الخزانة الخامسة..
• فقه المعاملات:
امتثال أوامر الله ﷿، سواء كانت فيما بين العبد وربه كالصلاة، أو فيما بين العبد وخلقه، كالبيع والإجارة ونحوهما، وكل ذلك عبادة الله، فالمسلم كما يعبد الله في مسجده كذلك يعبده في سوقه، وفى بيعه وشرائه، وفى أخذه وعطائه؛ فأحكام الله ﷿ على الإنسان كاملة، تستغرق جميع أوقاته وأحواله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
والمسلم يعمل في أي عمل كسبي مشروع؛ لحكم عظيمة، منها تنفيذ أمر الله في ذلك العمل، وإرضاء ربه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وإحياء سنة الرسول ﷺ في ذلك العمل، وفعل الأسباب المأمور بها شرعا، والتوكل على الله في جلب الرزق، ثم الله بعد ذلك يرزقه رزقا حسنا، ويوفقه لأن يصرفه في مصرف حسن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠].
ومعرفة أحكام الحلال والحرام، وأحكام البيع والشراء، والأخذ والعطاء، تُبصر الناس بمعرفة أحكام الله التي شرعها لعباده، فيأخذون الحلال الطيب الذي أحله الله ورسوله، ويجتنبون المعاملات، والأشياء المحرمة الخبيثة، ويتعبدون لله بذلك، وفي ذلك نفع للمسلمين، وتكميل لعبوديتهم لربهم، وسلامة لهم من الوقوع في المحرمات والمشتبهات والعقوبات: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• الفرق بين الشعائر والشرائع:
الإسلام كله أعمال صادرة عن المخلوق، حسب أمر الخالق سبحانه، والمسلم يعبد الله بامتثال تلك الأوامر، في جميع أحواله، ويؤجر على ذلك: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
فالإسلام دين كامل؛ جاء بما يسعد الناس في الدنيا والآخرة، جاء بتنظيم المعاملات بين المخلوق والمخلوق، وبالعبادات التي تزكى النفوس، وتطهر القلوب، وتعدها لطاعة الله في كل حال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وجاء الإسلام بتنظيم المعاملات بين المخلوق والمخلوق بالعدل والإحسان، كالبيوع والنكاح، والمواريث والحدود وغيرها، فمن استقام على هذا وهذا، فهو أسعد الناس في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
أقسام العقود:
تنقسم العقود الشرعية إلى خمسة أقسام:
الأول: عقود المعاوضة، هي كل عقد اشتمل على بذل عوض مقابل شئ كالبيع والإجارة ونحوهما.
الثاني: عقود التبرع، وهى كل عقد اشتمل على تبرع بلا عوض كالهبة والهدية والصدقة والوقف والوصية.
الثالث: عقود الإنفاق، ويقصد بها الإنفاق دون مقابل كالقرض والعارية ونحوهما.
الرابع: عقود التوثيق، يقصد بها توثيق الحق كالرهن والكفالة والوكالة وغيرها.
الخامس: عقود الأمانات، وهى التي مبناها على الأمانة كالوديعة.
وقد شرع الله ذلك كله؛ رحمة بالعباد، وتأليفا لقلوبهم، وتحقيقا للأخوة الإيمانية فيما بينهم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
وقال رسول الله ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
متفق عليه.
و قال ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
متفق عليه.
والإسلام دينٌ عظيمٌ كامل شرعه الله؛ ليسعد به الإنسان في الدنيا و الآخرة.
وجاء الإسلام بتنظيم العلاقات بين الخالق و المخلوق بأنواع العبادات التي تزكي النفوس، وتطهر القلوب، وتهذب الأخلاق، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وجاء الإسلام بتنظيم المعاملات بين المخلوقين بعضهم مع بعض بالمعاملات الدائرة بين العدل و الإحسان، كالبيوع و النكاح، والمواريث والحدود، والهدية والوصية وغيرها مما يجلب المودة، ويحقق المحبة، ويفتح أبواب الرحمة؛ ليعيش الناس أخوةً في أمنٍ و عدلٍ، ومحبةٍ ورحمة، يؤدون حقوق الله، وحقوق عباده، وامتثال أمر الله في هذا و هذا كله عبادة يؤجر عليها العبد: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
فقه المصالح الكبرى
المصالح التي عليها مدار الشرائع الإلهية ثلاث:
الأولى: درء المفاسد، وتسمى الضروريات.
الثانية: جلب المصالح، وتسمى الحاجيات.
الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق، وتسمى التحسينات.
فالضروريات تكون بدرء المفاسد عن خمسة أشياء هي:
الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
و جلب المصالح يكون بإباحة الحاجات، والمصالح المشتركة بين الناس، على الوجه المشروع، يستجلب الإنسان بواسطتها حاجته و مصلحته من الآخر، بأحسن وجوه العدل والإحسان كالبيوع، والإيجارات، والقروض، ونحوها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
و الجري على مكارم الأخلاق يكون بفعل الفضائل التي تزيد الحياة حُسنًا وجمالاً، وطمأنينة و محبة، وأمنًا و سعادة و بهجة، من عفوٍ و حِلم، وصبرٍ و إحسان، وشفقةٍ ورحمة:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فضل الورع في المعاملات:
يجب على المسلم أن يكون بيعه وشراؤه، وطعامه وشرابه، وسائر معاملاته، على السُنة، فيأخذ الحلال البيّن و يتعامل به، و يجتنب الحرام البين و لا يتعامل به، أما المشتبه فينبغي تركه؛ حمايةً لدينه، ولئلا يقع في الحرام الموجب للعقوبة.
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺيَقُولُ: «وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ! إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْب».
متفقٌ عليه.
و الأصل في المعاملات والعادات، والبيع والشراء، الحِل و الإباحة، أما المعاملات و العقود المحرمة، فترجع إلى ضرر الطرفين أو أحدهما، و ذلك يرجع إلى ثلاث قواعد:
قاعدة الربا، وقاعدة الغرر والجهالة، وقاعدة الخداع، هذا أساس المعاملات المحرمة في الإسلام: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
و قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
و قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
وعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا قَالَ هَمَّامٌ وَجَدْتُ فِي كِتَابِي يَخْتَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا».
متفقٌ عليه.
***
مختارات
