سريرته وينكشف مخبؤه وسيظهر مستوره، يا له من يوم! حقا لما تدبرت هذه الآية حركت مكامن الخوف عندي؛ رغم أني أحفظها وأرددها، وصرت أتقي الله في خلوتي وفيما أحفظه في سريرتي
في قوله تعالى عن المنافقين في أوائل البقرة:{ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} كرر حرف الجر (الباء) مع العطف، وهذا لا يكون إلا للتأكيد، وهذه الآية حكاية كلام المنافقين، وهم أكدوا كلامهم نفيا للريبة وإبعادا للتهمة؛ فنفى الله الإيمان عنهم بأوكد الألفاظ، فقال: {وما هم بمؤمنين}. [الكرماني]
لما ذكر الباري نعمته على العباد بتيسير الركوب للأنعام والفلك قال: {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون}؛ ذكر فيها أركان الشكر الثلاثة، وهي: - الاعتراف والتذكر لنعمة الله، - والتحدث بها، والثناء على الله بها، - والاستعانة بها على عبادته. [السعدي]
إن الإنسان محتاج دائما إلى منشطات الأمل وكوابح الغرور، فإن يأسه من النجاح يقوده إلى السقوط، واغتراره بما عنده يمنعه السبق؛ ولذا كان من سنن القرآن الجمع بين الوعد والوعيد، كما في قوله: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} ليظل الإنسان دائما محكوما بمشاعر الخوف والرجاء
القرآن غيرني (48): جلست مرة مع شباب ممن انغمسوا في قراءات فكرية منحرفة، وسمعتهم يستشهدون لأفكارهم بمقولات الفيلسوف الفلاني والمفكر الفلاني ممن لم يشموا رائحة الوحي! -والابتسامة تعلو وجوههم!- فقلت لهم: هذه الأفكار موجودة في القرآن، ثم تلوت الآيات، فتمعرت وجوههم، فتذكرت عندها قوله تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون}! فكانت هذه من عوامل هدايتي الفكرية
قال تعالى في سورة (الأعراف): {فاستعذ بالله إنه سميع عليم}؛ بينما قال في (فصلت): {فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم}، وقد التمس أهل العلم حكمة في التفريق بينهما، فتأمل ذلك، واعلم أسباب النزول له أثر في هذا التفريق. الجواب: قال ابن جماعة: لأن آية الأعراف نزلت قبل آية فصلت؛ فحسن التعريف؛ أي: {هو السميع العليم} الذي تقدم ذكره أولا عند نزوغ الشيطان. [الإتقان]
الاعتماد في الحماية والنصرة على المخلوقين؛ من أعظم أسباب الخذلان في أحرج الأوقات، تدبر: {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب}. [أ.د.ناصر العمر].
{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة، موالية لله ولرسوله ولعباده المؤمنين، معادية لأعداء الله ورسوله وأعداء عباده المؤمنين، وقلوبهم الصادقة، وأدعيتهم الصالحة، هي العسكر الذي لا يغلب والجند الذي لا يخذل، فإنهم هم الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة. [ابن تيمية].
القرآن غيرني (49): كنت كغيري أقرأ القرآن بسرعة وهذرمة، وكان همي آخر السورة! وكنت أقرأ في الساعة الواحدة ثلاثة أجزاء، فلما استمعت إلى كلمات أحد مشايخي عن التدبر، وأثره في صلاح القلب، بدأت أدرب نفسي على ذلك، فصرت -والله الشاهد- لا أجد لذة للقراءة إلا بالتدبر، حتى إني قد أبقى في الجزء الواحد نحو ثلاث ساعات، فأدركت شيئا من معاني: {ليدبروا آياته}.
{فاصبر إن وعد الله حق} جاء الحديث عن صدق وعد الله بعد الصبر؛ لأنه " مما يعين على الصبر، فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع بل سيجده كاملا؛ هان عليه ما يلقاه من المكاره، ويسر عليه كل عسير، واستقل من عمله كل كثير ". [ابن سعدي].
قال الهدهد لسليمان -عليه السلام- متحدثا عن ملكة سبأ: {إني وجدت امرأة تملكهم} ولم يقل: (...ملكة تملكهم) مع أنها ملكة حقا!! ولكن كأن الهدهد قد استقبح من رجال أن يملّكوا أمرهم امرأة؛ فجاء باللفظ الذي يقبح ذلك، ويضع المرأة من الحياة موضعها الذي تقتضيه فطرة الخلق. [علي جاسم محمد].
القرآن غيرني (50): أنا طالب علم، وذات مرة توقفت عند قوله تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون...} الآية، فبكيت كثيرا على ضياع ليال كثيرة في هذه الليالي الشاتية الطويلة، وأنا لم أشرف نفسي بالانتصاب قائما لربي ولو لدقائق، فكان هذا البكاء مفتاحا لبداية أرجو أن لا تتوقف حتى ألقى ربي.
سُئل بعضُ العلماءِ -ممن عُرف باستخراجِ أمثلةِ العربِ من القرآنِ-: هل تجدُ في كتابِ الله " من جهل شيئًا عاداه " ؟ قال نعم! في موضعين: الأول: { بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}. الثاني: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}.
من المهم أن يدركَ خصمُك في قرارةِ نفسِه أنك صادقٌ في دعوتك، ثابتٌ على منهجك، ولو خالفك وآذاك ورماك بأبشعِ التُّهم، تدبَّرْ هذه الآيات: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ}، {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}، {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ}. [أ.د.ناصر العمر].
الباطلُ مهما انتفشَ فهو مستدرج: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}. [محمد الراوي].
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} استدل العلماء بهذه الآية على أنه لو دخلت محبة الرسول ومحبة سنته في قلب عبد فإن الله لا يعذب هذا القلب، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ فإذا كان مجرد وجود حب الرسول في القلب مانعا من تعذيبه، فما بالك بوجود محبة الله سبحانه في ذلك القلب! [ابن القيم].
الظلم ظلمات، ولابد أن يلقى الظالم جزاءه وإن طالت حبال الأيام، وتأمل كيف أن إخوة يوسف لما امتدت أيديهم بالظلم لأخيهم {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} امتدت أكفهم بين يديه بالطلب، يقولون: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ... وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا}. [ابن الجوزي].
قال مقاتل: صديق موافق خير من ولد مخالف، ألم تسمع قول الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}؟
تدبر قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} إن الجملة الأخيرة تدل على أن الأمر الفرط، أو الوضع السائب، أو المجتمع المحلول؛ يجيء ثمرة غفلة القلب، واتباع الهوى، سواء أكان ذلك في أحوال النفس أم في أخلاق الجماعة! [محمد الغزالي].
قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} ولم يقل (يرفعكم)، فما الحكمة في ذلك؟ قال العلامة السعدي جوابا على السؤال: ولم يقل يرفعكم؛ ليدل ذلك على فضيلة الإيمان والعلم عموما، وأن بهما تحصل الرفعة في الدنيا والآخرة، ويدل على أن من ثمرات العلم والإيمان: سرعة الانقياد لأمر الله، وأن هذه الآداب ونحوها إنما تنفع صاحبها، ويحصل له بها الثواب إذا كانت صادرة عن العلم والإيمان.
من التجارب النافعة لبعض العقلاء: عدم الانزعاج من النقد، أو إشغال النفس بقصد الناقد ونيته؛ وإنما أفيد مما فيه -بغض النظر عن قائله وأسلوبه-، وقد تأملت عموم دلالة آية غافر وتقسيمها العقلي؛ فازددت قناعة بهذا المنهج، فتدبرها: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}. [أ.د.ناصر العمر].
الفكر هو مبدأ أي عمل؛ فالإنسان إنما يعمل –عادة- بعد أن يجيل فكره، وبعد أن ينظر، ثم بعد ذلك يقدم على العمل: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، فبعد أن تفكروا عملوا؛ فسألوا الله الجنة، واستعاذوا به من النار. [د.خالد السبت].
وتحت قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} كنز عظيم، من وفق لمظنته وأحسن استخراجه، واقتناءه، وأنفق منه؛ فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين، فإن لم يثبته زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما، وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}. [ابن القيم].
تسونامي اليابان: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}! سيارات تتدحرج كحبات المسبحة وهي تتناثر، وطرق القطارات، والسيارات كأنما هي خيط تلك المسبحة، والقتلى والجرحى بالآلاف بعد مرور (24 ساعة) فقط من وقوع الطوفان، وصار الناس كأنهم على بوابة القيامة فتراهم: {سكارى وما هم بسكارى}، مشهد يحرك في القلب معنى من معاني عظمة الجبار، وضعف الإنسان، فاللهم جنب بلاد المسلمين آثاره، ولين قلوبنا لنعتبر.
