الخزانة الرابعة..
كل عمل بن آدم له إلا الصوم فإن لله ﷿ هو الذي يجزي به، واختص الله ﷿ الصيام بأنه له من بين سائر الأعمال، لأن الصيام أعظم العبادات إخلاصًا فإنه سر بين العبد وربه، ونيته باطنه، ولا يعلم به أحد إن كان صائمًا أو مفطرًا إلا الله وحدة، ولا يأخذ الناس من أجر الصيام شيء يوم القيامة، لأنه لله؛ ولهذا كان أعظم العبادات إخلاصا، وأعظمها أجرًا، ولما اشتمل عليه من أنواع الصبر الثلاثة:
١ - صبر على طاعة الله.
٢ - وصبر عن معصية الله.
٣ - وصبر على أقدار الله.
• وللصائم فرحتان يفرحهما:
الأولى: إذا افطر فرح بفطرة من وجهين: أنه أدى فريضة من فرائض الله، وأن الله أحل الله له ما كان ممنوعًا منه حال الصيام من الأكل والشرب والنكاح.
الثانية: إذا لقي ربه فرح بصومه، لما يراه من جزيل الثواب عليه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بعَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ ﷿: إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رَيح الْمِسْكِ».
متفق عليه.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه».
متفق عليه.
و عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانُ لا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ».
أخرجه البخاري.
• والذي يكون في رمضان ثلاثة أشياء:
الأول: تفتح أبواب الجنة، ترغيباً للعاملين بكثرة الطاعات من صلاة وصدقة وذكر وقراءة القرءان ونحو ذلك.
الثاني: تغلق أبواب النيران، وذلك لقلة المعاصي فيه من المؤمنين، وتفتح أبواب الجنة لكثرة الطاعات.
الثالث: تصفد فيه الشياطين، وهم المردة منهم، وأشدهم عداوة لبنى آدم، فتغل أيديهم حتى لا يخلصوا إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا جَاء رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النار، وَصُفدت الشَّيَاطِينُ».
متفق عليه.
• سنن الصيام:
للصيام سنن وآداب، ينبغي للمسلم فعلها، والحرص عليها، ليكمل صيامه، ويزيده أجره، ويحصل له كمال التقوى:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
ومن هذه السنن:
اولاً: يسن للصائم أن يتسحر، لأن في السحور بركه، ويسن تأخيره إلى قبيل آذان الفجر، ونعم سحور المؤمن التمر.
ومن بركة السحور التقوي على طاعة الله وعبادته، وهو سبب للقيام من النوم وقت السحر وقت الاستغفار والدعاء، وصلاة الفجر مع الجماعة، ومخالفة أهل الكتاب.
وفي السحور بركة، لما فيه من إمتثال أمر النبي ﷺ، ولما فيه من المعونة على العبادة، لأنه يعين الإنسان على الصيام طول النهار، ولما يحصل به من مخالفة أهل الكتاب، وهو مطلوبٌ شرعًا، لأنه عبادة.
وأهل الكتاب يصومون من نصف الليل، فيأكلون قبل منتصف الليل، أما نحن فنأكل في السحر أخر الليل، قبيل طلوع الفجر، فيستحضر المسلم ذلك كله عند سحوره ليكون سحوره خيرًا وبركة.
ثانيًا: يسن تعجيل الفطر، وأن يكون على رطب أو تمر قبل أن يصلي، فإن عدم التمر فعلى ماء، فإن لم يجد أفطر على ما تيسر من طعام أو شراب حلال، فإن انعدم ما يفطر عليه نوى بقلبه الفطر.
والفطر بالتمر عبادة وغذاء وحلوى وفاكهة ودواء، فالصائم يفقد كمية من السكر المخزون في جسمه، وهبوط نسبة السكر عند الإنسان عن حدها المعتاد يسبب ما يشعر به الصائم من ضعف وكسل وزوغان البصر، وأكل التمر بإذن الله يعيد إليه ما فقده من السكر والنشاط بأسرع وقت:﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
ثالثًا: يسن للقادر تفطير الصائمين، لما فيه من الإحسان للفقراء، وجلب المحبة، وحصول الأجر.
قال النبي ﷺ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا».
أخرجه أحمد والترمذي.
رابعًا: ويسن للصائم أن يكثر من الذكر والدعاء وتلاوة القرآن، ويسن له إذا أفطر أن يقول: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّه».
أخرجه أبو داود والنسائي.
خامسًا: ويسن للصائم وغيره السواك في كل وقت أول النهار وآخرة.
ساسًا: يسن للصائم إذا شاتمه أو قاتله أحد أن يقول: إني صائم، إني صائم.
سابعًا: يسن للصائم الزيادة والإكثار من أعمال الخير كالذكر وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجود، والصدقة، ومواساة الفقراء والمحتاجين، والاستغفار، والتوبة، والتهجد، وصلة الرحم، وعيادة المريض ونحو ذلك من الأعمال الصالحة: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
ثامنا: تسن صلاة التراويح في ليالي شهر رمضان بعد صلاة العشاء الآخرة إحدى عشرة ركعة مع الوتر، أو ثلاث عشرة مع الوتر، هذا هو السنة، وإحدى عشرة ركعة آكد، لأنها لأكثر من فعله ﷺ، فمن زاد فلا حرج ولا كراهية، ومن صلى مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة.
تاسعًا: يسن لمن دُعي إلى طعام نهارًا وهو صائم أن يقول: إني صائم؛ لقوله ﷺ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ، وَهُوَ صَائِمٌ،فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ».
أخرجه مسلم.
عاشرًا: يسن للصائم وغيره إذا أكل عند قوم أن يقول: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الملائِكَةُ».
أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح.
الحادي عشر: وتسن العمرة في رمضان، لقول النبي ﷺ:«عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي» متفق عليه.
الثاني عشر: ويسن الإكثار من الدعاء والصلاة والصدقة وتلاوة القرآن خاصة في ليلة القدر التي ترجى في العشر الأواخر من رمضان، وآكدها ليلة سبع وعشرين.
ومن أحرم بالعمرة في آخر يوم من رمضان، ولم يشرع في أعمالها إلا ليلة العيد فهذه العمرة تعتبر في رمضان؛ لأن العبرة بوقت الدخول فيها.
الثالث عشر: يسن أن يجتهد في العشر الأواخر من رمضان بأنواع العبادة، ويعتكف، ويحيي الليل كله، ويوقظ أهله،ويتحرى ليله القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
• فضل أكل السحور:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «تسحَّروا، فإن في السَّحورِ بركةً».
متفق عليه.
وعن عمرو بن العاص ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ».
أخرجه مسلم.
وأفضل السحور أن يتسحر بما تيسر من طعام حلال من تمر ونحوه، كما قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ».
أخرجه أبو داود.
• وقت السحور:
يسن تأخير السحور إلى ما قبل آذان الفجر الثاني بمقدار قراءة خمسين آية، خمس دقائق تقريبًا.
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: «تسحرنا مع النبي ﷺ فلما قام إلى الصلاة قلت: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأذَانِ وَالسُّحُور؟ قال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيةٍ».
متفق عليه.
وعن ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «أنَّ بِلالا يُؤَذِّنُ بِلَيْل، فكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى ينادي ابن أم مكتوم، ثم قال:وكان رَجُلا أَعْمَى لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ».
متفق عليه.
• بركة السحور:
للسحور بركات حسية، ومعنوية، وشرعية، ومنها:
أولاً: الامتثال لأمر الله ورسوله وهذا يعم البركات كلها.
ثانيًا: أن الأكل جعله الله سببًا يقوي الصائم على طاعة الله وعبادته.
ثالثًا: إن السحور يعطي الصائم قوة لا يمل معها من العبادة.
رابعًا: السحور يكون سببًا للقيام من النوم في وقت السحر الذي هو وقت التهجد والدعاء، والاستغفار، ووقت نزول الرب ﷿ إلى السماء الدنيا.
خامسًا: أن السحور يكون سببًا في صلاة الفجر مع الجماعة في وقتها.
سادسًا: في أكل السحور مخالفة لأهل الكتاب، وهي مطلوبة شرعًا.
سابعًا: أن المسلم إذا قام للسحور يحصل منه المسلمين خير ينتفع به غيره من طعام أو مال أو علم أو قضاء حاجة أو دعاء.
عن العرباض بن سارية ﵁ قال: «دعاني ﷺ إلى السحور في رمضان فقال: هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ».
أخرجه أحمد وأبو داود.
• حكم من سمع النداء والإناء في يده:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ».
أخرجه أبو داود بسند صحيح.
• وقت فطر الصائم:
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَربَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم».
متفق عليه.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: «سرنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ يا رسول الله إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا فَنَزَلَ فَجَدَحَ ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وأشار بأصبعه قبل المشرق».
متفق عليه.
• تعجيل الفطر:
يستحب للصائم تعجيل الفطر إذا سمع الآذان، أو تحقق غروب الشمس، وتعجيل الفطر دليل على بقاء الخير عند من عجله، وميراث الخير هو اتباع السنة الذي هو أساس خير الدنيا والآخرة.
عن سهل بن سعد ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفطر».
متفق عليه.
وتعجيل الفطر شعار أهل الإسلام، وتأخير الفطر هو شعار أهل الكتاب.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، لأن اليهود والنصارى يؤخرونه».
أخرجه أبو داود وابن حبان بسند حسن.
• حكم تعجيل المغرب والإفطار:
يسن للمسلم أن يفطر إذا سمع الآذان، ثم يصلي المغرب في وقتها.
عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: «دَخَلْتُ أنا ومَسْرُوقٍ عَلَى عائشة، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوقٌ: رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ كِلاهُمَا لا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ والْإفِطْارَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ والإِفْطَارَ قَالَتْ: مَنِ يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ والإِفْطَارَ؟ قَالَ:عبد الله، فَقَالَتْ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصنع».
أخرجه أحمد.
• ما يفطر به الصائم:
السنة أن يفطر الصائم على الرطب أو التمر، فإن لم يتيسر أفطر على ماء، فإن لم يتيسر أفطر على ما تيسر من طعام أو شراب حلال، فإن لم يجد ما يفطر عليه نوى بقلبه الفطر.
عن أنس بن مالك ﵁ «كَانَ الرسول ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَعلى تَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ ماء».
أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح.
• حكمة الفطر على التمر أو الماء:
إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله، وانتفاع الجسم به، والصائم يفقد كمية من السكر المخزون في جسمه أثناء الصيام، وأكل الرطب أو التمر يعيد إليه بإذن الله ما فقده من السكر والنشاط.
وأما الماء فالكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده.
• ما يقوله الصائم عند الإفطار:
أولاً: يسن للصائم عند الإفطار أن يسمي، وإذا نسي ثم ذكر قال: بسم الله أوله وآخره.
عن عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ، قال: «كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ».
متفق عليه.
ثانياً: «إذا أفطر وشرب الماء قال: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله».
أخرجه أبو داود.
ثالثًا: أن يحمد الله ﷿ عند الانتهاء.
عن أنس بن مالك ﵁ قال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».
أخرجه مسلم.
• ما يقوله الصائم إذا شتم:
عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ».
متفق عليه.
• فضل الجود بالخير في رمضان:
يسن للمسلم الإكثار من الصدقة، والإطعام، وقراءة القرآن، ومدارسته، والجود بأنواع الخير، ويتأكد ذلك في رمضان، لما فيه من شرف الزمان.
عن ابن عباس ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكان أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حين يَلْقَاهُ جِبْرِيلَ، وكَانَ جِبْرِيلَ ﵇ يَلْقَاهُ كُلِّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النبي ﷺ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ».
متفق عليه.
• ما يقوله الصائم إذا أفطر عند أحد:
عَنْ أَنَسٌ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلائِكَةُ».
أخرجه أبو داود وابن ماجة بسندٍ صحيح.
• فضل إطعام الصالحين:
الإطعام مُستحبٌ في كل وقت، ويتأكد في رمضان، لما فيه من تفريغ قلوب الصائمين والقائمين للعبادة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﵌: «مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئاً».
أخرجه الترمذي وابن ماجه بسندٍ صحيح.
• فضل صلاة التراويح:
تُسن صلاة التراويح في شهر رمضان بعد صلاة العشاء الآخرة إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، مع الوتر.
هذا هو السُنَّة، ومن صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﵌ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
متفق عليه.
وقال النبي ﵌: «من قام مع الإيمان حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلية».
أخرجه الترمذي وأبو داود.
• فضل الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر:
يُسن للمسلم أن يجتهد في العشر الأواخر من رمضان، ويحيي الليل بأنواع العبادة من ذكر ودعاء، وصلاة، وقراءة قرآن ونحو ذلك.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﵌ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ، أحْيَا اللَّيْلَ وَأيْقَظَ أهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ المِئْزَرَ».
متفقٌ عليه.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﵌ يَجْتَهِدُ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ، مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ».
أخرجه مسلم.
• فضل العمرة في رمضان:
تُسن العمرة في رمضان، وهي فيه تعدل حجة.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله ﵌ لامْرَأةٍ مِنَ الأنْصَارِ: «مَا مَنَعَكِ أنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلا نَاضِحَانِ، فَحَجَّ أبُو وَلَدِهَا وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحاً نَنْضِحُ عَلَيْهِ، قال: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً».
متفقٌ عليه.
• فضل ليلة القدر:
يُسن للمسلم إحياء ليلة القدر بالصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن، وبذل المعروف، وهي ليلةٌ عظيمة القدر، حيث يفرق فيها كل أمرٍ حكيم.
وليلة القدر خير من ألف شهر، وذلك يساوي ثلاثة وثمانون عاماً وأربعة أشهر، وهي في العشر الأواخر، وترجى ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ١ - ٥]
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
متفقٌ عليه.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي اللهمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
أخرجه الترمذي وابن ماجه بسندٍ صحيح.
• حكم العمرة ليلة القدر:
تُسن العمرة في كل وقت، وهي في رمضان آكد؛ لأنها فيه تعدل حجة.
أما تخصيص ليلة القدر بعمرة فبدعة؛ لأنه تخصيصٌ لعبادة في زمنٍ لم يخصه الشرع، وإنما خص الشرع ليلة القدر بالقيام فيها، وإحياء ليلها بالعبادة والصلاة.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
متفقٌ عليه.
• متى يكون الصوم في السفر أفضل؟
من سافر في رمضان ولا يتأثر بالسفر مطلقًا، ولا يشق عليه الصوم؛ لأن الجو بارد، والنهار قصير، فهذا الأفضل له أن يصوم لأربعة أمور:
١ - أن ذلك أشد إتباعًا لسُنَّة النبي ﵌.
٢ - ولأنه أيسر على المكلف؛ لأنه يصوم مع الناس.
٣ - ولأنه يوافق الزمن الذي يكون الصوم فيه أفضل، وهو شهر رمضان.
٤ - ولأنه أسرع في المبادرة إلى إبراء الذمة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].
• فضل ليلة القدر:
ليلة القدر هي أفضل ليالي العام:
فالملائكة ينزلون من السماء الدنيا إلى الأرض في ليلة القدر؛ ليروا عبادة البشر، وجدهم واجتهادهم؛ وللمشاركة مع البشر في إحياء هذه الليلة بالطاعات، ولتصير طاعاتهم أكثر ثوابًا، كما أن الإنسان يذهب إلى مكة لتصير صلاته أكثر ثوابًا.
والملائكة إذا نزلوا ليلة القدر إلى الأرض رأوا من الطاعات أشياء لم يروها في السماء، فيرون الأغنياء يطعمون الفقراء، ويعبدون الله، ويسمعون أنين العُصاة وذلك غير موجودٍ في السماء ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ١ - ٥]
وليلة القدر ليلةٌ عظيمة القدر، حيث يفرق فيها كل أمرٍ حكيم، وُتقدر فيها الأرزاق والآجال والأحوال في تلك السنة، وتُرجى ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان، وآكدها ليلة سبعٍ وعشرين.
وقد أخفى الله ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة؛ ليجتهد العباد في العبادة أكثر، ويكسبون أجرًا أكثر.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
متفقٌ عليه.
• فضل الاعتكاف في رمضان:
يُسن للصائم الاعتكاف في رمضان، لاسيما في العشر الأواخر؛ لأنه أقرب إلى صيانة النفس عن المنهيات، وأهيأ لإتيانها بالمأمورات، ورجاء أن يصادف ليلة القدر.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌ «أنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأواخر مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ».
متفق عليه.
• حكم صوم يوم الجمعة:
يوم الجمعة هو عيد الأسبوع، ويتكرر كل سبعة أيامٍ مرة، ولما كان عيدًا نهى النبي ﵌ عن صومه، لكنه ليس نهي تحريم؛ لأنه يتكرر في السنة أكثر من خمسين مرة.
وأما النهي عن صوم يوم عيد الفطر، وعيد الأضحى، فهو نهي تحريم؛ لأنه لا يتكرر في السنة إلا مرةً واحدة.
أما الجمعة فتتكرر كثيرًا؛ لهذا كان النهي عنه أخص، فهو نهي كراهة، وتزول الكراهة إذا ضم إليه يومًا قبله أو بعده، أو صادف يوم عرفة أو عاشوراء فلا بأس بصيامه؛ لأن يوم الجمعة غير مقصودٍ في الصيام.
وكذلك لا ينبغي أن يخص المسلم ليلة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• ما يجب على الصائم:
يجب على الصائم ما يلي:
أولًا: يجب على الصائم الفطر إذا أذن المغرب، والإمساك عن المفطرات إذا تبين له طلوع الفجر الثاني: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ثانيًا: يجب على المسلم اجتناب الكذب والغيبة والسب في كل وقت، وفي رمضان آكد.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
أخرجه البخاري.
ثالثًا: يجب على الصائم عدم الرفث والصخب، وعدم الرد على من جهل عليه.
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «قال اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ،فَإِنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ.
لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ».
متفقٌ عليه.
رابعًا: يجب على الصائم حفظ الجوارح عن المعاصي والآثام في كل وقت، وفي رمضان آكد: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
ما يحرم على الصائم:
يحرم على الصائم ما يلي:
أولًا: الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات في النهار: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].
ثانيًا: يحرم على الصائم الوصال يوماً أو يومين فأكثر من غير أكلٍ وشربٍ بينهما.
عَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ: «لا تُوَاصِلُوا، فَأيُّكُمْ إِذَا أرَادَ أنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ».
قالوا:فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله، قال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ».
أخرجه البخاري.
وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ».
مَرَّتَيْنِ، قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قال: «إِنِّي أبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَاكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ».
متفق عليه.
ثالثًا: يحرم على الصائم الغيبة والنميمة ونحوهما في كل وقت، وهي في رمضان أشد حرمة؛ لحرمة الزمان.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
أخرجه البخاري.
رابعًا: يحرم على الزوج تقبيل الزوجة ومباشرتها نهاراً إذا خشي نزول المني منه أو منها.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ».
متفق عليه.
خامسًا: يحرم على الصائم استعمال الإبر المغذية، وغسيل الكلى في نهار رمضان، إلا عند الحاجة، فيستعمل ذلك ويفطر، ويقضي: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥].
• ما يكره للصائم:
يكره للصائم في رمضان ما يلي:
أولًا: يكره للصائم في صوم فرضٍ أو نفل المبالغة في المضمضة والاستنشاق في النهار.
ثانيًا: ذوق الطعام في النهار بلا حاجة.
ثالثًا: الحجامة إن خشي أن تضعفه.
رابعًا: الفصد إن خشي الضعف.
خامسًا: مضغ العلك في النهار.
سادسًا: تقبيل ومباشرة الزوجة في النهار بشهوة.
سابعًا: فضول الكلام والنظر والنوم.
ثامنًا: جمع الريق وبلعه.
تاسعًا: بلع النخامة سواءً كانت من الرأس، أو الحلق، للصائم وغيره؛ لأنها مستقذرةٌ طبعًا، وقد تصل إلى التحريم، ويفطر بها إذا كانت من الرأس.
• أقسام الناس في الصيام والقضاء:
الناس في رمضان أربعة أصناف:
الأول: من يلزمه صوم رمضان أداءً، وهو كل مسلم بالغ عاقل قادرٍ على الصيام مقيم.
ثانيًا: من يفطر، ويقضي وهم سبعة:
المريض الذي يرجى زوال مرضه، والمسافر، والحائض والنفساء، والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو الجنين أو الرضيع، والمفطر لإنقاذ من وقع في هلكة.
ثالثًا: من لا يجب عليه الصيام أداءً ولا قضاءً، وإنما تجب عليه الكفارة بدل الصيام وهم ثلاثة:
١ - الشيخ الكبير.
٢ - والعجوز الكبيرة.
٣ - والمريض الذي لا يرجى برؤه.
رابعًا: من لا يجب عليه الصيام أداء ولا قضاءً، ولا يصح منه، وهم أربعة:
١ - الكافر: فالصوم عبادة لا تصح من كافر.
٢ - الصغير دون البلوغ، والمميز، يصح منه، ولا يجب عليه أداءً ولا قضاءً.
٣ - المجنون؛ لأنه مرفوعٌ عنه القلم.
٤ - الخرف في عقله؛ لأنه مرفوع عنه القلم، فلا يجب عليه، ولا يُطعم عنه.
• حكم قضاء رمضان:
أولًا: يجب على من أفطر في نهار رمضان بعذرٍ أن يقضي جميع الأيام التي أفطرها؛ لأنها دين لله يجب أداؤه، إلا إن كان عاجزًا عن الصيام فيطعم عن كل يوم مسكينًا.
ثانيًا: يُسن قضاء رمضان فورًا متتابعًا، وإذا ضاق الوقت وجب التتابع، وإن أخر قضاء رمضان إلى ما بعد رمضان آخر بغير عذر، فهو آثمٌ، وعليه القضاء، فعليه التوبة والاستغفار والقضاء.
ثالثًا: قضاء رمضان لا يجب على الفور، وإنما يجب على التراخي وجوبًا موسعاً، لكن تُستحب المبادرة بالقضاء.
قال الله تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١].
وَعَنْ أبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أسْتَطِيعُ أنْ أقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ الله؟، أوْ بِرَسُولِ الله ﵌».
متفقٌ عليه.
• حكم صوم التطوع قبل القضاء:
أولًا: من كان عليه قضاء من رمضان، فإنه يبدأ بالقضاء الواجب قبل التطوع؛ لأن الفرض مقدمٌ على النفل، وأداء الفرائض أحب إلى الله ﷿.
ثانيًا: من كان عليه صيام من رمضان فالسُنَّة أن يقضيه، ثم يصوم الستة أيام من شوال؛ ليحصل على فضيلة ثواب صوم الدهر، بإتباع رمضان بست من شوال.
عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﵌ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ».
اخرجه مسلم.
ثالثاً: السُنَّة أن يبادر المسلم إلى قضاء ما فاته من رمضان، لكن لو صام تطوعًا قبل أن يقضي ذلك جاز له، خاصة إذا كان الصوم مما له فضيلة تفوت كيوم عرفة، والعاشر من محرم ونحوها؛ لأن وقت القضاء موسع، لكن الأولى أن يجعل النية قضاء رمضان، ويكتب الله له القضاء، وما نواه من صوم عرفة، أو العاشر من محرم ونحو ذلك بنيته؛ لقول النبي ﵌: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
متفقٌ عليه.
***
مختارات
